وكلاء الذكاء الاصطناعي في 2027.. من الإجابة إلى تنفيذ العمل
Un timbre vocal adapté doit être disponible dans votre navigateur.

لم يعد السؤال الأكثر إثارة في عالم الذكاء الاصطناعي يتعلق بقدرته على كتابة مقال جيد أو إنتاج صورة مقنعة أو الإجابة عن سؤال معقد، لأننا ونحن نقترب من نهاية 2026 نواجه تحولاً مختلفاً قد تكون آثاره أعمق بكثير: ماذا يحدث عندما لا نطلب من الذكاء الاصطناعي أن يجيبنا فقط، بل نعطيه عملاً ونسمح له بتنفيذ سلسلة من المهام نيابة عنا؟
من هنا تأتي أهمية النظر إلى 2027، ليس باعتباره موعداً سحرياً ستستيقظ فيه البشرية على عالم مختلف، ولا لأن أحداً يستطيع الجزم بما ستصل إليه النماذج خلال عام، وإنما لأن المؤشرات المتاحة في سبتمبر 2026 تكشف انتقالاً تدريجياً من مرحلة «المساعد الذكي» إلى مرحلة «الوكيل الذكي». وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يصبح العام المقبل اختباراً لشيء أكبر من قدرات روبوتات المحادثة، وهو قدرة الذكاء الاصطناعي على الدخول في صميم سير العمل اليومي داخل الشركات والإدارات والمهن المعرفية.
2026 كانت بداية الانتقال
اعتدنا خلال السنوات الماضية أن نفتح نافذة المحادثة ونكتب سؤالاً ثم ننتظر الإجابة، لكن هذه العلاقة نفسها بدأت تتغير مع ظهور أنظمة تستطيع، ضمن الصلاحيات والأدوات التي يمنحها لها المستخدم، التعامل مع ملفات وبرامج ومصادر مختلفة وتنفيذ مهمة تتكون من مراحل متعددة.
بهذا المعنى، لا يعود المستخدم مضطراً إلى إصدار عشرات الأوامر الصغيرة، وإنما يتجه الاستخدام تدريجياً نحو تفويض مهمة أوسع ثم مراقبة خطواتها ومراجعة النتيجة. وتقدم بيانات منشورة في 2026 عن استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات مؤشرات على انتقال بعض الاستخدامات المتقدمة من مجرد المساعدة إلى التفويض، مع توسع الأدوات الوكيلة خارج البرمجة إلى المبيعات والتوظيف والتسويق وبعض الأعمال القانونية. ولا تمثل هذه البيانات الاقتصاد العالمي كله، لكنها تكشف اتجاهاً يستحق المتابعة لأنه يمس طريقة تنظيم العمل نفسها.
العامل الرقمي يدخل المؤسسة
قد لا يكون «عامل 2027» روبوتاً يجلس خلف مكتب، بل برنامجاً يعمل في الخلفية ويتولى جزءاً من العمليات التي كان الموظف ينفذها يدوياً. تستطيع شركة صغيرة، على سبيل المثال، أن تستخدم وكيلاً لمراجعة البريد والوثائق، وآخر لتحليل المبيعات، وثالثاً لمتابعة السوق، بينما يبقى الإنسان مسؤولاً عن المراجعة والقرارات التي تحتاج إلى حكم ومسؤولية.
هذه الصورة ليست مكتملة اليوم، ولا يوجد ما يضمن أنها ستصبح النموذج السائد خلال 2027، لكن البنية التقنية التي تجعلها ممكنة تتطور بسرعة. وإذا اتسع استخدامها، فقد يصبح التحول الاقتصادي أكثر أهمية من التحسن التقني نفسه، لأن القضية ستنتقل من مقدار جودة الإجابة التي يقدمها النموذج إلى مقدار العمل الذي تستطيع المؤسسة تفويضه إليه مع الحفاظ على الرقابة.
وهنا يظهر فارق جوهري بين مؤسسة يستخدم موظفوها الذكاء الاصطناعي لكتابة الرسائل أو تلخيص الوثائق بسرعة، ومؤسسة تعيد تصميم سير العمل بحيث تتولى الأنظمة الوكيلة أجزاء من العمليات نفسها. وإذا اتسعت الفجوة بين النموذجين، فقد تصبح المنافسة مرتبطة بقدرة المؤسسات على إعادة تنظيم العمل حول الذكاء الاصطناعي، لا بمجرد امتلاك اشتراك في أداة متقدمة.
