إعداد:أمين بوزيان
فتحت مقاطع عقارية منشورة على منصة “تيك توك” باب التحقيق في خروقات تعميرية بعدد من الجهات المغربية.
وتفاعلت السلطات المختصة مع فيديوهات روّج فيها سماسرة ووكلاء عقاريون لقصور وفيلات ومزارع فاخرة معروضة للبيع في محيط بعض المدن.
وأظهرت هذه المقاطع، حسب معطيات متداولة، وجود شبهات بناء فوق أراض فلاحية دون رخص قانونية. كما كشفت عن استغلال آبار خارج الضوابط المعمول بها.
وتهم الأبحاث الجارية جماعات ووكالات حضرية ومصالح للمحافظة العقارية بجهات الدار البيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة، وفاس-مكناس.
فيديوهات تسويقية تتحول إلى دليل
لم تكن المقاطع المنشورة مجرد إعلانات عقارية عادية. فقد أظهرت عقارات فاخرة في مناطق لا تسمح تصاميم التهيئة بالبناء فوقها.
وأثار ذلك شكوكا لدى المصالح المختصة. خاصة أن بعض العقارات ظهرت في شكل قصور وفيلات وسط أراض ذات طبيعة فلاحية.
وبعد انتشار هذه الفيديوهات، تحركت لجان إقليمية للتدقيق في سجلات التعمير. كما شمل التدقيق وثائق الجماعات، والوكالات الحضرية، والمحافظات العقارية.
ويبدو أن “تيك توك” تحول، في هذه الحالة، من منصة للتسويق العقاري إلى مصدر معطيات دفع السلطات إلى التحرك.
شبهات بناء فوق أراض فلاحية
تركز التحقيقات على تحويل أراض فلاحية إلى فضاءات للبناء الفاخر. ويعد هذا النوع من الخروقات من أخطر الملفات المطروحة في محيط المدن الكبرى.
فالأراضي الفلاحية ليست مجرد وعاء عقاري قابل للبيع والبناء. بل تشكل جزءا من الأمن الغذائي، ومن التوازن البيئي والمجالي.
وتزداد خطورة هذه الخروقات حين تقع في مناطق ذات إمكانات إنتاجية عالية. ويهم ذلك محيط الدار البيضاء وفاس ومكناس ومناطق أخرى تعرف ضغطا عمرانيا متزايدا.
كما أن تحويل هذه الأراضي إلى فيلات ومسابح وحدائق خاصة يطرح أسئلة حول حماية المجال الفلاحي. ويطرح أيضا سؤال العدالة في تطبيق قانون التعمير.
آبار غير مرخصة واستنزاف للمياه<
لا يقف الملف عند حدود البناء غير القانوني. فبعض المقاطع أظهرت عقارات تضم مسابح ومساحات خضراء واسعة.
وتشير المعطيات إلى احتمال استغلال آبار غير مرخصة لتزويد هذه العقارات بالماء. وهذا يفتح جانبا آخر من التحقيق، يرتبط بالمياه الجوفية.
ويأتي ذلك في سياق يعرف فيه المغرب ضغطا متزايدا على الموارد المائية. كما تشهد عدة مناطق انقطاعات أو صعوبات في التزود بالماء.
لذلك، فإن بناء عقارات فاخرة فوق أراض فلاحية، مع استغلال مياه جوفية خارج القانون، لا يمثل خرقا عمرانيا فقط. بل يمثل أيضا تهديدا بيئيا ومائيا.
وثائق عقارية تطرح أسئلة
كشفت المعطيات الأولية أن بعض العقارات المعروضة للبيع عبر “تيك توك” ما زالت مسجلة في السجلات العقارية كأراض عارية أو مستودعات فلاحية.
وهذا يطرح أسئلة حول مسار توثيق هذه العقارات. كما يطرح أسئلة حول طريقة تحديث رسومها العقارية.
فإذا كانت البنايات قائمة فعلا، بينما الوثائق لا تعكس وضعها الحقيقي، فإن الأمر يحتاج إلى تدقيق إداري وقانوني.
وتتجه التحقيقات إلى معرفة الجهات التي سمحت بهذه التحويلات. ويشمل ذلك مصالح التعمير، والجماعات الترابية، والمحافظة العقارية، وباقي الإدارات المعنية.
