المدينة العربية

مخطوط سوسي نادر يكشف صراعاً قبلياً حول منجم للنحاس في الأطلس الصغير خلال القرن السابع عشر

ليلى الشاوي — مراكش

 

صدر حديثاً كتاب جديد ضمن “سلسلة الرسائل السوسية المحققة”، يحمل عنوان “أنباء ما جرى بين أهل المراكد والهلاليين”، ليزيح الستار عن مرحلة غامضة من تاريخ المغرب خلال القرن السابع عشر.

ويكشف هذا العمل، الذي حققه الباحث المهدي بن محمد السعيدي، تفاصيل نزاع قبلي كبير اندلع في منطقة سوس بسبب التنافس على منجم للنحاس بمنطقة تازالاغت في عمق الأطلس الصغير.

وثيقة تاريخية من قلب الأحداث

تكتسي هذه الرسالة أهمية خاصة لأنها كُتبت من طرف شاهد عاصر الوقائع بنفسه.

ومؤلف المخطوط هو الفقيه عبد الله بن الحاج شعيب الهلالي، أحد علماء سوس الذين لم يحظوا بما يكفي من الاهتمام في كتب التراجم والتاريخ.

وتقدم الرسالة وصفاً مباشراً للأحداث والصراعات التي عرفتها المنطقة، كما تنقل صورة عن الحياة السياسية والاجتماعية خلال تلك المرحلة.

نزاع حول منجم للنحاس

تعود أحداث المخطوط إلى سنة 1665 ميلادية تقريباً.

وكان السبب الرئيسي للنزاع هو التنافس على استغلال منجم للنحاس بمنطقة تازالاغت، الواقعة في الأطلس الصغير.

وتحول هذا التنافس الاقتصادي إلى صراع قبلي واسع بين أهل المراكد والهلاليين، ما أدى إلى مواجهات دامية وأعمال نهب وقتل في المنطقة.

مرحلة من الفراغ السياسي

وقعت هذه الأحداث في فترة دقيقة من تاريخ المغرب.

فبعد انهيار الدولة السعدية ووفاة أبي حسون السملالي سنة 1659، دخلت مناطق واسعة من البلاد مرحلة من الاضطراب السياسي.

كما لم يكن الحكم العلوي قد استقر بعد بشكل كامل، وهو ما ساهم في انتشار النزاعات المحلية والصراعات القبلية.

ويشير المخطوط إلى أن ضعف السلطة المركزية سمح بظهور مراكز نفوذ محلية تنافست فيما بينها على الموارد والمجالات الترابية.

تراجع دور العلماء وتصاعد نفوذ الأعيان

يرسم المؤلف صورة قاتمة للأوضاع التي كانت سائدة في سوس خلال تلك المرحلة.

فبحسب الرواية الواردة في المخطوط، تراجعت مكانة العلماء والفقهاء، بينما ارتفع نفوذ قادة القبائل والأعيان المحليين.

كما أصبحت القرارات الأساسية بيد الزعامات القبلية، في وقت ضعفت فيه المؤسسات القادرة على فرض الاستقرار وحل النزاعات.

قراءة اجتماعية وأخلاقية للأحداث

لا يكتفي المخطوط بسرد الوقائع العسكرية والسياسية فقط.

بل يقدم أيضاً قراءة اجتماعية وأخلاقية للواقع الذي عاشته المنطقة.

ويؤكد المؤلف أن الأطراف المتصارعة كانت تنتمي إلى المجتمع نفسه وتتشارك المرجعية الدينية ذاتها.

غير أن العصبية القبلية والمصالح الضيقة، بحسب وصفه، كانت أقوى من قيم التعايش والعدل.

كما ينتقد المؤلف انشغال عدد من الناس بالمصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة.

التعريف بمؤلف المخطوط

ينتمي الفقيه عبد الله بن الحاج شعيب الهلالي إلى منطقة تاليضلا بإقليم تارودانت.

وكان من الشخصيات العلمية البارزة في محيطه المحلي.

إلى جانب نشاطه العلمي، اشتغل بالفلاحة والرعي، كما ساهم في تطوير الحياة الدينية والاجتماعية بقريته.

ومن أبرز أعماله معجم لغوي يشرح المفردات العربية بالأمازيغية، إضافة إلى مؤلفات في الأعراف المحلية والأدب والوعظ.

أهمية المخطوط في كتابة تاريخ سوس

يرى المحقق المهدي بن محمد السعيدي أن أهمية هذا العمل تكمن في كشفه لجوانب مجهولة من تاريخ سوس.

كما يساهم في إثراء المكتبة التاريخية المغربية بوثيقة محلية نادرة تعكس واقع منطقة ظلت بعيدة عن الأضواء مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى.

ويؤكد الباحث أن عدداً كبيراً من المخطوطات المغربية ما يزال ينتظر التحقيق والنشر، ما قد يساعد على إعادة قراءة فترات تاريخية مهمة من منظور محلي أكثر دقة.

كنوز تاريخية ما تزال تنتظر الاكتشاف

يعيد هذا المخطوط التأكيد على غنى التراث الوثائقي المغربي، خصوصاً في مناطق الجنوب وسوس.

كما يبرز أهمية البحث في الخزانات الخاصة والعامة لاكتشاف نصوص جديدة تسهم في فهم التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المغرب عبر تاريخه.

ويعتبر الباحثون أن مثل هذه الوثائق لا تقدم فقط معلومات تاريخية، بل تساعد أيضاً على فهم بنية المجتمع المغربي وتطوره عبر القرون.

 

Exit mobile version