استمع إلى المقال11 دقائق تقريباً

لا تتحدد جودة الحياة داخل المدينة بما تتوفر عليه من طرق ومستشفيات ومدارس وحدائق ووسائل نقل فقط، بل تتوقف أيضاً على قدرة سكانها على معرفة ما يجري في محيطهم، وفهم القرارات التي تؤثر في حياتهم اليومية، والمشاركة في مناقشة الاختيارات التي ترسم مستقبل مجالهم الحضري. فالمدينة التي تنجز المشاريع دون إخبار سكانها، أو تتخذ قرارات عمرانية دون توفير معطيات كافية حول أهدافها وتكاليفها وآثارها، قد تحقق تقدماً في التجهيزات، لكنها تظل تعاني نقصاً في شروط الحكامة والمشاركة والمساءلة.

وفي المغرب، يكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في ظل اتساع المجال الحضري وتزايد تعقيد تدبيره، وتعدد المؤسسات المتدخلة في النقل والسكن والنظافة والماء والطاقة والتعمير والخدمات الاجتماعية. فالمواطن الذي يتعذر عليه معرفة أسباب تأخر مشروع عمومي، أو مواعيد أشغال ستؤثر في حركة التنقل، أو الإجراءات المتخذة لمعالجة مشكلة بيئية في حيه، لا يواجه مجرد نقص في التواصل، بل يجد نفسه أمام اختلال في علاقته بالمؤسسات التي تدبر شؤونه اليومية.

غير أن مسؤولية توفير المعلومة لا تقع على الإدارة وحدها. فالصحافة المحلية والمجتمع المدني والمؤسسات البحثية تؤدي أدواراً أساسية في تفسير القرارات، وكشف التناقضات بين الوعود والنتائج، ونقل مطالب السكان إلى النقاش العام. ومن هنا، فإن العلاقة بين الإعلام وجودة الحياة ليست علاقة تكميلية، بل تتصل مباشرة بحق السكان في المدينة، وبقدرتهم على التأثير في كيفية تدبيرها.

المعلومة ليست امتيازاً تمنحه الإدارة

قد يبدو إخبار السكان بموعد انقطاع الماء أو تغيير مسار حافلة أو إغلاق شارع بسبب الأشغال مسألة تقنية بسيطة، لكنها تمس بصورة مباشرة تنظيم حياتهم اليومية. فالمعلومة المبكرة تسمح للأسر بتدبير احتياجاتها، وللتجار بتكييف أنشطتهم، وللعاملين والطلبة بتعديل تنقلاتهم، بينما يؤدي غيابها إلى إهدار الوقت وزيادة التكاليف وتعميق الشعور بعدم احترام المواطن.

وتتجاوز أهمية المعلومة هذه الحالات اليومية إلى القرارات الكبرى المرتبطة بالتعمير والاستثمار وتوزيع المرافق العمومية. فعندما تقرر جماعة ترابية إعادة تهيئة حي أو نقل سوق أو إحداث محطة للنقل، فإن السكان يحتاجون إلى معرفة أسباب المشروع وكلفته وآجال إنجازه والبدائل المدروسة وآثاره المحتملة.

ولا يكفي في هذا السياق نشر بلاغ إداري مقتضب أو صورة لمسؤول أثناء زيارة ميدانية، لأن التواصل العمومي لا ينبغي أن يتحول إلى عرض للأنشطة المؤسساتية. فالمعلومة التي تخدم المواطن هي تلك التي تساعده على الفهم واتخاذ القرار وممارسة حقه في المساءلة.

وتزداد أهمية هذا المبدأ عندما يتعلق الأمر بالفئات التي تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات، مثل كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر محدودة الدخل. فغياب المعلومة الواضحة قد يجعل الاستفادة من خدمة عمومية أكثر تعقيداً، حتى عندما تكون متاحة من الناحية القانونية.

الحق في الحصول على المعلومات.. بين النص والممارسة

أقر الفصل 27 من الدستور المغربي الحق في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، وفق الشروط والقيود التي يحددها القانون. وجاء القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات ليضع إطاراً قانونياً لممارسة هذا الحق، بما في ذلك تقديم الطلبات والبت فيها وإتاحة بعض المعلومات بصورة استباقية.

ويمثل هذا الإطار خطوة مهمة نحو ترسيخ الشفافية، لكنه يطرح سؤالاً يتعلق بمدى سهولة استعماله في الواقع. فالمواطن قد لا يعرف الجهة التي يتعين عليه مخاطبتها، أو طبيعة الوثائق التي يمكن طلبها، أو الإجراءات الواجب اتباعها عندما لا يتلقى جواباً. كما أن نشر الوثائق بصيغ تقنية معقدة قد يجعلها متاحة شكلياً، دون أن تصبح مفهومة أو قابلة للاستعمال من طرف العموم.