شبهات شبكات منظمة
لا تنظر السلطات إلى هذه الخروقات باعتبارها حالات فردية معزولة فقط. فالمعطيات الأولية تشير إلى وجود أنماط متكررة.
وتدور الشبهات حول شبكات قد تكون سهلت البناء العشوائي في محيط المدن. وتضم هذه الشبكات، وفق المعطيات المتداولة، سماسرة عقاريين ومقاولي بناء ومسؤولين محليين.
كما يجري التدقيق في احتمال وجود تواطؤ أو تغاض عن المخالفات مقابل مصالح مادية.
وتشمل الشبهات أيضا استخراج وثائق غير دقيقة أو ناقصة. وقد تكون هذه الوثائق استعملت لمنح بعض المشاريع غطاء إداريا شكليا، رغم مخالفتها للقانون.
رخص التسييج والاستغلال الفلاحي
من بين النقاط التي تركز عليها الأبحاث مسألة رخص التسييج والاستغلال الفلاحي.
ففي بعض الحالات، يمكن أن تتحول هذه الرخص إلى مدخل للالتفاف على قانون التعمير. إذ يبدأ المشروع في شكل تسييج أو تجهيز فلاحي، ثم يتحول تدريجيا إلى بناء سكني أو ترفيهي.
وهذا الأسلوب يطرح إشكالا كبيرا. فهو يعطي الانطباع بوجود وضع إداري قانوني، بينما يكون جوهر المشروع مخالفا لطبيعة الأرض ولتصاميم التهيئة.
لذلك، فإن التدقيق في هذه الرخص أصبح ضروريا. ليس فقط لمعرفة المخالفات، بل لفهم الطريقة التي تُصنع بها بعض التجاوزات.
التعمير بين القانون والواقع
يكشف هذا الملف عن فجوة واضحة بين القوانين المنظمة للتعمير وما يحدث على أرض الواقع.
فالقانون يحدد بدقة طبيعة الأراضي واستعمالاتها. كما يضع شروطا للبناء، ويربطه بالرخص والدراسات التقنية واحترام تصاميم التهيئة.
لكن الواقع يبين أن الضغط العقاري حول المدن يخلق مسارات موازية. وتستفيد هذه المسارات من ضعف المراقبة، أو من تداخل المصالح، أو من نفوذ بعض الوسطاء.
وهنا يصبح التعمير مجالا حساسا. فهو لا يرتبط بالبناء فقط، بل يرتبط بالعدالة المجالية، وحماية الأراضي الفلاحية، وتدبير الموارد الطبيعية.
إجراءات تأديبية وإحالات محتملة
من المنتظر أن تتواصل الأبحاث الإدارية في عدد من العمالات والأقاليم.
وقد تفضي نتائج هذه التحقيقات إلى إجراءات تأديبية في حق موظفين جماعيين أو منتخبين. كما قد تصل إلى إحالات قضائية، إذا ثبت تورط رجال سلطة أو أعوان سلطة في تسهيل الخروقات أو التغطية عليها.
ويعني ذلك أن الملف قد لا يبقى في حدود مخالفات تعميرية. فقد يتحول إلى ملف فساد إداري وعقاري، إذا ثبت وجود شبكات منظمة أو تلاعب في الوثائق.
حين تكشف المنصات الرقمية ما تخفيه الخرائط
تكشف هذه القضية عن وجه جديد لدور وسائل التواصل الاجتماعي في مراقبة المجال العام.
فالمقاطع التي نُشرت بهدف التسويق والبيع تحولت إلى مادة أثارت انتباه السلطات. كما كشفت عن واقع عمراني كان يمكن أن يبقى خارج دائرة الضوء.
وبذلك، لم تعد المنصات الرقمية مجرد فضاء للإشهار أو الترفيه. بل أصبحت أحيانا أداة غير مباشرة لكشف الخروقات.
غير أن الأهم هو ألا يتوقف الأمر عند رد الفعل. فالمطلوب هو مراقبة قبلية صارمة، وتنسيق بين الإدارات، وحماية حقيقية للأراضي الفلاحية والموارد المائية.
فالتعمير غير القانوني لا يهدد شكل المدن فقط. بل يهدد مستقبل المجال، والبيئة، والعدالة في تطبيق القانون.
