إعداد: ياسين العمراني
فتحت إدارات ترابية في عدد من الجهات المغربية تحريات ميدانية واسعة. وجاء ذلك بعد توصلها بإخباريات تتحدث عن شبهات ضغط ضريبي وابتزاز. وتهم هذه الشبهات ملاك أراض حضرية غير مبنية.
وتشمل التحريات جماعات بجهات الدار البيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة، ومراكش-آسفي. وقد وضعت هذه المعطيات بعض أقسام الجبايات الجماعية تحت مجهر المراقبة.
ولا يبدو الملف مجرد خلاف عادي حول أداء رسوم محلية. فالمعطيات الأولية تشير إلى احتمال استعمال ملفات ضريبية للضغط على ملاك العقار. ويهم الأمر، بشكل خاص، الورثة ومغاربة الخارج.
تحريات في جماعات مغربية
أوفدت السلطات الترابية رجال سلطة إلى الميدان. ويتعلق الأمر بقواد وباشوات ورؤساء دوائر. وكانت مهمتهم جمع المعطيات، والتحقق من الوقائع، والاستماع إلى الأطراف المعنية.
وتندرج هذه الخطوة ضمن مساطر التحري الأولي. وهي مرحلة تسبق ترتيب أي مسؤوليات إدارية أو قانونية محتملة.
وتكتسي هذه التحريات أهمية خاصة. فحجم الإخباريات الواردة يوحي بأن الأمر قد يتجاوز الحالات الفردية. لذلك اعتمدت السلطات مقاربة بحث منظمة، بدل معالجة كل ملف بشكل منفصل.
الضريبة بين القانون والضغط
تتمحور الشبهات حول موظفين جماعيين يشتغلون في أقسام الجبايات. ويشتبه في أن بعضهم استعمل ملفات الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية للضغط على أصحابها.
ويتم ذلك، وفق المعطيات المتداولة، عبر إشعار الملاك بمتأخرات ضريبية ثقيلة. وقد تكون هذه المتأخرات مبالغا فيها، أو مقدمة بطريقة تثير الخوف والارتباك.
في الأصل، تعد الجباية المحلية أداة قانونية لتمويل الجماعات. وهي تساعد على تحسين الخدمات داخل المدن. لكنها قد تتحول، عند سوء استعمالها، إلى وسيلة لإضعاف المواطن ودفعه إلى قرارات لا تخدم مصلحته.
وهنا يصبح الخطر أكبر. فالضريبة لا تعود مجرد التزام مالي، بل تتحول إلى أداة ضغط على الملكية العقارية.
ملاك تحت التهديد
تشير بعض الإخباريات إلى أن الضغط لم يتوقف عند التذكير بالمتأخرات. فقد امتد، في حالات معينة، إلى تأخير معالجة الملفات وتعطيل مساطر التسوية.
كما تحدثت المعطيات عن تخويف بعض الملاك بإجراءات التحصيل القسري. وتشمل هذه الإجراءات الحجز على الممتلكات أو بيعها بالمزاد العلني.
وأمام هذا الوضع، يجد بعض الملاك أنفسهم في حالة ارتباك. ويزداد الأمر صعوبة عندما لا يعرف المالك حقوقه، أو طرق الطعن، أو آجال التسوية.
وتبدو فئتا الورثة ومغاربة الخارج أكثر عرضة لهذا النوع من الضغط. فكثير منهم يمتلكون قطعا أرضية داخل المدن، لكنهم لا يتابعون ملفاتها الإدارية والجبائية بانتظام.
منعشون عقاريون في دائرة الشبهات
الأخطر في الملف أن بعض المعطيات تتحدث عن توجيه الملاك نحو بيع أراضيهم. ويتم ذلك، حسب الإخباريات، بأثمان تقل عن قيمتها الحقيقية في السوق.
وتشير المعطيات إلى استفادة محتملة لمنعشين عقاريين أو مجزئين كبار. وفي حال ثبت ذلك، فإننا لا نكون أمام ضغط ضريبي فقط. بل أمام احتمال وجود شبكة مصالح تستفيد من إضعاف المالك.
فالربح لا يتحقق فقط من شراء الأرض بثمن منخفض. بل يتحقق أيضا من إعادة إدخالها إلى السوق بقيمة أعلى، بعد تغيير وضعيتها أو إدماجها في مشاريع عقارية.
وهنا يظهر البعد الحقيقي للملف. فالأراضي الحضرية غير المبنية ليست مجرد مساحات فارغة. إنها رصيد عقاري مهم داخل المدن، وترتفع قيمتها مع توسع العمران.
