المشروع الكبير والشارع الصغير.. لماذا تتألق واجهات المدن وتتعب تفاصيل الحياة اليومية؟

العمران والهندسة
آخر تحديث:
المقالات المسموعةقراءة صوتية آلية للنص

يعتمد الاستماع على توفر صوت مناسب في متصفحك.

يمكن للمدينة أن تفتتح محطة جديدة، أو تعيد تهيئة ساحة مركزية، أو تشيد جسراً وطريقاً سريعاً، ثم تترك على بعد بضعة شوارع رصيفاً لا يستطيع شخص مسن السير فوقه، وحفرة تتجمع فيها مياه المطر، ومعبراً لا يشعر الراجل بالأمان عند استعماله. لا يعني ذلك أن المشروع الكبير بلا فائدة، وإنما يكشف مفارقة حضرية أعمق: المدينة تُرى من أعلى من خلال المشاريع، لكنها تُعاش من أسفل عبر الرصيف والإنارة والنظافة والشجرة ومقعد الانتظار.

لهذا لا تقاس جودة المدينة بما تضيفه إلى أفقها العمراني فقط. فالبنية التحتية اليومية، رغم أنها أقل إثارة في الصور والخطابات، هي التي تحدد مقدار الراحة والأمان والوقت الذي يحصل عليه السكان في حياتهم العادية. البنك الدولي يضع الشوارع والحدائق والأسواق والمكتبات ضمن أصول الفضاء العام التي يمكن أن تدعم النشاط الاقتصادي وتحسن قابلية المشي والسلامة والاندماج الاجتماعي، ويحذر في المقابل من أن سوء التخطيط والإدارة يحول هذه الأصول إلى فضاءات مزدحمة ومتدهورة.

المدينة تبدأ من مستوى القدم

تقدم المدن المغربية مثالاً واضحاً على هذه المسافة بين الصورة العامة والتجربة اليومية. فمراجعة السياسة الحضرية الوطنية للمغرب، التي أصدرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في 2025، تعتبر المشي وسيلة التنقل الأكثر استعمالاً لدى المغاربة، مع التنبيه إلى أن ذلك يكون أحياناً اضطرارياً بسبب محدودية الإمكانات المالية. لكن التقرير نفسه يرصد أرصفة غير ملائمة أو ضيقة، ونقصاً في معابر المشاة الآمنة، وصعوبات أكبر أمام كبار السن والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى أثر ضعف الإنارة في الإحساس بالأمان.

هذه المفارقة تستحق التوقف عندها. فالوسيلة الأكثر بساطة وانتشاراً في المدينة، وهي المشي، تحتاج إلى أقل البنى التحتية تعقيداً مقارنة بالقطار والترامواي والأنفاق، ومع ذلك يمكن أن يجد الراجل نفسه الحلقة الأضعف في تصميم الشارع.

المشكلة هنا ليست جمالية. الرصيف المتقطع يغير مسار الشخص، والمعبر غير الآمن يزيد صعوبة عبور الطريق، والإنارة الضعيفة تحد من استعمال الفضاء ليلاً، بينما يصبح العائق الصغير بالنسبة لشخص سليم عائقاً كبيراً أمام مستخدم كرسي متحرك أو مسن أو أب يدفع عربة طفل. عند هذه النقطة يتحول تصميم الشارع من تفصيل هندسي إلى مسألة مساواة في الحق في استعمال المدينة.

الدار البيضاء.. حين يصل الاستثمار إلى الرصيف

لكن صورة الدار البيضاء لا ينبغي اختزالها في نقد الشارع. فهناك بالفعل برنامج قائم لإعادة تأهيل طرق المدينة تشرف عليه جماعة الدار البيضاء وCasablanca Aménagement، ولا يقتصر على الطريق المخصص للسيارات؛ إذ يشمل إعادة بناء وتأهيل الأرصفة ومسارات المشاة، وتصريف مياه الأمطار، والإنارة العمومية، والأثاث الحضري، والتشوير وتهيئة الطرق والساحات. وتعرض الجهة المشرفة استثماراً إجمالياً قدره 2.48 مليار درهم، فيما تصف الأشغال بأنها جارية.

