المدينة العربية

العجز السكني في إفريقيا يتجاوز 50 مليون وحدة رغم وفرة السيولة الاستثمارية

 

إعداد: خالد الرفاعي

تواجه القارة الإفريقية مفارقة عمرانية واقتصادية لافتة. فالعجز السكني يتجاوز 50 مليون وحدة، في وقت تتوفر فيه صناديق التقاعد وشركات التأمين الإفريقية على سيولة ضخمة قابلة للاستثمار. غير أن الإشكال، كما خلصت إليه نقاشات الجمعية العامة الخامسة والأربعين لبنك التنمية الإفريقي للسكن “شيلتر إفريقيا”، لا يكمن فقط في نقص المال، بل في ضعف المشاريع الجاهزة للتمويل.

وجاء هذا النقاش خلال مائدة مستديرة وزارية احتضنتها الرباط، ضمن أشغال الجمعية العامة للبنك، بحضور مسؤولين حكوميين وخبراء وممثلين عن مؤسسات مالية وتنموية إفريقية ودولية.

 

كشف المدير العام لبنك التنمية الإفريقي للسكن، ثيرنو حبيب هان، أن القارة لا تعاني من غياب السيولة، بقدر ما تعاني من ضعف المشاريع المؤهلة لجذب التمويل. وأوضح أن صناديق التقاعد وشركات التأمين في إفريقيا تتوفر على ما يفوق أربعة تريليونات دولار من رأس المال القابل للاستثمار سنويا.

في المقابل، يناهز العجز السكني في القارة خمسين مليون وحدة. ويزداد هذا الرقم مع توسع المدن، وارتفاع وتيرة الهجرة نحو المراكز الحضرية، وتنامي الطلب على السكن الميسر.

وأكد هان أن المشكلة الحقيقية تكمن في قلة المشاريع التي تمتلك الجاهزية الاستثمارية الكاملة. فكثير من المشاريع لا تتوفر على دراسات تقنية ومالية دقيقة، ولا على نماذج حكامة واضحة، مما يجعلها عاجزة عن اجتياز مرحلة التقييم والتمويل.

 

أوضح جيبسون مابفيدزا، مدير تطوير الأعمال في البنك، أن جزءا كبيرا من المطورين العقاريين في إفريقيا، خاصة الصغار منهم، يواجهون صعوبات في إعداد ملفات مشاريع متكاملة.

وأشار إلى أن بعض النماذج المالية تُبنى على تقديرات عامة، دون تصاميم فعلية أو دراسات جيوتقنية أو فحوصات دقيقة للأراضي. وهذا يؤدي إلى غموض في الكلفة النهائية، وضعف في تقدير الجدوى التجارية للمشاريع.

كما نبه إلى أن الجمع بين دور المطور ودور المقاول في الوقت نفسه يزيد من المخاطر. فهذا الوضع يعقد تقييم المشروع، ويجعل المؤسسات المالية أكثر تحفظا في تمويله.

ولمواجهة هذا الخلل، أعلن البنك عن منشأة مشتركة لإعداد المشاريع. وتهدف هذه الآلية إلى توفير تمويل يصل إلى 12 في المائة من كلفة إعداد المشروع، حتى يتمكن المطورون من الاستعانة بمستشارين وخبراء لإعداد تصاميم ودراسات أكثر دقة. غير أن هذا الدعم ليس منحة مجانية، بل يتم تسديده لاحقا.

 

خصصت إحدى الجلسات لمناقشة أثر التقنيات الخضراء والشهادات البيئية على جاذبية مشاريع السكن. وفي هذا السياق، عرضت نور الهدى الحمومي، مديرة التنمية المستدامة بشركة تهيئة زناتة التابعة لصندوق الإيداع والتدبير، تجربة المشروع الحضري الكبير بالدار البيضاء الكبرى.

وأبرزت أن اعتماد معايير الاستدامة ساهم في تحسين أداء المشروع من الناحية المناخية. كما عزز قدرته على الوصول إلى أسواق التمويل الدولية، خاصة في ظل اهتمام المستثمرين بالمشاريع التي تراعي البعد البيئي.

من جهته، أكد ممثل المعهد العالمي للنمو الأخضر في المغرب أن شهادات مثل “EDGE” و”LEED” و”BREEAM” أصبحت من العناصر المهمة لاستقطاب المستثمرين المؤسسيين. لكنه نبه في الوقت نفسه إلى ضرورة ألا تتحول هذه المعايير إلى عائق أمام السكن ميسور التكلفة في إفريقيا.

