الفضاء العام في القاهرة.. ماذا يبقى من المدينة حين يضيق الشارع؟

المقالات المسموعةقراءة صوتية آلية للنص

يعتمد الاستماع على توفر صوت مناسب في متصفحك.

القاهرة مدينة يصعب فهمها من خلف زجاج السيارة. جزء كبير من شخصيتها يوجد على مستوى الشارع: في المقهى، والسوق، والممر، وأمام المحلات، وفي المسافة القصيرة التي تتحول مساءً إلى مكان للقاء. هنا لا يكون الفضاء العام مجرد فراغ بين المباني، بل مسرحاً يومياً تختلط فيه التجارة بالحركة، والذاكرة بالعلاقات الاجتماعية.

لكن هذه المدينة التي صنعت جانباً من هويتها في الشارع تواجه مفارقة حضرية واضحة. فكلما ارتفعت الكثافة واشتد الضغط على الأرض وحركة السيارات والخدمات، أصبحت المساحات التي يستطيع الناس استخدامها خارج البيت أكثر قيمة، وفي الوقت نفسه أكثر عرضة للتراجع أو إعادة التشكيل.

لهذا لا يتعلق السؤال بعدد الحدائق والساحات فقط. القضية هي: أي نوع من الحياة تسمح به المدينة خارج الجدران، ومن يستطيع الوصول إليه؟

القاهرة ليست مباني فقط

تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في مدينة بحجم القاهرة الكبرى. وتصفها الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية بأنها واحدة من أكبر المناطق الحضرية وأكثرها تأثيراً في الشرق الأوسط وأفريقيا، كما تؤكد في رؤيتها الاستراتيجية أن جودة الحياة الحضرية ترتبط بالنقل والخدمات والمساحات العامة والمناطق الخضراء، وليس بالمباني وحدها.

هذا التعريف يغير طريقة قراءة المدينة. فالشارع ليس مجرد بنية للنقل، والساحة ليست أرضاً لم يُبن عليها شيء، والحديقة ليست إضافة تجميلية يمكن تأجيلها إلى نهاية المشروع العمراني.

هذه الأماكن هي التي تسمح لسكان المدينة بأن يكونوا جزءاً منها دون أن يضطروا دائماً إلى الدفع مقابل وجودهم فيها.

عندما يصبح الجلوس في المدينة خدمة مدفوعة

المقهى جزء أصيل من ثقافة القاهرة، ولا يمكن التعامل معه باعتباره خصماً للفضاء العام. فقد ارتبطت المقاهي تاريخياً بالحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة، ولا تزال شوارع وسط القاهرة ومقاهيها تحمل طبقات من هذه الذاكرة الحضرية. وتوثق منشورات الجامعة الأمريكية بالقاهرة هذه العلاقة بين تاريخ الشوارع والأسواق والميادين ومقاهي الأرصفة وبين هوية المدينة نفسها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الأماكن التجارية البديل شبه الوحيد للفضاء المشترك.

هناك فرق بين مدينة يستطيع فيها الإنسان أن يختار المقهى، ومدينة يحتاج فيها إلى المقهى لأنه لا يجد مكاناً مريحاً آخر للجلوس. في الحالة الأولى تكون التجارة جزءاً من حياة الشارع؛ وفي الثانية تصبح القدرة على الاستهلاك شرطاً غير معلن للاستفادة من جزء من المدينة.

ومن هنا تكتسب الحديقة والمقعد والساحة والممر الواسع أهميتها الاجتماعية. فهي توفر حقاً بسيطاً لكنه أساسي: أن يوجد الإنسان في المدينة من دون أن يكون زبوناً.

العتبة تكشف صعوبة المعادلة

أحد الأمثلة المهمة يأتي من سوق العتبة، حيث عمل برنامج تابع للأمم المتحدة للمستوطنات البشرية مع وزارة التنمية المحلية ومحافظة القاهرة على مشروع لإعادة تأهيل السوق.

المثير في التجربة ليس تجميل المكان، وإنما طبيعة المشكلة التي حاول المشروع التعامل معها. فالمنطقة تواجه ازدحاماً وضعفاً في بعض عناصر البنية الأساسية وصعوبات في الحركة والسلامة، بينما تمثل التجارة، بما فيها النشاط غير الرسمي، مصدر رزق مهماً.

وتشير بيانات البرنامج إلى أن التدخل في سوق ميدان العتبة مسّ بصورة مباشرة نحو ألف بائع، في فضاء يستخدمه ما يصل إلى 500 ألف متسوق. وقد جرى إشراك السلطات والباعة والمجتمع المحلي في تطوير الحلول.

وهنا تظهر المسألة الحضرية في صورتها الأكثر تعقيداً: كيف تجعل المكان أكثر أماناً وقابلية للمشي دون أن تقتل الوظيفة الاقتصادية التي تمنحه الحياة؟

ليس كل ازدحام دليلاً على فشل المكان. أحياناً يكون الازدحام نتيجة نجاحه الاقتصادي والاجتماعي، وتصبح مهمة التخطيط هي إدارة هذا النجاح بدلاً من محوه.

