الأحياء غير المهيكلة في المدن العربية.. اقتصاد خارج خرائط التخطيط
يعتمد الاستماع على توفر صوت مناسب في متصفحك.

في أطراف مدن عربية كثيرة، تنتهي أحياناً المدينة التي تعترف بها وثائق التخطيط، لكن الحياة الحضرية لا تنتهي عند تلك الحدود. تبدأ طرق أضيق ومبانٍ أقيم بعضها بالتدريج، وتظهر ورش صغيرة ومتاجر منزلية وباعة وحرفيون وشبكات من الجيران والأقارب، فتتشكل مدينة أخرى لا تحظى دائماً بالمكان نفسه في الخرائط الرسمية، لكنها تؤدي وظائف حقيقية في السكن والعمل والإنتاج والخدمات.
وصف هذه الأحياء بأنها «غير مهيكلة» أو «غير نظامية» قد يكون صحيحاً من الناحية التخطيطية أو القانونية في حالات محددة، لكنه لا يكفي لفهمها. فالمشكلة الحضرية لا تتعلق فقط بشكل المبنى أو وضعية الأرض، وإنما بالسؤال عن الأسباب التي دفعت السكان إلى إنتاج السكن بهذه الطريقة، وعن الاقتصاد الذي نما داخله، ثم عن مصير هذا الاقتصاد عندما تقرر المدينة التدخل لإعادة الهيكلة أو الإزالة أو إعادة الإسكان.
من السكن غير النظامي إلى طريقة أخرى لصناعة المدينة
يعيد تقرير المدن العالمي 2026 الصادر عن UN-Habitat صياغة النقاش بصورة لافتة. فالتقرير لا يتعامل مع العمران غير الرسمي باعتباره انحرافاً يمكن التخلص منه ببساطة، بل باعتباره جزءاً متداخلاً مع الطريقة التي تنمو بها مدن كثيرة. وعلى المستوى العالمي، ارتفع عدد السكان الذين يعيشون في الأحياء العشوائية وغير الرسمية من نحو 895 مليوناً سنة 2000 إلى قرابة 1.13 مليار في 2024، رغم انخفاض نسبتهم من مجموع السكان الحضريين.
هذا لا يعني إضفاء صورة إيجابية على السكن غير اللائق، إذ ترتبط أجزاء واسعة من هذه الأحياء بنقص الخدمات وعدم استقرار الحيازة والمخاطر البيئية. لكنه يعني أن إزالة المبنى لا تعالج تلقائياً الأسباب التي أنتجته.
فحين تكون الأرض المخدومة والسكن النظامي بعيدي المنال بالنسبة إلى أصحاب الدخول المحدودة، يصبح البناء التدريجي أو غير النظامي إحدى الطرق التي تجد بها الأسر مكاناً داخل المدينة. وهكذا يصبح السؤال الحقيقي متعلقاً بعجز سوق السكن والتخطيط الحضري بقدر تعلقه بما يحدث داخل الحي نفسه.
المغرب.. تحسن السكن وبقاء المفارقة
تكشف أحدث بيانات المندوبية السامية للتخطيط عن تحول كبير في المشهد السكني المغربي. فقد وصل رصيد المساكن الحضرية سنة 2024 إلى نحو 8.34 ملايين وحدة، مقابل 6.2 ملايين سنة 2014، أي زيادة تقارب 215 ألف مسكن سنوياً خلال عقد. كما انخفض العجز الكمي في السكن إلى 4.9 في المئة وفق منهجية المندوبية.
لكن وراء هذا التحسن تظهر مفارقة أخرى. فالمغرب كان يضم في الوقت نفسه نحو 1.1 مليون مسكن حضري فارغ، بينما بقيت مساكن الصفيح حاضرة بنسب متفاوتة، وبلغت حصتها في جهة الدار البيضاء–سطات نحو 5 في المئة وفق بيانات الإحصاء. كما أن تقدير العجز الكمي الذي تنشره المندوبية لا يشمل المساكن المهددة بالانهيار ولا الواقعة داخل الأحياء غير النظامية.