رسم الأراضي غير المبنية
يرتبط الملف بالرسم المفروض على الأراضي الحضرية غير المبنية. وهو رسم يهدف إلى الحد من تجميد العقار داخل المدار الحضري.
وتسعى الجماعات من خلاله إلى دفع الملاك إلى استثمار أراضيهم أو تفويتها وفق قواعد واضحة. لكن فعالية هذا الرسم تبقى مرتبطة بالشفافية والإنصاف.
وقد زاد النقاش حول هذا الرسم بعد دخول تعديلات قانونية جديدة حيز التنفيذ. كما رافقت ذلك مراجعة للمقررات الجبائية داخل عدد من الجماعات.
وطلبت سلطات إقليمية من رؤساء الجماعات تحديد المناطق حسب مستوى التجهيزات. ويجري عادة تصنيفها إلى مناطق كاملة التجهيز، ومتوسطة التجهيز، وضعيفة التجهيز.
وهذا التصنيف ليس تفصيلا تقنيا بسيطا. فهو يؤثر مباشرة في قيمة الرسم المفروض على المالك.
غموض يفتح باب الاستغلال
أي غموض في تصنيف المناطق قد يخلق مشاكل كثيرة. كما أن ضعف التواصل مع المواطنين قد يفتح الباب أمام سوء الفهم أو النزاع.
وقد يتحول هذا الغموض، في بعض الحالات، إلى فرصة للاستغلال. فالمواطن الذي لا يعرف وضعيته الجبائية بدقة يصبح أكثر هشاشة أمام الضغط.
ولهذا تبرز أهمية نشر المعطيات بوضوح. كما يجب تمكين الملاك من معرفة المبالغ المستحقة، وآجال الأداء، وطرق الطعن، ومساطر التسوية.
فالشفافية هنا ليست مسألة إدارية فقط. إنها حماية مباشرة للملكية، ولثقة المواطن في الجماعة والإدارة.
مسؤوليات قانونية محتملة
إذا ثبتت الشبهات، فقد تترتب عنها مسؤوليات إدارية وجزائية. وقد يتعلق الأمر بأفعال مثل استغلال النفوذ، والرشوة، وخيانة الأمانة.
كما قد يمتد البحث إلى أطراف عقارية استفادت من الوضع. ويصبح ذلك واردا إذا ثبت علمها بالطريقة غير المشروعة التي مورست بها الضغوط على الملاك.
وتبقى الكلمة الأخيرة للمؤسسات المختصة. فهي وحدها من يحدد المسؤوليات بناء على الوثائق والشهادات والأدلة.
لكن مجرد فتح التحقيق يطرح سؤالا مهما. كيف يمكن منع تحول الجباية المحلية إلى وسيلة ضغط أو ابتزاز؟
حماية الملكية والثقة في الإدارة
تكشف هذه القضية حاجة ملحة إلى تبسيط المعلومة الجبائية. ويهم ذلك، بشكل خاص، الورثة ومغاربة الخارج.
فكل مالك يجب أن يعرف ما له وما عليه. كما يجب أن يحصل على وثائق واضحة تشرح وضعيته، دون تعقيد أو تخويف.
وتطرح القضية أيضا أهمية رقمنة المساطر. فالرقمنة تجعل المعطيات متاحة، وتقلل الحاجة إلى الوساطات، وتحد من فرص الضغط غير القانوني.
فالمدينة لا تبنى فقط بالطرق والمشاريع العقارية. إنها تبنى أيضا بالثقة في الإدارة، وحماية الملكية، وضمان حق المواطن في التظلم والطعن.
بين محاربة المضاربة وحماية المواطن
لا يمكن إنكار حق الجماعات في تحصيل الرسوم القانونية. كما لا يمكن إنكار أهمية محاربة تجميد العقار داخل المدن.
لكن هذا الهدف لا يجب أن يتحول إلى مدخل لإضعاف الملاك. فالضريبة يجب أن تبقى واجبا قانونيا لخدمة التنمية، لا وسيلة لتخويف المواطنين.
وبين محاربة المضاربة العقارية وحماية حق الملكية، تحتاج المدن المغربية إلى توازن دقيق. وهذا التوازن لا يتحقق إلا بالقانون، والشفافية، والمحاسبة.
لذلك، فإن التحقيق في هذه الشبهات لا يهم ملاك الأراضي وحدهم. إنه يهم مستقبل الثقة في تدبير العقار داخل المدن المغربية.