 

ركزت الجلسة الثالثة على دور الحكومات والجماعات الترابية في خلق بيئة تشريعية وتحفيزية مناسبة للاستثمار في السكن. فنجاح المشاريع لا يرتبط بالتمويل وحده، بل يحتاج أيضا إلى وضوح في القوانين، وتيسير في المساطر، وتنسيق بين المؤسسات.

وقدمت فاطنة شهاب، الكاتبة العامة للمجلس الوطني للإسكان بالمغرب، خلاصات من تجربة برنامج “مدن بدون صفيح”. وأوضحت أن هذا البرنامج أبان عن أهمية توزيع الأدوار بين الدولة والجماعات الترابية، خاصة عند إنجاز مشاريع واسعة النطاق.

كما شددت نسرين بناني، ممثلة منظمة المدن والحكومات المحلية الإفريقية، على أهمية تعميم نماذج النجاح الحضري عبر الشبكة القارية. فالتجارب الناجحة، في نظرها، يجب ألا تبقى محصورة في مدينة أو دولة واحدة.

 

اختتمت النقاشات بالتركيز على أدوات التمويل القادرة على جذب الرساميل الخاصة. واستعرض محمد الإدريسي، من وزارة الاقتصاد والمالية المغربية، عددا من الآليات التي يمكن أن تساعد في تخفيف المخاطر.

ومن بين هذه الآليات الضمانات المالية، والتمويل المدمج، وإعادة التمويل. وهي أدوات تسمح بتشجيع المستثمرين المؤسسيين على الدخول في مشاريع السكن، خاصة حين تكون المخاطر الأولية مرتفعة.

وكشف بنك “شيلتر إفريقيا” عن توقيع ثلاث اتفاقيات من شأنها توليد ما يقارب مليار دولار في مسار إعداد المشاريع. ويعني ذلك أن المؤسسة تسعى إلى تحويل مرحلة التحضير من نقطة ضعف إلى مدخل أساسي لجذب التمويل.

 

خلصت المائدة المستديرة إلى أن مواجهة أزمة السكن في إفريقيا تتطلب ربطا متكاملا بين إعداد المشاريع، والتشهيد البيئي، والتمويل. فلا يكفي أن يتم التفكير في هذه العناصر بشكل متتابع، بل ينبغي إدماجها منذ المراحل الأولى للمشروع.

وأكد أمادو ثيام، المدير الإقليمي الأول لإفريقيا الشمالية والغربية والوسطى لدى “شيلتر إفريقيا”، أن الأولوية يجب أن تعطى لبناء منظومة متكاملة لإعداد مشاريع الإسكان. وتشمل هذه المنظومة دراسات الجدوى الفنية والمالية، والتقييم البيئي، وآليات التمويل.

كما دعا إلى تخصيص موارد حكومية واضحة لتمويل مرحلة ما قبل الاستثمار. فهذه المرحلة غالبا ما يتم إهمالها، رغم أنها تحدد مصير المشروع وقدرته على جذب التمويل لاحقا.

أما رئيس مجلس الإدارة، ليونيل زينسو، فاختصر توجهات المرحلة المقبلة في ثلاثة محاور. الأول هو مضاعفة حجم المشاريع المعدة للتمويل. والثاني هو دفع الحكومات إلى وضع خرائط طريق وطنية للشهادات الخضراء. أما الثالث فهو تحويل “شيلتر إفريقيا” إلى منصة استشارية، لا مجرد بنك للتمويل.

 

تكشف خلاصات اجتماع الرباط أن أزمة السكن في إفريقيا ليست مجرد أزمة بناء أو تمويل. إنها أيضا أزمة إعداد وتخطيط وحكامة. فالقارة تتوفر على طلب ضخم، وسيولة مالية معتبرة، وحاجة اجتماعية ملحة. لكنها تحتاج إلى مشاريع واضحة، قابلة للتمويل، ومبنية على دراسات دقيقة.

ومن هنا، تبدو معركة السكن في إفريقيا مرتبطة بقدرة الحكومات والمؤسسات المالية والمطورين على الانتقال من منطق المبادرات المتفرقة إلى منطق المنظومات المتكاملة. فالسكن لم يعد مجرد قطاع اجتماعي، بل أصبح مجالا استراتيجيا للتنمية، والاستثمار، والاستقرار الحضري.

Exit mobile version