حين تدخل الخوارزمية إلى الدرب.. هل يستطيع بقال الحي المغربي النجاة من التجارة الرقمية؟
يعتمد الاستماع على توفر صوت مناسب في متصفحك.

تقرير: المدينة العربية
من دفتر الدين وذاكرة الزبائن إلى التطبيقات والبيانات والتوصيل السريع، يجد «مول الحانوت» نفسه أمام تحول لا يغير طريقة البيع فقط، بل يعيد رسم خريطة التجارة داخل المدينة المغربية. وبين قوة الخوارزمية وما يملكه البقال من قرب وثقة ومعرفة بالحي، تبدأ منافسة جديدة لم تتضح نتائجها بعد.
عند الثامنة صباحاً، لا يحتاج بقال الحي المغربي إلى تطبيق يخبره بما سيشتريه زبائنه. يعرف من سيأتي للخبز والحليب، ومن يشتري حاجياته نهاية الأسبوع، ومن يطلب تسجيل بعض المشتريات إلى أن يحين موعد الراتب. هذه المعرفة التي تراكمت خلال سنوات من الاحتكاك اليومي تشبه، بطريقة بدائية لكنها فعالة، ما تسميه الشركات اليوم تحليل البيانات؛ فالخوارزمية تخزن السلوك داخل الخوادم، بينما يحتفظ البقال به في ذاكرته وفي علاقته المباشرة بالناس.
لكن المدينة تتغير، ومعها تتغير عادات الشراء. الزبون الذي كان ينزل مساء إلى الحانوت يستطيع اليوم أن يفتح هاتفه، يقارن الأسعار ويطلب حاجياته وينتظر وصولها إلى باب المنزل. والمنصة لا تنسى العملية بعد انتهائها، بل تحولها إلى بيانات عن وقت الشراء وحجمه وتكراره والمنتجات المصاحبة له، ثم تستخدم تلك المعلومات لتوقع عملية الشراء التالية. وهنا تدخل الخوارزمية إلى الدرب، لا باعتبارها مجرد أداة تقنية، بل منافساً اقتصادياً جديداً.
الزبون أصبح يعيش بين عالمين
التحول لا يعني أن المغاربة تخلوا عن الحانوت. الأصح أن سلوك المستهلك أصبح هجيناً؛ فقد يشتري الخبز صباحاً من البقال، ويطلب وجبة عبر التطبيق ظهراً، ثم يقتني منتجاً من متجر إلكتروني مساء. بيانات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات أظهرت بالفعل اتساع دائرة الشراء عبر الإنترنت، مع إضافة مئات الآلاف من المستخدمين الجدد خلال سنة 2023.
هذا التغير يحدث تدريجياً، لكنه مؤثر. فالتجارة الرقمية لا تحتاج إلى إغلاق الحانوت حتى تنتزع منه جزءاً من السوق؛ يكفي أن تنتقل بعض عناصر سلة المشتريات إلى الهاتف. ومع تكرار التجربة يصبح ما كان استثناء عادة يومية، ويتغير معنى القرب نفسه: هل المتجر الأقرب هو الذي يوجد على بعد مئة متر، أم الذي يستطيع إيصال السلعة إلى المنزل خلال دقائق؟
وفي الوقت نفسه تتوسع ثقافة الأداء الرقمي في المغرب، ما يجعل الهاتف جزءاً متزايداً من عملية الشراء. وهكذا تتحول المنافسة من مجرد أسعار ومنتجات إلى سرعة وسهولة ودفع وتوصيل وتجربة كاملة للزبون.
البقال لا ينافس تطبيقاً فقط
من الخطأ اختزال المشهد في مواجهة بين «مول الحانوت» والتطبيق. ما يواجهه البقال في الحقيقة هو منظومة كاملة تعتمد على البيانات واللوجستيك والقدرة على تحليل سلوك آلاف المستهلكين في الوقت نفسه.
حين يبيع البقال علبة حليب يعرف أن شخصاً ما اشتراها. أما المنصة فتتعامل مع العملية كمعلومة أيضاً: متى تم الشراء؟ وما الذي اشتراه الزبون معها؟ وكم ينفق عادة؟ وهل ينتظر التخفيضات؟ وبعد آلاف العمليات تصبح هذه البيانات أداة للتوقع والتسويق.
ومع ذلك لا يمتلك الاقتصاد الرقمي كل شيء. فالمنصة تعرف «المستهلك» من خلال الأرقام، بينما يعرف البقال «الشخص» من خلال الحياة اليومية. يعرف أن زبوناً مسناً لا يستطيع حمل قنينة ماء كبيرة، وأن أسرة ما تمر بظرف مالي صعب، وأن طفلاً سيأتي بعد المدرسة لشراء ما أوصته به والدته. وهنا تظهر قيمة اجتماعية واقتصادية يصعب على الخوارزمية نسخها.