عندما يبدأ الحاسوب في تنفيذ العمل
هناك تحول آخر قد يصبح أكثر وضوحاً خلال 2027 ويتعلق بعلاقة الذكاء الاصطناعي بالحاسوب نفسه. فقد صممت الحواسيب طوال عقود لكي يستخدمها الإنسان عبر الشاشة والفأرة ولوحة المفاتيح والقوائم والأزرار، بينما تفتح الأنظمة الوكيلة احتمالاً مختلفاً تصبح فيه البرمجيات قادرة على التعامل مع بيئة العمل الرقمية وتنفيذ سلسلة من الخطوات تحت إشراف المستخدم.
إذا تطورت هذه القدرة بصورة موثوقة، فلن تكون القضية مجرد الحصول على روبوت محادثة أكثر ذكاء، بل ستبدأ واجهة الحاسوب نفسها في التغير. وقد تصبح قيمة البرامج مرتبطة مستقبلاً بقدرتها على العمل مع الوكلاء إلى جانب سهولة استخدامها من الإنسان، وهو تحول يمكن أن يصل إلى الإدارة والبنوك وشركات التأمين والجامعات والصحافة وغيرها من القطاعات التي تعتمد على أعمال معرفية وإجرائية يصعب اختزالها في أمر برمجي جامد.
الصحفي في زمن الوكيل الذكي
يمكن رؤية حجم التحول بوضوح إذا نقلناه إلى غرفة الأخبار. فقد يبدأ الصحفي يومه مستقبلاً بعد أن يكون وكيله قد راجع مجموعة محددة من المصادر، ورتب الوثائق الجديدة، واستخرج الأرقام، وقارن تصريحاً حديثاً بتصريحات سابقة وحدد النقاط التي تحتاج إلى التحقق، بحيث لا يبدأ الصحفي عمله من الصفر، مع بقائه مسؤولاً عن ما سيختاره وما سيتحقق منه وما سينشره.
هذه الإمكانية تجعل النقاش حول مستقبل الصحافة أكثر تعقيداً من العبارة المبسطة التي تقول إن الذكاء الاصطناعي سيعوض الصحفي، لأن الصحافة ليست عملية إنتاج كلمات فقط. فهي تبدأ بالوصول إلى المصادر وفحص الوثائق وفهم السياق الاجتماعي والسياسي والعمل الميداني واختيار ما يستحق النشر وإتاحة حق الرد، وتنتهي بتحمل المؤسسة والصحفي مسؤولية المادة المنشورة.
وقد تكون المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، كلما أصبح أفضل في إنتاج الكلمات، جعل القيمة المهنية للصحفي مرتبطة أكثر بما يسبق الكلمات نفسها، أي بالتحقيق والمصدر والتحقق والسياق والحكم التحريري.
عندما يدخل الوكيل إلى المدينة
لن يبقى هذا التحول محصوراً في الشركات والمكاتب، لأن الإدارة الحضرية نفسها تنتج يومياً كميات كبيرة من البيانات والوثائق والشكاوى والمعاملات. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحليل النقل واستهلاك الطاقة والخدمات والطلبات الإدارية والمعطيات الحضرية، كما قد يسمح استخدام الوكلاء بتطوير خدمات يستطيع المواطن الوصول إليها خارج ساعات العمل التقليدية.
غير أن إدخال الخوارزمية بين المواطن والخدمة العمومية يفتح في الوقت نفسه قضية الحوكمة. فإذا شارك النظام في معالجة طلب أو ترتيب أولوية أو اتخاذ قرار يؤثر في المواطن، تصبح معرفة كيفية اتخاذ القرار والبيانات التي استند إليها وطريقة الاعتراض عليه عندما يكون خاطئاً جزءاً من جودة الخدمة نفسها.
ومن هنا لا تصبح «المدينة الذكية» أكثر عدلاً لمجرد أنها تستخدم خوارزميات أكثر، لأن التكنولوجيا تستطيع تحسين الخدمة، لكنها لا تلغي أسئلة الشفافية والمساءلة والحق في الاعتراض.
المغرب أمام اختبار التنفيذ
تكتسب هذه التحولات أهمية خاصة في المغرب لأن 2027 لن يبدأ من فراغ. ففي سبتمبر 2026 عرضت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة مستوى تقدم خارطة الطريق الوطنية للذكاء الاصطناعي في أفق 2030، ضمن توجه يسعى إلى الانتقال من بناء الرؤية إلى التنفيذ وتطوير منظومة تشمل البنية التحتية والكفاءات والبحث والابتكار والاستخدامات القطاعية.
وتطرح التوجهات المعلنة أهدافاً اقتصادية وتكوينية كبيرة لأفق 2030، تشمل خلق قيمة مضافة وتكوين أعداد كبيرة من الكفاءات وتطوير منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي. ولذلك يمكن أن يشكل 2027 مرحلة مهمة لمراقبة المسافة بين الأهداف المعلنة والنتائج القابلة للقياس على الأرض، سواء في جودة الخدمات العمومية أو وصول المقاولات الصغيرة إلى الأدوات الجديدة أو انتشار التكوين خارج النخب التقنية.
