استمع إلى المقال4 دقائق تقريباً

قبل أسابيع قليلة، كانت المدينة المغربية أكثر الكائنات المحبوبة في البلاد. اكتشفت الأحزاب فجأة أن فيها بشراً ينتظرون الحافلة في الصباح البارد. واكتشفت أن في أطرافها أحياء كبرت قبل أن يصلها الطريق والمدرسة والمستوصف. وأن في أسواقها باعة يصلحون خلفية جيدة للصور.

نزل المرشحون إلى الأزقة، وصافحوا من لم يصافحوه منذ خمس سنوات. وعدوا بالحافلة والسكن والإنارة والحدائق. وعدوا بكل ما يمكن أن يقال في ميكروفون محمول على كتف شاب متطوع.

ثم جاء يوم 23 شتنبر. صوّت من صوّت، وأغلقت الصناديق، وأعلنت النتائج. انتقل الحديث بسرعة إلى التحالفات والحقائب ومن يجلس إلى يمين من في الصورة الرسمية. وفي زحمة الأرقام، عادت المدينة بهدوء إلى مكانها المعتاد: الهامش.

لا أكتب هذا تشفياً في أحد. أن يزور السياسي الحي خلال الحملة أمر طبيعي، بل هو أضعف الإيمان. المشكلة أن تكون الزيارة هي كل شيء. حينها يتحول الاهتمام بالمدينة إلى موسم يشبه مواسم الفلاحة: يُزرع فيه الوعد قبل الاقتراع، ثم يُترك الحقل لمن يسكنه.

ناخب يعرف مدينته جيداً

الرقم الذي ينبغي أن يقلق الجميع ليس عدد المقاعد. إنه نسبة المشاركة: 38.08 في المئة. أقل من أربعة من كل عشرة مسجلين ذهبوا إلى مكاتب التصويت.

كانت النسبة 50.86 في المئة سنة 2021، و42.27 في المئة سنة 2016. صحيح أن اقتراع 2021 جمع التشريعي والجهوي والجماعي في يوم واحد، وهذا رفع الإقبال يومها. لكنه لا يفسر كيف نزلنا هذه المرة حتى دون مستوى 2016.

هناك ناخب قرر أن يبقى في بيته. ولا أظنه فعل ذلك لأنه يجهل مشكلات مدينته. هو يعرفها أكثر من أي مرشح. يعيشها في ثمن الكراء، وفي ساعة الطريق إلى العمل، وفي حي توسع إسمنتاً قبل أن يتوسع خدمات. ما لم يعد يصدقه هو أن الصندوق طريق قصير إلى الحافلة.

حين لا يكون أحد مسؤولاً

هذا الناخب لم يكن يحتاج إلى من يصف له واقعه. كان يحتاج إلى من يقول له بوضوح: هذا ما سنفعله، بهذا المال، في هذا الأجل. وهذه هي الجهة التي ستحاسبها إن لم نفعل.

هنا تحديداً يبدأ الضباب. فالمدينة المغربية لا تديرها جهة واحدة يمكن طرق بابها. تديرها شبكة من الجماعات والجهات والوزارات والمؤسسات العمومية وشركات التدبير المفوض.

حين تتعطل خدمة، تشير الجماعة إلى ضعف مواردها. تحيل المؤسسة على الوزارة، وتختبئ الوزارة خلف العقد. قد يكون لكل طرف حجته. لكن المواطن يخرج من هذه الجولة بنتيجة واحدة: لا أحد مسؤول. وحين لا يكون أحد مسؤولاً، يفقد التصويت نفسه معناه.

قد يقال إن البرلماني لا يدير شبكة الحافلات ولا يرصف الشوارع. وهذا صحيح، فما جرى في شتنبر انتخاب لمجلس النواب لا لمجالس المدن. غير أن من يصوت على قانون المالية يصنع المدينة من بعيد. هو يراقب سياسات السكن والتعمير والاستثمار، ويقرر كيف تموَّل الجماعات.

ثمن الشقة، وكلفة التنقل، ومكان المدرسة والمستشفى، كلها قرارات تبدو مجردة في وثائق الرباط. ثم تنزل إلى الحي والشارع والأسرة في صورة واقع يومي.

موعد قريب واختبار جديد

والمفارقة أن الانتخابات التي تعني المدينة مباشرة لم تأتِ بعد. فالانتخابات الجماعية مرتقبة السنة المقبلة. ستعود المدينة إذن قريباً إلى دائرة الحب الانتخابي. وستعود معها الصور والوعود نفسها، ما لم يتغير شيء في طريقة التعامل معها بين موعدين.

وثمة ما يجعل هذه اللحظة مختلفة. فالمكلفة اليوم بتشكيل الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، تعرف المدينة من الداخل. ترأست المجلس الجماعي لمراكش، ثم تولت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.

لا أحد يستطيع هذه المرة أن يدّعي أن ملف المدينة غريب عن رأس السلطة التنفيذية. هذا لا يضمن شيئاً، لكنه يرفع سقف المساءلة. فإذا بقيت المدينة مجرد بند في الخطاب، فلن يكون العذر هو الجهل بها.

ليست المسألة أن نطلب من السياسيين أن يحبوا المدينة. الحب الانتخابي متوفر بكثرة كل خمس سنوات. المطلوب شيء أقل رومانسية وأكثر صعوبة: سياسات تستمر بعد إغلاق الصناديق، ومسؤوليات يمكن تحديدها، ونتائج يمكن قياسها. المدينة لا تحتاج إلى من يتذكرها في موسم الانتخابات، بل إلى من لا ينساها بين موسمين.