حتى دفتر الدين الذي يبدو تقليدياً يؤدي في بعض الأحياء وظيفة مالية حقيقية. فعبارة بسيطة مثل «خليها حتى آخر الشهر» قد تعني بالنسبة إلى أسرة محدودة الدخل خدمة لا توفرها التطبيقات بالسهولة نفسها. هذه العلاقة ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل شكل من أشكال الائتمان الاجتماعي القائم على الثقة.
«آخر مئة متر» قد تنقذ الحانوت
لدى التجارة الإلكترونية قوة كبيرة في التكنولوجيا، لكنها تواجه مشكلة عملية: إيصال السلعة إلى المستهلك. وتعد مرحلة Last Mile Delivery من أكثر مراحل التوزيع كلفة وتعقيداً، خصوصاً عندما تكون قيمة الطلب صغيرة.
هنا يملك بقال الحي ميزة مهمة لأنه يوجد أصلاً داخل الحي. ما تحتاج إليه الشركات الرقمية من شبكات توصيل قد يكون موجوداً أمامها في صورة آلاف المحلات الصغيرة المنتشرة بين الأزقة والشوارع.
ولذلك قد لا يكون مستقبل البقال في بناء منصة إلكترونية معقدة أو منافسة الشركات الكبرى، بل في التحول إلى نموذج هجين. يمكن للزبون أن يرسل قائمة حاجياته عبر الهاتف، فيجهزها البقال ويتيح استلامها أو توصيلها، كما يمكنه اعتماد الدفع الإلكتروني ومتابعة المخزون رقمياً وتنظيم الطلبات بطريقة أكثر كفاءة.
في هذا السيناريو يصبح الهاتف امتداداً للحانوت وليس بديلاً عنه، ويستفيد التاجر من التكنولوجيا من دون أن يفقد ما يميزه عن المنصات: القرب والعلاقة المباشرة ومعرفة الحي.
الخطر الحقيقي: من يملك الزبون؟
غير أن الرقمنة ليست حلاً سحرياً. فإذا أصبح البقال يعتمد كلياً على منصة خارجية لجلب الطلبات، فإن سؤالاً مهماً يطرح نفسه داخل العلاقة الجديدة: من يملك فعلياً الصلة بالزبون، البقال أم التطبيق؟
في الحانوت التقليدي تكون العلاقة مباشرة بين الزبون والتاجر. أما داخل المنصة، فقد يصبح البقال مجرد جهة تنفذ الطلب، بينما تحتفظ الشركة الرقمية بالبيانات وبواجهة التواصل وبالقدرة على ترتيب المتاجر وتحديد من يظهر أولاً وربما تغيير قيمة العمولة لاحقاً.
هنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في الرقمنة: يمكن للتاجر أن يصبح أكثر حداثة تقنياً، لكنه أقل استقلالاً اقتصادياً. ولذلك لا ينبغي اختزال سياسة رقمنة تجارة القرب في توزيع أجهزة الأداء أو إدخال التجار إلى التطبيقات، بل يجب التفكير أيضاً في ملكية البيانات وشروط المنافسة وهوامش الربح واستقلالية التاجر الصغير.
بقال الحي لن يختفي.. لكنه سيتغير
الإعلان عن نهاية الحانوت يبدو مبكراً. فتجارة القرب لا تزال تملك عناصر يصعب نقلها إلى العالم الرقمي بالكامل: الموقع، والثقة، والمرونة، والمعرفة الدقيقة بسكان الحي. لكنها في المقابل تواجه مشكلات حقيقية تتعلق بضعف الهوامش وارتفاع تكاليف التوريد وإدارة المخزون والمنافسة مع المساحات الكبرى والمنصات الجديدة.
لذلك فإن مستقبل البقال المغربي لن يتحدد بالمواجهة بين «قديم» و«حديث»، بل بقدرته على الجمع بين الاثنين. فالمحل الذي يضيف إلى القرب أدوات بسيطة للدفع والطلبات والتوصيل وإدارة المخزون يمكن أن يصبح أكثر قدرة على المنافسة، بينما قد يجد من يرفض أي تغيير نفسه يفقد أجزاء متزايدة من مشتريات زبائنه.
والقضية في النهاية تتجاوز مصير متجر صغير. تجارة القرب جزء من شكل المدينة ومن حركة الناس داخل الأحياء ومن العلاقات الاجتماعية ومن توزيع فرص العمل والدخل المحلي. فإذا ذابت بالكامل داخل المنصات الكبرى، ستتغير المدينة معها؛ أما إذا استطاعت استخدام التكنولوجيا من دون أن تفقد استقلالها، فقد تتحول آلاف البقالات إلى شبكة محلية قوية للتجارة الرقمية الجديدة.
وعندما تدخل الخوارزمية إلى الدرب، ربما لا يحتاج «مول الحانوت» إلى محاربتها. الأفضل أن يعرف كيف يستخدمها، من دون أن يسمح لها بأن تصبح هي صاحبة الحانوت.