وتتضح هذه الإشكالية في المجال الحضري، حيث تتوزع المعطيات بين الجماعات والعمالات والأقاليم والجهات والمصالح الخارجية للوزارات والمؤسسات العمومية وشركات تدبير المرافق. وقد يحتاج الباحث أو الصحفي أو المواطن إلى الرجوع إلى جهات متعددة لفهم قرار واحد يتعلق بمشروع للنقل أو التهيئة أو النظافة.

ولذلك، فإن تفعيل الحق في المعلومة لا ينبغي أن يقتصر على الاستجابة للطلبات الفردية، بل يستدعي سياسة للنشر الاستباقي تشمل الميزانيات والبرامج والمشاريع والصفقات والمؤشرات المتعلقة بالخدمات، مع احترام حماية المعطيات الشخصية والاستثناءات القانونية المشروعة.

الصحافة المحلية.. عين المدينة التي لا ينبغي أن تغمض

تؤدي الصحافة المحلية وظيفة تتجاوز نقل أخبار الاجتماعات والأنشطة الرسمية، لأنها تستطيع متابعة القضايا التي لا تحظى دائماً باهتمام وسائل الإعلام الوطنية. فقد يكون تأخر إصلاح مدرسة أو ضعف الإنارة في حي أو تلوث مجرى مائي أو تعثر مشروع جماعي قضية أساسية بالنسبة إلى السكان، حتى إن لم تتصدر العناوين الوطنية.

وتكمن القيمة العامة للإعلام المحلي في قدرته على تحويل المشكلات المتفرقة إلى قضايا قابلة للنقاش والمساءلة. فعندما يوثق الصحفي شكايات السكان، ويقارنها بالتزامات المؤسسات، ويتحقق من المعطيات ويمنح الأطراف المعنية فرصة الرد، فإنه يساهم في بناء معرفة عمومية تساعد على تحسين القرار المحلي.

لكن هذه الوظيفة لا تتحقق بمجرد وجود منصة إعلامية تحمل اسم المدينة أو الإقليم. فالإعلام الذي يكتفي بنشر البلاغات الرسمية دون مساءلتها، أو يحول الخلافات المحلية إلى حملات شخصية، لا يؤدي الدور الرقابي نفسه الذي تؤديه الصحافة المستقلة القائمة على التحقق والتوازن المهني.

كما أن استقلالية الإعلام المحلي تتأثر بظروفه الاقتصادية. ففي الأسواق الإعلامية الصغيرة، قد يؤدي الاعتماد المفرط على عدد محدود من المعلنين أو المؤسسات إلى إضعاف القدرة على تناول ملفات حساسة، خصوصاً عندما ترتبط بالإعلانات العمومية أو المصالح العقارية والتجارية.

ومن هنا، فإن حماية التعددية الإعلامية المحلية لا تنفصل عن شفافية التمويل، واحترام أخلاقيات المهنة، وضمان عدم استعمال الموارد العمومية لمكافأة التغطية المادحة أو معاقبة النقد المشروع.

المدن الصغيرة والصحارى الإعلامية

إذا كانت المدن الكبرى تحظى عادة باهتمام أوسع من وسائل الإعلام والمؤسسات البحثية والجمعيات، فإن عدداً من المدن الصغيرة والناشئة يواجه تحدياً مختلفاً، يتمثل في محدودية التغطية الصحفية المنتظمة لقضاياه المحلية.

ويستخدم مفهوم «الصحراء الإعلامية» لوصف المجالات التي تعاني ضعفاً شديداً في الوصول إلى أخبار محلية مستقلة وموثوقة. ولا يعني ذلك بالضرورة غياب وسائل التواصل الاجتماعي أو الصفحات المحلية، بل غياب مؤسسات أو ممارسات صحفية قادرة على التحقق المستمر من المعلومات ومتابعة الشأن العام.

وفي مثل هذه البيئات، قد تصبح الإشاعة مصدراً رئيسياً لفهم القرارات، أو تتحول الصفحات غير المهنية إلى بديل عن الإعلام المنظم. كما قد تمر مشاريع وقرارات مؤثرة دون نقاش عمومي كافٍ، ليس بسبب انعدام اهتمام السكان، وإنما بسبب ضعف الوسائط التي تجمع المعلومات وتفسرها وتتيح مناقشتها.

