طوفان سبتة والهجرة الرقمية: عندما تهاجر الوظائف إلى الخوارزمية

رحى الكلام
آخر تحديث:
المقالات المسموعةقراءة صوتية آلية للنص

يعتمد الاستماع على توفر صوت مناسب في متصفحك.

رحى الكلام

حين تظهر صور مئات الشباب وهم يقتربون من سبتة، تتغير لغة السياسة بسرعة. تتحول الحدود إلى قضية أمنية، ويصبح المهاجر جزءاً من خطاب الخطر والضغط والتهديد. تعود الحواجز إلى الواجهة، وتعلو أصوات المطالبين بالتشديد والمراقبة، وكأن المشكلة الكبرى التي تواجه أوروبا اليوم تأتي دائماً من الإنسان الذي يعبر البحر.

لكن هذه الصورة تخفي مفارقة أكثر عمقاً. ففي الوقت الذي تراقب فيه أوروبا الهجرة البشرية بقلق شديد، تدخل إلى أسواقها ومؤسساتها موجة أخرى من الهجرة لا تحتاج إلى قارب ولا جواز سفر ولا مركز استقبال. إنها الهجرة الرقمية، أو بتعبير أدق، انتقال جزء من العمل والقدرة الإنتاجية من الإنسان إلى الخوارزمية.

الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة هامشية. لقد دخل إلى الشركات والإدارات والبنوك ووسائل الإعلام ومراكز الاتصال والترجمة والتصميم والبرمجة والخدمات القانونية. وهو لا يدخل باعتباره «مهاجراً»، بل باعتباره تحديثاً تقنياً أو وسيلة لرفع الكفاءة، لكن أثره الفعلي قد يكون أعمق بكثير من أثر وصول آلاف المهاجرين إلى سوق العمل.

المهاجر البشري يحتاج إلى لغة ووثائق وتكوين واندماج، وقد تمر سنوات قبل أن يصبح جزءاً مستقراً من الاقتصاد. أما النظام الذكي فيدخل إلى المؤسسة في يوم واحد، ويبدأ فوراً في تغيير توزيع المهام داخلها. موظف واحد قد يقوم بعمل كان يحتاج سابقاً إلى أكثر من شخص، ومحرر قد ينتج مواد كانت تتطلب فريقاً، وشركة صغيرة قد تقلص خدمات كاملة كانت تشتريها من الخارج.

هنا تصبح المقارنة مثيرة فعلاً. فإذا كان الخوف من الهجرة مرتبطاً بحماية الوظائف والأجور والاستقرار الاجتماعي، فلماذا لا يحظى التحول الرقمي بالقلق نفسه؟ ولماذا يصبح الإنسان القادم من الجنوب عنواناً للخطر، بينما تدخل الخوارزمية إلى قلب سوق العمل تحت عنوان التقدم والتحديث؟

السبب ربما أن الهجرة البشرية مرئية، بينما الهجرة الرقمية صامتة. للمهاجر وجه ولهجة واسم وبلد أصل، ويمكن تحويله بسهولة إلى صورة سياسية. أما الخوارزمية فلا تظهر في نشرات الأخبار وهي تقف عند السياج، ولا يمكن لحزب شعبوي أن يضع صورتها على ملصق انتخابي بالطريقة نفسها. تدخل بهدوء عبر برامج جديدة وعقود تقنية ومنصات سحابية، ثم تعيد تشكيل المؤسسة من الداخل.

المشكلة هنا ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، ولا في استعماله لرفع الإنتاجية. المسألة الحقيقية هي من سيحصل على القيمة التي تنتجها هذه الزيادة في الكفاءة. فإذا استطاعت مؤسسة ما أن تنتج أكثر بعدد أقل من العاملين، فهل ستنعكس المكاسب على الأجور وتقليص ساعات العمل وتحسين شروط التشغيل، أم ستتحول أساساً إلى أرباح إضافية وإلى تقليص عدد الوظائف؟

هذا السؤال أكثر حساسية في أوروبا، لكنه لا يقل خطورة في بلدان الجنوب. لسنوات طويلة، اعتمدت اقتصادات عديدة على تصدير اليد العاملة أو جذب مراكز الخدمات بسبب انخفاض تكلفة الأجور. غير أن الذكاء الاصطناعي يهدد بتغيير هذه المعادلة نفسها، لأن المنافس لم يعد عاملاً أرخص في بلد آخر، بل نظاماً رقمياً يستطيع العمل بلا توقف وبكلفة أقل في بعض المهام.

عند هذه النقطة، يصبح مفهوم الهجرة معكوساً. في الماضي كان العامل ينتقل إلى مكان الوظيفة، أما اليوم فقد تنتقل الوظيفة نفسها إلى الخوارزمية قبل أن يصل العامل إليها. وقد يجد الشاب المغربي أو التونسي أو المصري نفسه أمام سوق عمل تغيرت قواعده، لا لأن دولة أوروبية أغلقت الحدود فقط، بل لأن جزءاً من العمل الذي كان يحلم به أصبح يُنجز بطريقة مختلفة تماماً.

لهذا لا ينبغي قراءة صور سبتة باعتبارها أزمة حدود فحسب. إنها أيضاً صورة لعالم لا يزال يركز خوفه على حركة البشر، بينما التحول الأكبر في العمل والاقتصاد يجري في مكان آخر. فالجدار يستطيع إبطاء الإنسان، والبحر يستطيع أن يجعل العبور أكثر صعوبة، لكن لا أحد يستطيع إقامة حاجز حدودي أمام خوارزمية تنتقل بين الأسواق في لحظات.

المفارقة أن أوروبا قد تنجح في تشديد حدودها، لكنها لا تستطيع أن تمنع التحول الرقمي من إعادة تشكيل مجتمعاتها. وإذا استمرت في التعامل مع المهاجر البشري باعتباره التهديد الرئيسي للعمل والاستقرار، فقد تكتشف متأخرة أن الخطر الحقيقي لم يأتِ من البحر، بل دخل بهدوء عبر الشاشة.

وهنا تكمن الفكرة التي تستحق النقاش أكثر من كل صور الأسلاك والقوارب: ربما ليست الهجرة التي ستغير مستقبل أوروبا هي هجرة الأجساد، بل هجرة الوظائف نفسها من الإنسان إلى الخوارزمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واصل القراءة في المدينة

رسالة من المدينة

قراءات تستحق أن تصلك.

سجّل طلب اشتراكك في النشرة البريدية. نبدأ الإرسال بعد إطلاق النشرة.