إعداد: ياسين العمراني
احتضنت الرباط نقاشا إفريقيا واسعا حول مستقبل السكن والتنمية الحضرية. وجاء ذلك ضمن أشغال الجمعية العامة الخامسة والأربعين لبنك التنمية الإفريقي للسكن “شيلتر إفريقيا”.
وشكلت المائدة المستديرة الوزارية مناسبة لبحث آليات إعداد مشاريع السكن المستدام. كما ناقشت سبل تطوير المدن الإفريقية في ظل التحولات الديموغرافية والمناخية.
وحضر المغرب في هذا النقاش من خلال مداخلة أديب بن إبراهيم. وهو كاتب الدولة المكلف بالإسكان. وقد عرض الرؤية المغربية في مجال التخطيط الحضري المستدام.
إفريقيا أمام تحول حضري كبير
قال أديب بن إبراهيم إن القارة الإفريقية تعيش تحولا عميقا. ويرتبط هذا التحول بالنمو الديموغرافي والتوسع السريع للمدن.
وأوضح أن هذا الوضع يمثل فرصة تاريخية للقارة. لكنه يطرح أيضا تحديات كبرى أمام الحكومات والمؤسسات المالية والجماعات الترابية.
وأضاف أن السؤال المطروح لا يتعلق فقط ببناء مساكن جديدة. بل يرتبط أيضا بقدرة الدول على التخطيط والتمويل. كما يرتبط بإنجاز مشاريع حضرية متكاملة.
السكن ليس مجرد وحدات إسمنتية
شدد كاتب الدولة المكلف بالإسكان على أن تحدي السكن لا يختزل في بناء وحدات سكنية. فالمطلوب هو تصميم أحياء متكاملة توفر شروط العيش الكريم.
وتشمل هذه الشروط القرب من الخدمات الأساسية. كما تشمل توفر النقل والمرافق الجماعية. وتشمل أيضا خلق فرص اقتصادية داخل بيئة آمنة وصحية.
وبهذا المعنى، يصبح السكن جزءا من مشروع حضري أوسع. ولا يبقى مجرد حل تقني لمشكل العجز في عدد الوحدات.
التجربة المغربية في الواجهة
استحضر بن إبراهيم التجربة المغربية باعتبارها تجربة تقوم على رؤية بعيدة المدى. كما تقوم على تخطيط عمراني منظم، وتعبئة جماعية للفاعلين.
وأوضح أن المغرب عرف تحولا مهما في سياسات السكن والتعمير. وقد تم ذلك وفق الرؤية الملكية. وتجلى هذا التحول في برامج لمحاربة السكن غير اللائق. كما شمل تطوير السكن الاجتماعي وتعزيز التخطيط العمراني.
وأشار إلى أن المرحلة الحالية تضع المواطن في قلب السياسات العمومية. ويتم ذلك عبر آليات جديدة للمساعدة المباشرة على اقتناء السكن. كما يتم عبر ربط السكن بجودة إطار العيش.
جودة المشروع تبدأ قبل التمويل
اعتبر المسؤول المغربي أن جودة المشروع لا تبدأ عند التمويل أو الإنجاز. بل تبدأ منذ مرحلة الإعداد.
فالمشروع الحضري الناجح يحتاج إلى رؤية عمرانية واضحة. كما يحتاج إلى تحكم جيد في الوعاء العقاري. ويحتاج أيضا إلى دراسات تقنية ومالية متينة.
ولا يقل جانب الحكامة أهمية عن ذلك. فنجاح المشروع يتطلب تنسيقا بين مختلف الشركاء. كما يتطلب قدرة على تعبئة القطاعين العام والخاص.
وأضاف أن إعداد المشاريع يجب أن يراعي المتطلبات البيئية والمناخية. فهذه العناصر أصبحت جزءا أساسيا من التخطيط الحضري الحديث.
المناخ والإدماج الاجتماعي في قلب التخطيط
دعا بن إبراهيم إلى اعتماد مقاربات جديدة في التنمية الحضرية. ويجب أن تجعل هذه المقاربات المدن الإفريقية أكثر قدرة على مواجهة آثار التغير المناخي.
وتشمل هذه المقاربات تحسين استهلاك الطاقة. كما تشمل ترشيد استعمال الموارد، وتطوير التنقل المستدام. وتشمل أيضا تعزيز الإدماج الاجتماعي داخل الأحياء.