الفضاء العام قضية اجتماعية أيضاً

يمكن أن يبدو الحديث عن الساحات والحدائق ترفاً أمام قضايا السكن والنقل والعمل، لكن التخطيط الحضري الحديث يتعامل معها باعتبارها عناصر مترابطة.

وتقول الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية إن الفضاءات العامة في المناطق الحضرية، وخصوصاً في المناطق الأقل حظاً، يمكن أن تساعد على تحسين قابلية العيش والوصول إلى الخدمات ودعم سبل الرزق والقدرة على مواجهة آثار المناخ.

وفي مصر نفسها، وضعت مبادرة للأمم المتحدة ووزارة التنمية المحلية مجموعة من المعايير لتقييم الفضاء العام الجيد. وتشمل إمكانية وصول مختلف فئات المجتمع إليه، وتأثيره الاجتماعي والاقتصادي، وسهولة الحركة داخله، ووجود أماكن للجلوس والظل والإنارة والأمان والصيانة المستمرة.

وهذه التفاصيل مهمة، لأن وجود ساحة على الخريطة لا يعني بالضرورة أنها فضاء عام ناجح. السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الناس يستطيعون استخدامها فعلاً.

من يملك حق البقاء في وسط المدينة؟

تزداد المسألة حساسية عندما ترتفع قيمة الأرض. فكل متر مربع في المناطق المركزية يمكن أن يحمل قيمة عقارية أو تجارية، بينما يصعب قياس القيمة الاقتصادية المباشرة لمقعد تحت شجرة أو ساحة يستطيع الناس الجلوس فيها.

لكن ما لا يظهر بسهولة في الحساب العقاري يمكن أن يظهر في الحياة الاجتماعية.

الفضاء العام هو أحد الأماكن القليلة التي يمكن أن يلتقي فيها أشخاص تختلف دخولهم وأعمارهم ووظائفهم من دون وجود شرط مسبق للدخول. وعندما تتراجع هذه المساحات، لا تختفي الحياة الاجتماعية، لكنها تنتقل تدريجياً إلى أماكن أخرى قد تكون أكثر خصوصية أو أكثر ارتباطاً بالاستهلاك.

لهذا فإن النقاش حول الفضاء العام هو أيضاً نقاش حول العدالة داخل المدينة.

القاهرة نفسها وضعت القضية على الطاولة

هناك مفارقة ذات دلالة. ففي نوفمبر 2024 استضافت القاهرة الدورة الثانية عشرة للمنتدى الحضري العالمي، وانتهى المنتدى إلى «نداء القاهرة للعمل»، الذي وضع الفضاءات العامة المرنة والتخطيط الحضري التشاركي والعدالة في الوصول إلى الخدمات والفرص ضمن أولويات مستقبل المدن.

القاهرة هنا ليست مجرد مكان استضاف مؤتمراً دولياً. إنها مدينة تصلح لاختبار هذه الأفكار نفسها.

كيف نحافظ على مركز تاريخي حي؟ كيف نجعل الشوارع قابلة للمشي؟ كيف نحمي النشاط الاقتصادي الصغير دون تحويل الرصيف إلى حاجز؟ وكيف نوفر أماكن يستطيع فيها الناس الاجتماع والجلوس والانتظار من دون أن تتحول كل دقيقة يقضونها في المدينة إلى عملية شراء؟

المدينة تحتاج إلى أماكن لا يحدث فيها شيء

قد تبدو هذه الفكرة غريبة في مدينة مزدحمة مثل القاهرة، لكنها ربما تكون أكثر أهمية فيها تحديداً.

فالمدينة تحتاج إلى أماكن للعمل والتجارة والنقل، لكنها تحتاج أيضاً إلى أماكن يمكن للإنسان أن يجلس فيها فقط. طفل يلعب، رجل مسن يستريح، شاب ينتظر صديقاً، وأسرة تمشي في المساء. هذه الأنشطة البسيطة لا تنتج مبنى شاهقاً ولا مشروعاً استثمارياً ضخماً، لكنها تنتج شيئاً يصعب تعويضه: الحياة الحضرية.

ولذلك فإن حماية الفضاء العام لا تعني إعادة القاهرة إلى صورة قديمة، ولا رفض التطوير، بل الاعتراف بأن تحديث المدينة لا يقاس فقط بما تضيفه من منشآت، وإنما أيضاً بما تتركه متاحاً للناس.

القاهرة التي تفقد أماكن اللقاء لا تفقد بعض الأرصفة والساحات فقط؛ إنها تخاطر بفقدان جزء من الطريقة التي صنعت بها القاهرة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واصل القراءة في المدينة

رسالة من المدينة

قراءات تستحق أن تصلك.

سجّل طلب اشتراكك في النشرة البريدية. نبدأ الإرسال بعد إطلاق النشرة.