وتظهر خطورة هذا الوضع عندما يتعلق الأمر بتدبير العقار والصفقات والمرافق العمومية، لأن غياب المتابعة المستقلة قد يضعف قدرة المواطنين على تقييم الأداء المحلي. كما يمكن أن يساهم في استمرار التفاوت بين المدن الكبرى والصغيرة، حيث تحظى مشكلات الأولى بظهور إعلامي أكبر وفرص أوسع لجذب انتباه المؤسسات.

غير أن معالجة هذه الفجوة لا تعني إنشاء وسائل إعلام تابعة للجماعات الترابية، بل تشجيع بيئة تسمح بوجود صحافة محلية مستقلة ومهنية، وتيسير وصولها إلى المعلومات، وتعزيز التكوين الصحفي في القضايا الحضرية والمالية والبيئية.

الإعلام والوقاية.. المعلومة التي قد تمنع أزمة صحية

تتجلى القيمة العملية للمعلومة عندما يتعلق الأمر بصحة السكان وسلامتهم. فالإعلان المبكر عن تلوث محتمل لمصدر مياه، أو التحذير من مواد غذائية غير صالحة للاستهلاك، أو إبلاغ السكان بمخاطر الفيضانات وموجات الحر، يمكن أن يساعد على تجنب أضرار صحية ومادية قبل وقوعها.

وتحتاج هذه الوظيفة إلى تعاون واضح بين المؤسسات المختصة ووسائل الإعلام. فالإدارة مطالبة بتوفير معلومات دقيقة ومحدثة، بينما تقع على الصحافة مسؤولية التحقق منها وتفسيرها بلغة مفهومة، دون تهويل المخاطر أو التقليل من أهميتها.

ولا ينبغي أن يقتصر التواصل الصحي على الأزمات، لأن التوعية المنتظمة بشأن سلامة الأغذية والنظافة والتلوث وجودة الهواء والوقاية من الأمراض يمكن أن تساهم في تحسين السلوكيات الصحية. كما أن نشر معلومات موثوقة حول مواقع المرافق الصحية وخدماتها وشروط الاستفادة منها يساعد السكان على الوصول إلى الرعاية المناسبة.

وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية في المدن الصغيرة التي قد تعاني محدودية الخدمات الصحية المتخصصة. فالمعلومة الجيدة لا تعوض نقص التجهيزات أو الأطر الطبية، لكنها تساعد على الاستفادة من الإمكانات المتاحة وتجنب بعض المخاطر القابلة للوقاية.

البيانات المفتوحة.. حين تصبح أرقام المدينة ملكاً للنقاش العام

تنتج المؤسسات المكلفة بتدبير المدينة كميات كبيرة من المعطيات المتعلقة بالميزانيات والنقل والنفايات والتعمير والإنارة والبيئة والخدمات الاجتماعية. غير أن القيمة العامة لهذه البيانات تظل محدودة عندما تبقى موزعة بين الإدارات أو منشورة في وثائق يصعب الوصول إليها وتحليلها.

ويمكن للبيانات المفتوحة أن تغير هذه العلاقة، عبر إتاحة معلومات قابلة للقراءة وإعادة الاستخدام وفق الضوابط القانونية، بما يسمح للباحثين والصحفيين والجمعيات والمواطنين بفهم أداء المدينة ومقارنته عبر الزمن.

فبدلاً من الاكتفاء بالإعلان عن تخصيص ميزانية للنظافة، يمكن نشر معطيات حول كلفة الخدمة وتغطيتها للأحياء وعدد الشكايات ومدد معالجتها. وبدلاً من الإعلان عن مشاريع للطرق، يمكن توفير معلومات حول مواقعها وآجال إنجازها وتطور تقدم الأشغال وأسباب التأخير عند حدوثه.

ولا يتعلق الأمر بتحويل المواطن إلى خبير في المحاسبة العمومية أو الهندسة، بل بتقديم البيانات في صيغ واضحة ورسوم تفسيرية تسمح بفهم الأسئلة الأساسية: ما الذي تقرر؟ كم سيكلف؟ من المسؤول عن تنفيذه؟ وماذا تحقق فعلاً؟

ومع ذلك، لا تكفي رقمنة المعلومات لضمان الشفافية. فالمنصة التي لا تُحدث معطياتها، أو تنشر أرقاماً دون شرح منهجيتها، قد تعطي انطباعاً بالانفتاح دون أن توفر أدوات حقيقية للمساءلة.

