المدينة تختنق بصمت: كيف أصبح تلوث الهواء جزءاً من الحياة اليومية في المدن المغربية؟
يعتمد الاستماع على توفر صوت مناسب في متصفحك.

تقرير: المدينة العربية
لا يحتاج ساكن مدينة مغربية كبيرة إلى جهاز قياس حتى يشعر بأن الهواء لم يعد دائماً كما ينبغي. يكفي الوقوف في محور مروري مزدحم خلال ساعات الذروة، أو المرور قرب ورش بناء مفتوح، أو العيش بمحاذاة منطقة صناعية، حتى يصبح الغبار والدخان وروائح الوقود جزءاً مألوفاً من الحياة اليومية.
المشكلة أن تلوث الهواء لا يلفت الانتباه بالطريقة التي تفعلها أزمة الماء أو تراكم النفايات. فالهواء لا ينقطع من الصنبور ولا يتكدس في الشارع، ولذلك تستطيع المدينة أن تتعايش معه سنوات من دون أن يتحول إلى أولوية سياسية. غير أن غيابه عن العين لا يعني غيابه عن صحة السكان أو عن جودة حياتهم.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن المتوسط السنوي المقدر للجسيمات الدقيقة PM2.5 في المناطق الحضرية المغربية بلغ نحو 13.3 ميكروغراماً في المتر المكعب في بيانات 2019، وهو مستوى يتجاوز الإرشاد السنوي الحالي للمنظمة، المحدد في 5 ميكروغرامات. هذه الأرقام لا تعني أن كل الأحياء تتعرض للمستوى نفسه، لكنها تكشف أن جودة الهواء ليست قضية هامشية.
المدينة التي صُممت للسيارة
يبدأ جزء مهم من مشكلة الهواء من الطريقة التي تتحرك بها المدينة. فقد توسعت التجمعات الحضرية المغربية خلال العقود الأخيرة، لكن هذا التوسع لم يكن دائماً مصحوباً بنقل عمومي قادر على جعل السيارة الخاصة خياراً ثانوياً.
تظهر النتيجة بوضوح في المحاور الكبرى. آلاف السيارات تتحرك يومياً بسرعات منخفضة وسط الازدحام، بينما تظل المحركات مشتعلة حتى عندما لا تتقدم المركبة إلا أمتاراً قليلة. ومع تكرار هذا المشهد في عشرات الشوارع ومئات التقاطعات، تتحول أزمة المرور إلى قضية بيئية أيضاً.
ولا تأتي كل الملوثات من عوادم السيارات وحدها. فالغبار الصادر عن بعض أوراش البناء، والانبعاثات الصناعية، وحركة الشاحنات، وبعض أشكال حرق المخلفات، تدخل كلها في تركيبة الهواء الحضري. لذلك فإن معالجة التلوث لا يمكن اختزالها في قطاع واحد.
التلوث لا يتوزع بالتساوي
كما يحدث في السكن والنقل والخدمات، لا يتعرض جميع سكان المدينة للبيئة نفسها. فالأسرة التي تعيش في شارع هادئ تحيط به الأشجار لا تتنفس الظروف نفسها التي يعيشها سكان قرب طريق سريع أو منطقة صناعية أو محور تمر منه الشاحنات ليلاً ونهاراً.
من هنا يتحول تلوث الهواء إلى قضية عدالة مجالية. بعض الأحياء الهشة تجمع بين أكثر من مصدر للضغط البيئي في الوقت نفسه، من كثافة عمرانية مرتفعة إلى ضعف المساحات الخضراء والقرب من طرق مزدحمة.
العنوان البريدي قد يصبح، بهذا المعنى، عاملاً مؤثراً في نوعية البيئة التي يعيش فيها الفرد. وهذه زاوية كثيراً ما تضيع عندما نناقش التلوث عبر معدل وطني واحد، لأن المتوسط لا يخبرنا وحده بمن يتحمل العبء الأكبر داخل المدينة.
الأشجار ليست مجرد زينة
يصعب الحديث عن جودة الهواء من دون الحديث عن المساحات الخضراء. ومع ذلك، ما تزال الشجرة في بعض المشاريع الحضرية تُعامل كعنصر تجميلي يضاف بعد اكتمال البناء، لا كجزء من البنية الأساسية للمدينة.
