المدينة العربية

شبهات التلاعب برخص التعمير تعيد ملف حكامة العقار والبناء إلى الواجهة بالمغرب

إعداد: ياسين العمراني

تشهد منظومة التعمير بالمغرب مرحلة دقيقة في ظل تزايد التقارير الرقابية التي ترصد اختلالات مرتبطة بمنح رخص البناء والتصرف في العقار. ويأتي ذلك في سياق الجهود الرامية إلى تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل الجماعات الترابية، خاصة في القطاعات التي ترتبط بشكل مباشر بالتنمية الحضرية وحماية المجال العمراني.

وكشفت معطيات أولية واردة ضمن تقارير تفتيش أنجزتها مصالح مختصة بوزارة الداخلية عن وجود شبهات تتعلق بتدبير رخص البناء واستخلاص الرسوم الجبائية بعدد من الجماعات الترابية التابعة لجهات مختلفة، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول فعالية آليات المراقبة والتتبع في قطاع التعمير.

تعد رخص البناء من أهم الأدوات التنظيمية التي تعتمدها الجماعات الترابية لضبط النمو العمراني وضمان احترام وثائق التعمير والقوانين الجاري بها العمل. غير أن التقارير المتداولة تشير إلى احتمال وجود تجاوزات مرتبطة بإصدار بعض الرخص دون استكمال الإجراءات القانونية أو استخلاص الرسوم المترتبة عنها.

وتكتسي هذه الرسوم أهمية خاصة بالنسبة للجماعات المحلية، إذ تشكل مورداً مالياً أساسياً يساهم في تمويل المشاريع والخدمات العمومية. ولذلك فإن أي اختلال في استخلاصها قد ينعكس مباشرة على التوازنات المالية للجماعات المعنية.

من بين النقاط التي أثارت اهتمام لجان التفتيش، وجود شبهات مرتبطة بتحويل أراض ذات طابع فلاحي إلى مشاريع سكنية أو سياحية خارج المساطر القانونية المعمول بها.

ويثير هذا الأمر مخاوف متزايدة بشأن حماية الوعاء العقاري الفلاحي، خاصة في ظل الضغوط العمرانية التي تعرفها العديد من المناطق المحيطة بالمدن الكبرى. فالتوسع الحضري غير المنظم لا يهدد فقط النشاط الزراعي، بل يؤثر أيضاً على التوازنات البيئية والمجالية.

ويرى خبراء في التخطيط العمراني أن المحافظة على الأراضي الفلاحية أصبحت جزءاً أساسياً من استراتيجيات التنمية المستدامة، نظراً لدورها في الأمن الغذائي والحفاظ على الموارد الطبيعية.

تطرح هذه المعطيات من جديد سؤال الحكامة في قطاع التعمير، ومدى قدرة المؤسسات المكلفة بالمراقبة على الحد من التجاوزات المحتملة وضمان احترام القانون.

فالتعمير لا يرتبط فقط بمنح الرخص، بل يشمل منظومة متكاملة تضم الجماعات الترابية والوكالات الحضرية والسلطات المحلية والمصالح التقنية المختلفة. وأي خلل في التنسيق بين هذه الأطراف قد يفتح المجال أمام اختلالات تؤثر على جودة التخطيط العمراني.

كما أن الرقمنة التي شرع المغرب في اعتمادها داخل عدد من الإدارات يمكن أن تشكل وسيلة فعالة لتعزيز الشفافية وتتبع مسار الرخص والوثائق الإدارية بشكل دقيق.

لا تقتصر آثار هذه الاختلالات على الجانب الإداري فقط، بل تمتد إلى التنمية المحلية وجودة العيش داخل المدن والمراكز الحضرية.

فالبناء غير المنظم يؤدي في كثير من الحالات إلى الضغط على البنيات التحتية والخدمات العمومية، كما يخلق أحياء تفتقر إلى التجهيزات الأساسية والمساحات الخضراء والمرافق الاجتماعية الضرورية.

وتؤكد التجارب الدولية أن التخطيط العمراني السليم يمثل أحد أهم شروط بناء مدن مستدامة وقادرة على الاستجابة لحاجيات السكان المتزايدة.

في ظل المعطيات المتداولة، ينتظر أن تعرف المرحلة المقبلة إجراءات رقابية وقانونية تهدف إلى ترتيب المسؤوليات وتفعيل آليات المحاسبة عند الاقتضاء.

ويعتبر متابعون أن تعزيز الشفافية في قطاع التعمير يظل من بين أهم التحديات المطروحة أمام الجماعات الترابية، خصوصاً مع تسارع وتيرة التوسع العمراني وارتفاع الطلب على العقار والسكن.

ويبقى الرهان الأساسي هو ضمان احترام القانون وحماية المجال العمراني والوعاء الفلاحي، بما يحقق تنمية متوازنة تحافظ على حقوق الأجيال الحالية والمستقبلية.

أصبحت المدن المغربية مطالبة أكثر من أي وقت مضى باعتماد مقاربات حديثة في تدبير النمو الحضري، تقوم على التخطيط الاستباقي والشفافية واحترام القوانين.

فالتنمية الحضرية ليست مجرد توسع عمراني، بل هي مشروع متكامل يهدف إلى بناء مدن أكثر تنظيماً واستدامة وقدرة على توفير جودة حياة أفضل للمواطنين.

ومن هنا تبرز أهمية ترسيخ ثقافة الحكامة الجيدة في قطاع التعمير باعتبارها مدخلاً أساسياً لتحقيق تنمية مجالية متوازنة ومستدامة.

Exit mobile version