هذه التجربة تجعل السؤال أكثر أهمية: ليس المطلوب الاختيار بين المشروع الكبير والشارع الصغير، وإنما جعل الاستثمار الكبير يصل في النهاية إلى التجربة الصغيرة للسكان.

فالطريق الذي أعيد تأهيله يمكن أن يرفع جودة الحي إذا صاحبته أرصفة قابلة للاستعمال، وتصريف جيد للمياه، وتشجير وإنارة ومعابر آمنة. أما إذا قيس نجاحه فقط بسرعة حركة السيارات أو مظهره بعد انتهاء الأشغال، فإن جزءاً أساسياً من وظيفة الشارع سيبقى خارج التقييم.

الساحة الجميلة لا تكفي وحدها

استثمرت الدار البيضاء كذلك في إعادة تأهيل عدد من فضاءاتها المركزية. فساحة محمد الخامس أعيد تصميمها كفضاء واسع للمشاة، بينما تبلغ مساحة ساحة الراشدي المعاد تهيئتها 18 ألف متر مربع، وتضم مناطق مظللة للراحة وتهيئة للمشهد الطبيعي وفضاءً للتزلج.

وجود هذه الفضاءات مهم، لكنه يطرح سؤال الاتصال بين أجزاء المدينة. فالساحة العامة الجيدة لا تعمل كجزيرة؛ قيمتها الحضرية تزداد عندما يستطيع السكان الوصول إليها مشياً عبر شبكة من الشوارع الجيدة، وعندما تمتد مبادئ الظل والأمان والجلوس وإمكانية الوصول إلى الأحياء وليس إلى المواقع المركزية وحدها.

وهنا يظهر الفرق بين مشروع فضاء عام وسياسة للفضاء العام. الأول يمكن إنجازه في موقع محدد، أما الثانية فتحتاج إلى قواعد مستمرة تحدد كيف يصمم الرصيف، وأين تزرع الأشجار، وكيف تتم صيانة الإنارة، وكيف تعالج مياه الأمطار، ومن المسؤول عن الإصلاح عندما يتدهور عنصر من هذه العناصر.

الصيانة أقل ظهوراً من الافتتاح

للمدينة الجديدة لحظة افتتاح واضحة، أما المدينة المصانة فلا تملك لحظة مماثلة. إصلاح مصباح أو تنظيف قناة لتصريف المياه أو ترميم رصيف لا يصنع حدثاً كبيراً، لكنه يتراكم يومياً ليصنع جودة الحياة.

وتظهر تجارب دولية حديثة أهمية هذا التحول من تمويل المنشأة إلى إدارة دورة حياتها. ففي برنامج مدن البنجاب، الذي عرض البنك الدولي نتائجه في يونيو 2026، ربطت 16 مدينة استثماراتها بجرد للأصول باستخدام نظم المعلومات الجغرافية وخطط تطوير متجددة لثلاث سنوات وإدارة لدورة حياة المنشآت. وبحلول 2025 كان البرنامج قد شمل، من بين تدخلاته، إعادة تأهيل طرق وإنارة وحدائق وشبكات صرف وخدمات بلدية استفاد منها أكثر من 4.5 ملايين شخص.

الدرس هنا ليس نسخ تجربة بعينها، بل تغيير طريقة النظر إلى الاستثمار الحضري. فبناء الأصل ليس نهاية المشروع؛ إنه بداية سنوات من التشغيل والصيانة.

الشارع اقتصاد أيضاً

الرصيف الجيد لا يخدم المشاة وحدهم. حوله تعمل المقاهي والمتاجر الصغيرة والباعة والأسواق والخدمات، ولذلك ترتبط جودة الشارع بالقيمة الاقتصادية للحي. ويشير البنك الدولي إلى أن الفضاء العام المصمم جيداً يمكن أن يدعم سبل العيش والأعمال المحلية ويحفز تجديد المناطق المحيطة به، بينما يؤدي تدهوره إلى نتائج معاكسة.