المشكلة إذن ليست دائماً في عدد البيوت فقط، وإنما في العلاقة بين مكان وجود السكن وثمنه ودخل الأسر وقربه من العمل والخدمات وقدرة السكان على الوصول إليه.
بني مكادة.. ما تراه الأقمار الصناعية
تقدم طنجة مثالاً حديثاً على استمرار هذه الدينامية. ففي دراسة أكاديمية منشورة في يونيو 2026، استخدم باحثون صور الأقمار الصناعية وتقنيات التعلم الآلي لمراقبة البناء غير النظامي في بني مكادة بين عامي 2017 و2025.
ورصد الباحثون أكثر من 10 آلاف بناء داخل المناطق المصنفة غير نظامية، بينما ازدادت المساحة المبنية بنحو 0.68 كيلومتر مربع. والمثير أن النسبة المئوية لهذه المباني انخفضت قليلاً من 39.6 إلى 37.2 في المئة، لكن عددها المطلق ارتفع خلال الفترة نفسها.
تكشف هذه النتيجة حدود قراءة الظاهرة من خلال النسب وحدها. فالمدينة الرسمية تتوسع، لكن البناء غير النظامي يستطيع أن يستمر معها في الوقت نفسه. وهذا يجعل القضية مرتبطة بإنتاج الأرض والسكن وإدارة النمو الحضري، وليس فقط بمراقبة المخالفات بعد حدوثها.
خلف واجهة البيت يوجد اقتصاد كامل
غير أن الخرائط الفضائية تستطيع تحديد المباني ولا تستطيع وحدها إظهار كل ما يجري داخلها. فقد يكون الطابق الأرضي ورشة، أو تتحول غرفة مطلة على الشارع إلى متجر صغير، أو يصبح المنزل مكاناً للإنتاج والتخزين، بينما يعتمد النشاط على الزبائن والجيران والمسافة القصيرة بين البيت والعمل.
وهذه النقطة تحديداً يبرزها تقرير المدن العالمي 2026، الذي ينتقد تدخلات ركزت على التحسين المادي وأعطت اهتماماً غير كافٍ لمصادر الرزق غير الرسمية. كما يشير إلى أن الأحياء غير الرسمية توفر في حالات كثيرة، إلى جانب السكن الأقل تكلفة، فضاءات للنشاط الاقتصادي وشبكات اجتماعية يعتمد عليها السكان.
لذلك قد يكون المنزل بالنسبة إلى الأسرة الفقيرة مسكناً وموقع عمل وأصلاً اقتصادياً في الوقت نفسه. ونقل الأسرة بعيداً عنه قد يحسن شروط السكن، لكنه يستطيع أيضاً تغيير المسافة إلى العمل والزبائن وكلفة النقل.
عندما يكون العلاج العمراني مشكلة اقتصادية
هنا نلتقي مع الدرس الذي ظهر في دراستنا السابقة عن إعادة إسكان سكان الصفيح في الدار البيضاء، لكن من زاوية أوسع. فإذا نظرت سياسة إعادة الهيكلة إلى المسكن باعتباره وحدة مادية فقط، فإنها تستطيع قياس النجاح بعدد الشقق الجديدة، بينما تبقى الخسائر غير المرئية خارج المؤشر.
وقد يكون من بينها اختفاء متجر منزلي أو ارتفاع كلفة الوصول إلى الوظيفة أو تفكك شبكة زبائن بناها حرفي خلال سنوات. وهذا لا يعني رفض إعادة الإسكان أو القبول بشروط سكن غير آمنة، وإنما يعني أن تحسين السكن ينبغي أن يحافظ، قدر الإمكان، على قدرة الأسرة على كسب دخلها.
