المدينة التي يتذكرونها فقط عند الانتخابات
يعتمد الاستماع على توفر صوت مناسب في متصفحك.

كلما اقترب موعد الانتخابات، تستعيد المدينة المغربية حضورها بقوة في خطاب الأحزاب. تنزل القيادات والمرشحون إلى الأحياء والأسواق، تتكاثر اللقاءات مع السكان، وتعود قضايا النقل والسكن والنظافة والإنارة والفضاءات العامة إلى صدارة النقاش. في حد ذاته، لا يحمل هذا السلوك ما يثير الاستغراب، فالحملة الانتخابية هي اللحظة التي يفترض أن يقترب فيها السياسي من الناخب، وأن يعرض عليه تصوره لتدبير الشأن العام. غير أن الإشكال يبدأ حين يصبح هذا الاهتمام موسمياً، وحين تنتهي الانتخابات فتتراجع المدينة، بمشكلاتها اليومية، إلى هامش الأولويات السياسية.
المواطن الذي ينتظر الحافلة كل صباح، أو يقضي جزءاً متزايداً من دخله في الإيجار، أو يعيش في حي توسع عمرانياً قبل أن تصل إليه الخدمات، لا يحتاج خلال الحملة الانتخابية إلى من يخبره بوجود هذه المشكلات. هو يعرفها من تجربته اليومية، ولذلك أصبح أكثر اهتماماً بما يتجاوز تشخيص الواقع إلى معرفة طبيعة الحلول ومدى قابليتها للتنفيذ، والجهة المسؤولة عنها، والموارد المالية اللازمة لإنجازها.
من هنا تبدو بعض الحملات الانتخابية منفصلة عن التحولات العميقة التي تعرفها المدن المغربية. تتغير الوجوه والشعارات، بينما تتكرر مفردات التنمية والقرب والعدالة والكرامة وتحسين الخدمات، وهي مفاهيم ضرورية لأي مشروع سياسي جاد، لكنها تفقد الكثير من قيمتها عندما لا تتحول إلى اختيارات وبرامج قابلة للقياس والمحاسبة. لم يعد كافياً أن يقول حزب إنه يريد تحسين المدينة؛ الأهم أن يوضح أي نموذج حضري يقترح، وكيف سيموله، وما الأولويات التي سيبدأ بها، ومتى يستطيع المواطن أن يلمس نتائجها.
وتزداد أهمية هذا النقاش لأن تقييم المدينة لا ينبغي أن يقتصر على ما يظهر منها في الصور. إصلاح شارع أو تهيئة ساحة أو تجديد الإنارة يمكن أن يحسن المجال العام، لكنه لا يشكل بمفرده سياسة حضرية. جودة المدينة تقاس أيضاً بالوقت الذي يحتاجه العامل للوصول إلى مقر عمله، وبقدرة الأسر والشباب على الحصول على سكن مناسب، وبالقرب من المدرسة والمستشفى، وبجودة الهواء والفضاءات الخضراء، وبمدى تكافؤ الفرص بين الأحياء.
عندما يصبح مكان السكن عاملاً مؤثراً في جودة التعليم والنقل والصحة والولوج إلى فرص العمل، فإن المسألة تتجاوز التدبير التقني لتدخل مباشرة في صلب العدالة المجالية. وهنا تصبح السياسة الحضرية جزءاً من قضية اجتماعية أوسع، لأن الفوارق بين الأحياء لا تعكس فقط اختلافاً في العمران، وإنما يمكن أن تتحول مع الزمن إلى تفاوت في فرص الحياة نفسها.
الأحزاب تدرك هذه الإشكالات، غير أن الخطاب السياسي يميل أحياناً إلى التركيز على المشاريع المادية لأنها أكثر وضوحاً وأسهل في العرض والتسويق. المشروع يمكن تصويره وتدشينه وقياس كلفته، بينما تتطلب السياسة الحضرية المتكاملة قرارات أكثر تعقيداً تتعلق بتوزيع الاستثمار، والسكن الاجتماعي، والمضاربة العقارية، وربط مناطق السكن بمناطق العمل، والنقل العمومي، وتمويل الجماعات والجهات، والتوازن بين مراكز المدن وأطرافها.