وهذه النقطة مهمة للمدن العربية، لأن النقاش حول الاستثمار الحضري ينحصر أحياناً في البنية التحتية باعتبارها منشآت، بينما الشارع نفسه بنية اقتصادية. سهولة الوصول إلى متجر، وإمكانية المشي بين الخدمات، ووجود الظل ومكان للجلوس، والشعور بالأمان مساءً، كلها عوامل تؤثر في استعمال السكان للحي وفي الحركة التجارية داخله.

حتى تقرير البنك الدولي الصادر في يونيو 2026 حول مدن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يربط قدرة المدن على خلق وظائف أفضل بالتنسيق بين سياسات الأرض والبنية التحتية والسكن ونمو القطاع الخاص، استناداً إلى تحليل 615 مدينة في المنطقة ومقارنتها بأكثر من ثمانية آلاف مدينة عالمياً.

العدالة الحضرية تبدأ من التفاصيل

ليست جميع الأحياء قادرة على تعويض ضعف الخدمات العامة بالطريقة نفسها. يستطيع بعض السكان استعمال السيارة عندما يكون المشي صعباً، أو اللجوء إلى خدمات خاصة عندما تتراجع جودة المرفق العام، بينما يعتمد آخرون بصورة شبه كاملة على الشارع والنقل العام والمرافق القريبة.

لذلك يصبح توزيع جودة الفضاء العام قضية عدالة مجالية. فإذا تركزت الأرصفة الجيدة والتشجير والإنارة والصيانة في المراكز والمحاور الرئيسية، بينما بقيت الأحياء الطرفية أقل استفادة، فإن المدينة لا توزع البنية التحتية فقط بصورة غير متكافئة، بل توزع أيضاً الوقت والأمان والراحة وإمكانية الوصول بصورة مختلفة بين سكانها.

وتتوافق هذه القراءة مع الاتجاه الذي يعكسه تقرير المدن العالمي 2026، الذي يوسع مفهوم السكن الملائم ليشمل علاقته بالخدمات وفرص العمل والبنية الحضرية المحيطة، بدلاً من اختزاله في المبنى وحده.

من مدينة المشاريع إلى مدينة الصيانة

لا تحتاج المدن العربية إلى التخلي عن الجسور والقطارات والمشروعات الكبرى؛ فالنمو الحضري نفسه يفرض استثمارات ثقيلة لا يمكن استبدالها بمقاعد وأشجار وأرصفة. المشكلة تبدأ عندما تصبح قيمة المشروع مرتبطة بحجمه ووضوحه البصري أكثر من علاقته بالشبكة اليومية للمدينة.

التحول الحقيقي سيكون في الجمع بين المستويين: محطة قطار جيدة يصل إليها رصيف جيد، وطريق سريع لا يعزل الأحياء التي يعبرها، وساحة مركزية تتصل بشبكة مشاة، وحي جديد تخصص له منذ البداية ميزانية للصيانة وليس للبناء فقط.

عندها تتغير أيضاً طريقة قياس نجاح المدينة. فبدلاً من الاكتفاء بعدد الكيلومترات المنجزة وقيمة الاستثمارات ومساحة المشروعات، تدخل مؤشرات أقرب إلى حياة السكان: كم رصيفاً يمكن استعماله فعلاً، وكم معبراً أصبح أكثر أماناً، وكم شجرة توفر الظل، وكم مصباحاً يعمل، وكم فضاء عاماً يستطيع طفل أو مسن أو شخص ذو إعاقة الوصول إليه من دون أن تتحول الرحلة نفسها إلى عائق.

فالمدينة الحديثة لا تثبت حداثتها عندما تنجز مشروعاً ضخماً فقط، وإنما عندما تجعل التفاصيل العادية تعمل كل يوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واصل القراءة في المدينة

رسالة من المدينة

قراءات تستحق أن تصلك.

سجّل طلب اشتراكك في النشرة البريدية. نبدأ الإرسال بعد إطلاق النشرة.