المدينة العربية

ظاهرة الدكتور ضياء العوضي.. حين يبحث الناس عن الأمل خارج الطب التقليدي

بقلم :إبراهيم الحشالي

 

 لم يكن الدكتور ضياء العوضي مجرد طبيب يقدم نصائح غذائية على الإنترنت، بل تحول خلال سنوات قليلة إلى ظاهرة اجتماعية وإعلامية أثارت نقاشا واسعا داخل العالم العربي. فالرجل استطاع أن يبني جمهورا ضخما حول أفكاره المتعلقة بالغذاء والصحة ونمط الحياة، خصوصا من خلال ما عُرف بـ”نظام الطيبات”، الذي جذب آلاف المتابعين بين مؤيد يرى فيه طريقا للشفاء، ومعارض يعتبره طرحا يحتاج إلى تدقيق علمي أكبر.

لكن فهم ظاهرة ضياء العوضي لا يجب أن يقتصر فقط على النقاش الطبي أو الغذائي، لأن المسألة أعمق من ذلك بكثير. فنجاحه الكبير يكشف في الحقيقة عن أزمة ثقة متنامية يعيشها جزء من الناس تجاه المنظومة الصحية التقليدية، خاصة في المجتمعات العربية التي يعاني فيها المواطن أحيانا من ارتفاع تكاليف العلاج، وضعف التواصل الإنساني داخل المؤسسات الصحية، والخوف المستمر من الأدوية والآثار الجانبية.

الكثير من الناس لم يتابعوا ضياء العوضي لأنه طبيب فقط، بل لأن خطابه كان مختلفا عن الخطاب الطبي الكلاسيكي. كان يتحدث بلغة بسيطة، قريبة من الناس، ويعطي الانطباع بأن الحلول الصحية يمكن أن تكون مرتبطة بالغذاء الطبيعي والعادات اليومية، وليس دائما بالعقاقير والتحاليل المعقدة. وهنا تكمن قوة الظاهرة: الناس كانت تبحث عن شخص يمنحها شعورا بالسيطرة على صحتها وحياتها.

وسائل التواصل الاجتماعي لعبت أيضا دورا أساسيا في تضخيم هذه الظاهرة. فالعصر الرقمي لم يعد يصنع فقط مشاهير الفن والسياسة، بل أصبح قادرا على صناعة “نجوم” في مجالات الصحة والتغذية والتنمية الذاتية. وكلما كان الخطاب بسيطا ومباشرا ويخاطب مخاوف الناس اليومية، زادت قدرته على الانتشار.

غير أن الجدل الذي رافق أفكار ضياء العوضي يعكس بدوره إشكالا حقيقيا يواجه المجتمعات الحديثة: أين ينتهي الطب العلمي؟ وأين تبدأ القناعات الشخصية والتجارب الفردية؟ فهناك من رأى في “نظام الطيبات” محاولة لإعادة الإنسان إلى نمط غذائي طبيعي، بينما اعتبر آخرون أن بعض الطروحات المرتبطة به تحتاج إلى أدلة علمية أكثر صرامة. وقد عاد هذا الجدل بقوة بعد وفاته، حيث استمرت النقاشات حول أفكاره ونظامه الغذائي على نطاق واسع.

لكن بعيدا عن الجدل، فإن ظاهرة ضياء العوضي تكشف شيئا مهما جدا: الإنسان العربي اليوم يعيش قلقا صحيا ونفسيا كبيرا. الناس تبحث عن الطمأنينة، عن تفسير بسيط لأمراض العصر، وعن أمل في حياة صحية أقل تعقيدا. ولهذا تجد أي خطاب يقدم نفسه باعتباره “عودة للطبيعة” أو “تحررا من هيمنة الأدوية” يلقى انتشارا واسعا بسرعة كبيرة.

المشكلة أن مواقع التواصل لا تترك دائما مساحة كافية للتوازن العلمي. فإما أن يتحول الشخص إلى “منقذ خارق” في نظر البعض، أو إلى “خطر مطلق” في نظر آخرين، بينما الحقيقة غالبا أكثر تعقيدا من هذا الاستقطاب الحاد.

وفي النهاية، سواء اتفق الناس أو اختلفوا مع أفكار ضياء العوضي، فإن تأثيره الواسع يؤكد أن المجتمعات العربية تحتاج اليوم إلى خطاب صحي جديد، أكثر قربا من الناس، يجمع بين العلم والتواصل الإنساني، ويعيد بناء الثقة بين المواطن والطبيب بعيدا عن التخويف أو التقديس.

Exit mobile version