وهذه الاختيارات لا تخلو من تعارض المصالح، ولذلك لا ينبغي اختزال النقاش في اتهام الأحزاب وحدها أو افتراض وجود حلول سهلة تستطيع جهة واحدة تنفيذها. فالمدينة المغربية تديرها منظومة مؤسساتية تتقاطع داخلها اختصاصات الجماعات والجهات والوزارات والمؤسسات العمومية وشركات التدبير المفوض وغيرها من المتدخلين. غير أن تعدد المؤسسات، على الرغم من مبرراته القانونية والإدارية، يصبح مشكلة ديمقراطية عندما لا يستطيع المواطن تحديد الجهة التي تتحمل المسؤولية عن قرار معين أو عن تعثر خدمة معينة.
فعندما يتعطل مشروع، قد تشير الجماعة إلى محدودية مواردها، وتحيل مؤسسة أخرى على الوزارة، بينما يرتبط جزء من الخدمة بعقد تدبير أو باختصاص جهة مختلفة. وقد تكون لكل طرف حجة قانونية أو مالية صحيحة، لكن النتيجة بالنسبة إلى المواطن تبقى واحدة: صعوبة معرفة من يجب أن يحاسب. لذلك لا تحتاج المدن المغربية فقط إلى موارد إضافية، بل تحتاج كذلك إلى وضوح أكبر في الاختصاص والمسؤولية وربط القرار بالمحاسبة.
وينبغي هنا التمييز أيضاً بين الانتخابات المحلية والتشريعية. فالبرلماني لا يدير شبكة الحافلات ولا يصلح شارعاً بقرار فردي، ومن غير الموضوعي محاسبته على اختصاصات لا يملكها. لكنه، في المقابل، يشرّع ويراقب الحكومة ويصوت على القوانين والميزانيات والسياسات العامة التي تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في السكن والنقل والاستثمار والجبايات وتمويل الجماعات وتوزيع الموارد بين المجالات.
لهذا يصعب الفصل بين السياسة الوطنية والحياة اليومية داخل المدينة. المواطن قد لا يتعامل مباشرة مع مؤشرات الاقتصاد الكلي، لكنه يلمس نتائج السياسات الاقتصادية والاجتماعية في ثمن السكن، وفي تكلفة التنقل، وفي المدرسة والمستشفى، وفي فرص العمل المتاحة بالقرب من مكان إقامته. وبذلك تتحول القرارات الوطنية، مهما بدت مجردة في الوثائق والبرامج، إلى تفاصيل ملموسة داخل الحي والشارع والأسرة.
وينطبق الأمر نفسه على الاستثمار. فارتفاع حجم الاستثمارات أو توسع البناء لا يعني تلقائياً تحسن جودة الحياة. يمكن أن ترتفع قيمة العقار في مدينة ما بينما تتراجع قدرة فئات واسعة من سكانها على الحصول على السكن، ويمكن أن تمتد المدينة عمرانياً فيما تظل شبكة النقل عاجزة عن مواكبة هذا الامتداد، كما يمكن أن تنجز مشاريع كبرى بالقرب من أحياء ما زالت تعاني نقصاً واضحاً في الخدمات الأساسية. لذلك لا ينبغي قياس نجاح المدينة فقط بحجم ما تبنيه، وإنما أيضاً بمن يستفيد مما تبنيه وكيف تتوزع ثماره.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، سيكون النقاش أكثر فائدة إذا انتقل من المنافسة في إنتاج الشعارات إلى مقارنة البرامج والاختيارات. من حق الأحزاب أن تدافع عن حصيلتها وأن تقدم وعوداً جديدة، ومن حقها أيضاً أن تختلف في أولوياتها، لكن من حق الناخب في المقابل أن يعرف ماذا تقترح في السكن والنقل والخدمات والفوارق المجالية، وكيف ستمول برامجها، وما الآجال التي تلتزم بها، وأي مؤسسة ستكون مسؤولة عن التنفيذ.
بهذا المعنى، ليست المشكلة في أن يزور السياسي السوق أو الحي خلال الحملة الانتخابية، فالقرب من المواطنين جزء من العمل السياسي، وإنما في أن ينتهي هذا القرب بانتهاء التصويت. فالمدينة لا تحتاج إلى حضور سياسي موسمي بقدر ما تحتاج إلى سياسات تستمر بعد إغلاق صناديق الاقتراع، وإلى مؤسسات يمكن تحديد مسؤولياتها ومحاسبتها على النتائج. عندها فقط يصبح الاهتمام بالمدينة جزءاً من ممارسة ديمقراطية مستمرة، لا مجرد محطة في الطريق إلى الانتخابات.