كما سيكون البعد اللغوي والمجالي جزءاً أساسياً من هذا الاختبار، لأن نجاح الذكاء الاصطناعي في المغرب لن يقاس فقط بوجود حلول متطورة في الرباط والدار البيضاء أو داخل الشركات الكبرى، بل بقدرته على خدمة مستخدم يتحدث العربية أو الدارجة أو الأمازيغية، وعلى الوصول إلى المقاولة الصغيرة والإدارة المحلية والمدن المتوسطة والصغيرة.
من يملك العامل الرقمي؟
كلما اتسع استخدام الوكلاء، ستصبح مسألة ملكية البنية التي تشغلهم أكثر أهمية. فإذا اعتمدت مؤسسة على عشرات الأنظمة الوكيلة في عملياتها اليومية، فإن موقع بياناتها وملكية النماذج التي تعتمد عليها وشروط استخدامها وكلفتها ستتحول من مسائل تقنية إلى عناصر في استقلال المؤسسة واستمرارية عملها.
لهذا يتجاوز مفهوم السيادة الرقمية مسألة مكان تخزين البيانات وحدها، ليشمل القدرة على تطوير الكفاءات والبنية التحتية والبحث والحلول المحلية، إضافة إلى التعامل مع الخصوصيات اللغوية والقانونية والاجتماعية. وبالنسبة إلى المغرب والعالم العربي، قد يصبح التحدي الحقيقي هو الانتقال من سوق يستهلك خدمات الذكاء الاصطناعي إلى بيئة تستطيع إنتاج جزء من أدواته وتطويعها وحوكمة استخدامها.
القوة الجديدة تكشف حدوداً جديدة
لا يعني الانتقال نحو الوكلاء أن الطريق سيكون خطياً أو أن الأنظمة ستصبح مستقلة بصورة موثوقة في كل المجالات، لأن زيادة الصلاحيات تجعل الخطأ نفسه أكثر تكلفة. فالخطأ في إجابة داخل نافذة محادثة يستطيع المستخدم ملاحظته وتصحيحه، بينما يمكن للخطأ داخل نظام ينفذ سلسلة من العمليات أن ينتقل من خطوة إلى أخرى قبل اكتشافه.
ولهذا ستزداد أهمية الرقابة البشرية والأمن وحماية البيانات وتحديد الصلاحيات وسجلات العمليات التي تسمح بمعرفة ما فعله النظام وكيف فعله. كما ستظل الكلفة الحاسوبية والطاقة والموثوقية عوامل قد تحد من الانتشار السريع، لأن تنفيذ مهمة طويلة ومتعددة المراحل يختلف تقنياً واقتصادياً عن توليد إجابة واحدة.
وقد يكشف 2027، إذا اتسع استخدام هذه الأنظمة، حدود الوكلاء بقدر ما يكشف قدراتهم، لأن الاختبار الحقيقي لن يكون في العرض التقني المثير، بل في قدرة النظام على العمل بصورة متكررة وآمنة وبتكلفة معقولة داخل بيئة حقيقية.
من المساعدة إلى التفويض
لهذا يبدو وصف 2027 بأنه «عام الذكاء الاصطناعي» فضفاضاً، فالذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل جزءاً من الحياة الرقمية. أما التحول الأكثر دلالة فقد يكون انتقالنا من مرحلة استخدام الآلة للمساعدة إلى اختبار مقدار العمل الذي يمكن تفويضه إليها، مع بقاء الإنسان قادراً على المراقبة والتدخل وتحمل المسؤولية.
وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، ستختبر الشركات ما إذا كانت الأنظمة الوكيلة توفر فعلاً الوقت والمال، وستختبر الإدارات حدود استخدامها في الخدمات العامة، بينما ستكتشف المهن المعرفية بصورة أكثر وضوحاً أي أجزاء من عملها يمكن أتمتتها وأي أجزاء تظل مرتبطة بالحكم والخبرة والمسؤولية البشرية.
بالنسبة إلى المغرب والعالم العربي، سيكون الاختبار أوسع من مجرد انتشار التطبيقات، لأن المسافة بين استخدام أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي وبين بناء اقتصاد قادر على إنتاجها وتطويعها وحماية بياناتها وتكوين الكفاءات اللازمة لها ما تزال كبيرة. ولذلك قد يكون المقياس الأكثر أهمية في نهاية 2027 هو مقدار العمل الذي أصبح ممكناً تفويضه للآلة، بالتوازي مع مقدار السلطة والمسؤولية والقرار الذي اختارت المؤسسات والمجتمعات أن يبقى في يد الإنسان.