وهذه هي النقلة التي يقترحها UN-Habitat: الانتقال من سياسات تنظر إلى العمران غير الرسمي باعتباره شيئاً ينبغي محوه، إلى سياسات تعالج الحرمان ونقص الخدمات ومخاطر السكن، مع الاعتراف بالوظائف الاجتماعية والاقتصادية الموجودة أصلاً داخل الحي.
الحي ليس كتلة واحدة
كما أن الحديث عن «سكان الأحياء غير المهيكلة» قد يوحي خطأً بأننا أمام جماعة متجانسة. ففي الحي نفسه يمكن أن يوجد مالك ومستأجر، وتاجر وعامل، وأسرة تعيش من نشاط منزلي وأخرى تعمل خارج المنطقة، إضافة إلى اختلاف احتياجات النساء والشباب وكبار السن.
ولهذا يحذر تقرير 2026 من افتراض وجود أولوية واحدة لجميع السكان، ويدعو إلى مشاركة أكثر فعالية للسكان في إنتاج البيانات واتخاذ القرارات المتعلقة بتطوير أحيائهم.
وتصبح المشاركة هنا أداة تخطيط وليست مجرد إجراء شكلي، لأنها تساعد السلطات على معرفة ما لا تكشفه الخريطة: أين يعمل السكان، وكيف يصلون إلى أعمالهم، وأي الشوارع تؤدي وظيفة تجارية، وأين توجد شبكات الخدمات غير الرسمية، ومن سيتحمل أكبر كلفة إذا تغير موقع السكن.
من إزالة الحي إلى إدماجه
لقد أصبحت الأزمة السكنية عالمياً أكبر من أن تعالج بسياسة واحدة. وتقول UN-Habitat إن أكثر من 1.1 مليار إنسان يعيشون حالياً في أحياء عشوائية أو غير رسمية، بينما يفتقر أكثر من ثلاثة مليارات إلى شكل من أشكال السكن الملائم.
بالنسبة إلى المدينة العربية، تحمل هذه الأرقام درساً يتجاوز السكن نفسه. فالأحياء غير المهيكلة لا تظهر من فراغ، وإنما تنمو عندما تكون هناك فجوة بين المدينة التي يرسمها التخطيط والمدينة التي يستطيع السكان دفع تكلفتها فعلاً.
ومعالجة هذه الفجوة تحتاج إلى السكن الميسر والأرض المخدومة والنقل والخدمات وفرص العمل، إلى جانب تسوية الأوضاع القانونية وتحسين البنية الأساسية حيث يكون ذلك ممكناً. أما عندما تصبح إعادة الإسكان ضرورية، فإن موقع السكن الجديد وعلاقته بالعمل والنقل والخدمات ينبغي أن يكون جزءاً من القرار منذ البداية.
المدينة التي تعترف بسكانها
قد تستطيع الخريطة أن تصنف حياً باعتباره غير نظامي، لكنها لا تستطيع بذلك إلغاء دوره في المدينة. ففي داخله يسكن عمال يخدمون اقتصادها، وتوجد متاجر وورش وخدمات وشبكات اجتماعية نشأت لأن المدينة الرسمية لم تستطع دائماً توفير بديل ميسور وقريب.
لذلك لا يكون نجاح السياسة الحضرية في أن يختفي لون معين من خريطة السكن غير النظامي فحسب، بل في أن تختفي الظروف التي جعلت ذلك اللون يظهر أصلاً.
وعندما يصبح المسكن أكثر أمناً، وتصل المياه والصرف والطرق والنقل، وتصبح الأرض أكثر انتظاماً، من دون أن يفقد السكان قدرتهم على العمل أو ينقلوا إلى هامش أبعد، تكون المدينة قد فعلت أكثر من تحسين حي. عندها تكون قد بدأت في إدماج جزء من سكانها كان موجوداً في اقتصادها ومجتمعها منذ البداية، لكنه لم يكن موجوداً بالقدر نفسه في تخطيطها.