المدينة العربية

اكتشاف لوح لعب أثري في وليلي يكشف جوانب من الحياة اليومية بالمغرب في العصور الوسطى

إعداد: سلمى الإدريسي

سلطت دراسة علمية حديثة الضوء على اكتشاف أثري جديد بموقع وليلي التاريخي، يتعلق بلوح لعب يعود إلى العصور الوسطى. ويقدم هذا الاكتشاف معطيات مهمة حول أنشطة الترفيه والحياة الاجتماعية في المغرب خلال القرون الأولى من التاريخ الإسلامي.

ونشرت الدراسة في العدد الأخير من مجلة “دراسات ليبية”، الصادرة عن المعهد البريطاني للدراسات الليبية وشمال إفريقيا. وقد أنجزها باحثون من المغرب والمملكة المتحدة متخصصون في علم الآثار وتاريخ المجتمعات القديمة.

يرتبط موقع وليلي في الذاكرة التاريخية بالمباني الأثرية والفسيفساء والآثار الرومانية. غير أن الاكتشاف الجديد يسلط الضوء على جانب مختلف من حياة السكان.

فالباحثون لم يركزوا هذه المرة على القصور أو المنشآت الرسمية. بل اهتموا بمظاهر الترفيه التي كانت جزءاً من الحياة اليومية داخل المدينة.

ويظهر لوح اللعب المكتشف أن سكان وليلي كانوا يمارسون ألعاباً جماعية خلال أوقات الفراغ. كما كانوا يستغلون الفضاءات العامة في أنشطة اجتماعية متنوعة.

أشارت الدراسة إلى أن تصميم اللوح يشبه إلى حد كبير لعبة “السيج” أو “التاب”، وهي لعبة شعبية ما زالت معروفة في بعض مناطق شمال إفريقيا.

ويرجح الباحثون أن اللوح استعمل لهذه اللعبة خلال الفترة الممتدة بين القرنين الثامن والعاشر الميلاديين.

كما لم تستبعد الدراسة احتمال ارتباطه بلعبة “المنقلة” الشهيرة. غير أن المعطيات المتوفرة تميل أكثر نحو فرضية لعبة “السيج”.

ويمثل ذلك مؤشراً مهماً على امتداد جذور بعض الألعاب التقليدية الحالية إلى قرون بعيدة في تاريخ المنطقة.

يرى الباحثون أن أهمية الاكتشاف لا تقتصر على اللوح نفسه. بل تتجاوز ذلك إلى إعادة قراءة تاريخ الألعاب التقليدية في شمال إفريقيا.

فإذا تأكد ارتباط اللوح بلعبة “السيج”، فسيكون أقدم دليل أثري معروف على وجود هذه اللعبة في المنطقة.

كما يشير هذا المعطى إلى أن ممارسات الترفيه الشعبية كانت أكثر انتشاراً مما كان يعتقد سابقاً.

ويفتح ذلك الباب أمام دراسات جديدة لفهم أنماط الحياة اليومية لدى سكان المدن الإسلامية الأولى بالمغرب.

شهدت مدينة وليلي تحولات مهمة بعد دخول الإسلام إلى المغرب خلال القرن الثامن الميلادي.

وأصبحت المدينة مركزاً لقبيلة أوربة التي اعتنقت الإسلام. كما ارتبط اسمها بوصول إدريس الأول وتأسيس إحدى أولى الكيانات السياسية الإسلامية المستقلة في شمال إفريقيا.

وتساعد الاكتشافات الأثرية الجديدة على فهم تفاصيل الحياة داخل المدينة خلال تلك المرحلة التاريخية المهمة.

يؤكد الباحثون أن الألعاب القديمة ليست مجرد وسائل للتسلية. بل تمثل مصدراً مهماً لفهم المجتمع والثقافة والعلاقات الإنسانية.

وتكشف ألواح اللعب عن كيفية استخدام الفضاءات العامة. كما توضح طبيعة التفاعل بين السكان خلال أوقات الفراغ.

ويرى المختصون أن هذا النوع من الآثار لا يحظى بالاهتمام الكافي في العديد من الدراسات الأثرية، رغم قيمته العلمية الكبيرة.

دعت الدراسة إلى توثيق ألواح الألعاب والقطع المرتبطة بها بشكل أكثر منهجية. كما أوصت بإيلاء اهتمام أكبر للنقوش والرسومات البسيطة التي يعثر عليها خلال الحفريات.

ويعتقد الباحثون أن هذه العناصر تقدم معلومات ثمينة عن الحياة اليومية. كما تساعد على فهم الجوانب الاجتماعية والثقافية التي لا تظهر عادة في المباني والمنشآت الكبرى.

ويؤكد اكتشاف وليلي أن التراث لا يقتصر على المعالم الشهيرة فقط، بل يشمل أيضاً تفاصيل الحياة العادية التي عاشها الناس قبل قرون.

يضيف هذا الاكتشاف صفحة جديدة إلى تاريخ وليلي والمغرب الوسيط. كما يبرز أهمية البحث الأثري في إعادة بناء صورة أكثر دقة عن حياة المجتمعات القديمة.

ومع استمرار أعمال البحث والتنقيب، ينتظر أن تكشف المواقع الأثرية المغربية عن معطيات جديدة تساعد على فهم جوانب أخرى من التاريخ الاجتماعي والثقافي للمملكة.

Exit mobile version