المدينة العربية

مشروع عين النخلة بالسمارة يرسم ملامح نموذج فلاحي جديد بالأقاليم الجنوبية

إعداد: خالد المرابطي

تشهد الأقاليم الجنوبية للمملكة دينامية تنموية متواصلة تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بالمجال القروي. وفي هذا السياق يبرز مشروع التهيئة الهيدرو-فلاحية بعين النخلة بإقليم السمارة كأحد المشاريع الواعدة التي تراهن على تثمين الموارد المائية وتطوير النشاط الفلاحي في بيئة صحراوية تتسم بخصوصيات مناخية ومجالية فريدة.

ويعد هذا المشروع خطوة جديدة في مسار تنزيل استراتيجية “الجيل الأخضر”، التي تسعى إلى تحقيق تنمية فلاحية مستدامة، وخلق فرص الشغل، وتحسين ظروف عيش الساكنة القروية.

يمثل مشروع عين النخلة أول مبادرة من نوعها بإقليم السمارة لتحويل أراض بورية إلى أراض سقوية. ويرتكز المشروع على استغلال مورد مائي مؤكد يسمح بإحداث مدار فلاحي يمتد على مساحة تناهز 100 هكتار.

ويهدف هذا التحول إلى الرفع من مردودية الأراضي وتحسين استغلال الموارد الطبيعية المتاحة. كما يسعى إلى تعزيز النشاط الفلاحي في منطقة تعتمد بشكل كبير على تربية الماشية كمصدر أساسي للدخل.

ويعتبر هذا التوجه جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى تنويع الاقتصاد القروي وتقوية قدرته على مواجهة التحديات المناخية.

يركز المشروع بشكل أساسي على إنتاج الأعلاف الموجهة لتغذية الماشية. ويأتي ذلك استجابة للحاجيات المتزايدة للكسابة الذين تأثروا خلال السنوات الماضية بارتفاع أسعار الأعلاف وتراجع المراعي بسبب الجفاف.

ومن المنتظر أن يساهم الإنتاج المحلي للأعلاف في تخفيف الأعباء المالية على المربين. كما سيمكن من تحسين جودة التغذية الحيوانية والرفع من مردودية سلاسل إنتاج اللحوم.

ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الاقتصادي والاجتماعي الذي تلعبه تربية الماشية في الأقاليم الجنوبية.

لا يقتصر أثر المشروع على الجانب الفلاحي فقط. بل يمتد إلى خلق فرص اقتصادية جديدة لفائدة الساكنة المحلية.

فإحداث منطقة للأنشطة الفلاحية سيساهم في تطوير الخدمات المرتبطة بالإنتاج والتسويق والتخزين. كما سيفتح المجال أمام الشباب للاستفادة من فرص الشغل والمبادرات الاقتصادية المحلية.

ويتوقع أن ينعكس هذا الحراك إيجاباً على مستوى الدخل والاستقرار الاجتماعي بالمجال القروي.

يحظى المشروع بمواكبة علمية من المعهد الإفريقي للأبحاث في الزراعة المستدامة التابع لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية.

وتتمثل مهمة المعهد في مواكبة الفلاحين والتعاونيات من خلال تقديم الخبرة العلمية والتقنية. كما يعمل على اختيار أصناف نباتية قادرة على التكيف مع الظروف المناخية الصعبة التي تميز المناطق الصحراوية.

وتشمل هذه التحديات ملوحة التربة وضعف التساقطات والرياح القوية، وهي عوامل تفرض اعتماد حلول مبتكرة لضمان نجاح المشاريع الفلاحية.

يشكل الماء أحد أهم عناصر نجاح المشروع. لذلك تم اعتماد مقاربة تقوم على ترشيد الاستغلال وضمان استدامة الموارد المائية المتوفرة.

ويرى الخبراء أن تحقيق التنمية الفلاحية في المناطق الصحراوية يتطلب التوازن بين الإنتاج الاقتصادي والحفاظ على الموارد الطبيعية.

كما أن تحسين تقنيات الري ورفع كفاءة استخدام المياه يعدان من الشروط الأساسية لضمان استمرارية هذه المشاريع على المدى الطويل.

يعتمد مشروع عين النخلة على شراكة تجمع عدداً من المؤسسات الوطنية والجهوية. ويشمل ذلك قطاعات حكومية ومؤسسات بحثية وتنموية وهيئات مهنية.

ويعكس هذا النموذج أهمية التنسيق بين مختلف المتدخلين لتحقيق أهداف التنمية القروية. كما يؤكد أن نجاح المشاريع الكبرى يحتاج إلى مقاربة تشاركية تجمع التمويل والخبرة والحكامة الجيدة.

يرى متابعون أن مشروع عين النخلة يمكن أن يشكل نموذجاً قابلاً للتعميم في مناطق أخرى من الأقاليم الجنوبية. فالتجربة تجمع بين تثمين الموارد المائية ودعم الإنتاج الفلاحي وتحقيق الإدماج الاقتصادي.

كما أنها تنسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز السيادة الغذائية وتحقيق تنمية مجالية متوازنة.

ومع انطلاق مراحل الإنجاز الميداني، يترقب الفاعلون المحليون أن يسهم المشروع في إحداث تحول نوعي داخل المجال القروي بإقليم السمارة، وأن يصبح نموذجاً ناجحاً للتنمية الفلاحية المستدامة في البيئات الصحراوية.

Exit mobile version