الفضاء الأخضر يساهم في تحسين البيئة الحضرية، ويوفر الظل، ويخفف من أثر الحرارة، ويمنح السكان أماكن أكثر راحة للمشي والاستعمال اليومي. لذلك ليست الحديقة ترفاً عمرانياً، بل جزءاً من جودة الحياة.
المفارقة أن المدن تتوسع بسرعة، بينما تصبح الأرض أكثر قيمة. وفي هذه المنافسة تميل الكفة غالباً إلى البناء والعقار ومواقف السيارات. وعندما تختفي المساحة الخضراء يصبح استرجاعها لاحقاً أكثر صعوبة وكلفة.
هل نعرف فعلاً ماذا نتنفس؟
يتوفر المغرب على آليات لمراقبة جودة الهواء، لكن التحدي لا يتعلق بالقياس فقط. القيمة الحقيقية للمعلومة تظهر عندما تصل إلى المواطن وتتحول إلى عنصر في القرار الحضري.
إذا سجلت منطقة ما مستويات مقلقة من التلوث، ينبغي أن تكون هناك نتائج عملية. قد يتعلق الأمر بمراقبة مصادر الانبعاث، أو تنظيم حركة المرور، أو مراجعة بعض الاختيارات العمرانية. أما بقاء الأرقام داخل التقارير، فلن يغير شيئاً في حياة السكان.
وهنا يظهر الفرق بين امتلاك أجهزة للقياس وامتلاك سياسة حقيقية لجودة الهواء. فالمعلومة البيئية لا تصبح ذات معنى إلا عندما تدفع إلى اتخاذ قرار.
كلفة لا تظهر في الشوارع
لا يتعلق تلوث الهواء بالراحة البصرية أو بالرائحة فقط. فالجسيمات الدقيقة وغيرها من الملوثات ترتبط بمخاطر صحية معروفة، كما تترتب عليها تكاليف اقتصادية واجتماعية تتحملها الأسر والمنظومة الصحية والاقتصاد.
هذا يغير الطريقة التي ينبغي بها النظر إلى السياسة البيئية. فالاستثمار في النقل العمومي، ومراقبة الانبعاثات، وتنظيم أوراش البناء، وتوسيع المساحات الخضراء لا يمثل مجرد كلفة إضافية على المدينة.
عدم القيام بذلك له كلفة أيضاً.
يدفع السكان هذه الكلفة في تراجع جودة الحياة، وفي الوقت الضائع داخل الازدحام، وفي الآثار الصحية المرتبطة بالتعرض الطويل للملوثات. كما تدفعها المدينة عندما تصبح أقل راحة للمشي وأكثر اعتماداً على السيارة.
من قياس الهواء إلى تغيير المدينة
تحسين جودة الهواء لن يتحقق بحملة تشجير موسمية أو بيوم رمزي من دون سيارة. المطلوب سياسة حضرية تربط النقل بالتعمير، والتعمير بالصحة، والصحة بالبيئة.
حين تبني المدينة أحياء جديدة بعيداً عن فرص العمل، فإنها تنتج رحلات إضافية وتزيد الضغط على شبكة النقل. أما توسيع الطرق من دون توفير نقل عمومي قادر على المنافسة، فقد يؤدي إلى مزيد من الاعتماد على السيارة. وفي المقابل، فإن السماح بالبناء الكثيف من دون حماية المساحات الخضراء قد يحل مشكلة عقارية مؤقتاً، لكنه يخلق اختلالات بيئية جديدة.
لهذا لا ينبغي أن يقتصر السؤال على مستوى التلوث، بل يجب أن يمتد إلى نوع المدينة الذي ننتجه. فالمدينة النظيفة ليست تلك التي تُكنس شوارعها جيداً فقط، وإنما المدينة التي تقل فيها الحاجة إلى السيارة، وتحمي مساحاتها الخضراء، وتتعامل مع بيانات جودة الهواء باعتبارها جزءاً من القرار العام.
الهواء لا يعرف حدود الجماعات ولا اختصاصات الإدارات، لكنه يحمل نتيجة قراراتها جميعاً. وكلما تأخرت المدينة في التعامل معه كقضية تخطيط وصحة وعدالة، تحول الاختناق الصامت إلى جزء دائم من الحياة اليومية.