وأكد أن مؤسسات التمويل التنموي يمكن أن تلعب دورا مهما في هذا المسار. فهي لا تمول الاستثمارات فقط. بل تساعد أيضا في إعداد المشاريع وتقوية القدرات. كما تساهم في تبادل الخبرات بين الدول.
التعاون جنوب-جنوب كرافعة للإسكان
أبرز كاتب الدولة المكلف بالإسكان أهمية التعاون بين الدول الإفريقية. خاصة في مجال السكن والتنمية الحضرية.
واعتبر أن التعاون جنوب-جنوب يشكل رافعة أساسية لتبادل التجارب الناجحة. كما يساعد على بناء حلول نابعة من واقع القارة وأولوياتها.
ودعا إلى بلورة رؤية إفريقية جماعية للتنمية الحضرية المستدامة. وينبغي أن تستجيب هذه الرؤية للتحديات المشتركة. كما يجب ألا تكتفي باستيراد نماذج جاهزة لا تراعي خصوصيات المجتمعات الإفريقية.
إشادة إفريقية بالنموذج المغربي
أشاد سيلستان كوالا، المدير العام للإسكان وإطار العيش بوزارة الإسكان والتعمير بكوت ديفوار، بالدور الذي يلعبه المغرب في مجال الإسكان الاجتماعي.
واعتبر أن التجربة المغربية تشكل نموذجا ملهما لعدد من دول غرب إفريقيا. ويظهر ذلك في آليات تمويل موجهة للفئات ذات الدخل المحدود. كما يهم العاملين في القطاع غير المهيكل.
وأشار المسؤول الإيفواري إلى نجاح المغرب في محاربة السكن غير اللائق. وقال إن هذا النجاح يعزز فرص التعاون الإفريقي. خاصة أمام العجز السكني الكبير في القارة، والمقدر بنحو خمسين مليون مسكن.
التمويلات الخضراء ضرورة إفريقية
أكد كوالا أهمية الانتقال الإيكولوجي في قطاع السكن الإفريقي. كما شدد على أهمية التمويلات الخضراء.
فالتحديات المناخية تؤثر بشكل مباشر على المدن والمساكن. لذلك أصبح إدماج البعد البيئي في سياسات الإسكان ضرورة.
وأوضح أن الحكومات والبلديات مطالبة بتنزيل سياسات إسكان إيكولوجية ومستدامة. كما شدد على ضرورة تمكين الدول الإفريقية من الوصول إلى التمويلات الخضراء.
ويمكن لهذه التمويلات أن تساعد على بناء مشاريع سكنية أكثر صمودا. كما يمكن أن تحد من آثار التحولات المناخية على المدن والمساكن.
نقاشات حول الحكومات والبلديات
شهد اليوم الثاني من أشغال “شيلتر إفريقيا” نقاشات شارك فيها مسؤولون من مجموعة العمران. كما شارك فيها ممثلون عن شركة التهيئة لزناتة، التابعة لمجموعة صندوق الإيداع والتدبير. وحضرها أيضا خبراء أفارقة.
وركزت النقاشات على أدوار الحكومات والبلديات في تنفيذ سياسات الإسكان. كما أبرزت أهمية البعد الإيكولوجي في التخطيط الحضري.
وناقش المشاركون آليات تساعد الدول الإفريقية على الاستفادة من التمويلات الخضراء. والهدف هو الحد من آثار التغيرات المناخية على المدن والمساكن.
نحو رؤية حضرية إفريقية مشتركة
تكشف مائدة “شيلتر إفريقيا” بالرباط أن ملف السكن في إفريقيا لم يعد قضية اجتماعية فقط. فقد أصبح أيضا قضية تنموية ومناخية واستثمارية.
فالقارة تحتاج إلى بناء مساكن جديدة. لكنها تحتاج أيضا إلى مدن مخططة بشكل جيد. وتحتاج إلى أحياء مندمجة ومشاريع قابلة للتمويل. كما تحتاج إلى حكامة قادرة على تعبئة الموارد والشركاء.
ومن خلال عرض تجربته، يعزز المغرب حضوره كفاعل إفريقي في مجال التخطيط الحضري المستدام. كما يقدم نفسه شريكا في بناء حلول سكنية تراعي العدالة الاجتماعية. وتراعي كذلك الاستدامة البيئية ومتطلبات التنمية الحضرية الحديثة.