الفجوة الرقمية.. عندما يصبح الوصول إلى المعلومة امتيازاً

أدى توسع الخدمات الرقمية إلى تسهيل عدد من الإجراءات الإدارية، لكنه طرح في المقابل تحديات تتعلق بالأشخاص الذين لا يمتلكون الأجهزة المناسبة أو الاتصال المستقر بالإنترنت أو المهارات اللازمة لاستعمال المنصات.

وتظهر هذه الصعوبات لدى بعض كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر محدودة الدخل، وكذلك لدى سكان المناطق التي تعاني ضعف التغطية الرقمية. وقد يؤدي الاعتماد الحصري على التطبيقات والمواقع الإلكترونية إلى إقصاء فئات تحتاج إلى الخدمات العمومية أكثر من غيرها.

ولهذا، فإن المدينة التي تحترم الحق في المعلومة ينبغي أن توفر قنوات متعددة للتواصل، تجمع بين المنصات الرقمية واللوحات الإخبارية والمكاتب الإدارية والهاتف والوسائط المحلية المناسبة.

كما ينبغي أن تكون المعلومات مكتوبة بلغة واضحة، ومتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية أو السمعية كلما أمكن، مع مراعاة الخصوصيات اللغوية للسكان. فنجاح التواصل العمومي لا يقاس بعدد المنشورات الرقمية، وإنما بقدرة الفئات المعنية على فهم الرسائل والاستفادة منها.

من الإعلام عن المدينة إلى الإعلام من أجل المدينة

يمكن لمجلة أو صحيفة محلية أن تساهم في تحسين جودة الحياة عندما تنتقل من متابعة الأحداث المتفرقة إلى تتبع السياسات الحضرية بصورة منتظمة. ويتطلب ذلك بناء تغطية متخصصة في قضايا النقل والسكن والبيئة والصحة والثقافة والمالية المحلية، وربط التصريحات الرسمية بالنتائج القابلة للقياس.

كما يمكن للإعلام أن يؤدي وظيفة تفسيرية مهمة، من خلال تبسيط وثائق التعمير والميزانيات وبرامج عمل الجماعات، وتوضيح الاختصاصات بين المؤسسات. فكثير من النقاشات المحلية تتأثر بعدم معرفة الجهة المسؤولة عن خدمة معينة، مما يؤدي أحياناً إلى توجيه المطالب إلى مؤسسات لا تمتلك سلطة اتخاذ القرار بشأنها.

غير أن هذه الوظيفة التفسيرية لا ينبغي أن تتحول إلى تبرير للقرارات العمومية. فالصحافة مطالبة بشرح المعطيات ومناقشتها بصورة مستقلة، والكشف عن أوجه القصور والتناقضات، مع التمييز الواضح بين الوقائع والتحليل والرأي.

وتستطيع وسائل الإعلام أيضاً فتح المجال أمام خبراء التعمير والبيئة والاقتصاد والاجتماع، وإشراك السكان في النقاش حول مستقبل أحيائهم. وهكذا تصبح المعلومة أداة لإنتاج معرفة جماعية بالمدينة، لا مجرد مادة للاستهلاك الإخباري السريع.

كيف نقيس جودة المعلومة داخل المدينة؟

إذا كانت الجماعات الترابية تعتمد مؤشرات لقياس الخدمات والتجهيزات، فإن من الممكن تطوير مؤشرات موازية لتقييم جودة التواصل والشفافية. ولا ينبغي أن تقتصر هذه المؤشرات على عدد البلاغات أو المنشورات، بل تشمل مدى وصول المعلومات إلى السكان وقدرتهم على استخدامها.

ويمكن أن يتضمن التقييم انتظام نشر الميزانيات والصفقات والبرامج، وسهولة الحصول على الوثائق، واحترام آجال الإجابة عن طلبات المعلومات، وجودة الإخبار المسبق بالأشغال والاضطرابات التي تمس الخدمات. كما يمكن قياس مستوى رضا السكان عن التواصل العمومي، ومدى وصول الرسائل إلى الفئات التي تواجه صعوبات رقمية أو لغوية.

أما بالنسبة إلى الصحافة المحلية، فإن تقييم مساهمتها في الحياة الحضرية ينبغي أن يستند إلى جودة التحقيقات والتغطية المنتظمة والتعددية واستقلالية المعالجة، لا إلى حجم التفاعل على مواقع التواصل وحده.

وتبرز أهمية هذه المؤشرات في المدن الصغيرة، حيث يمكن أن تكشف عن اختلالات لا تظهر في التقييمات الوطنية العامة. فقد تكون جماعة محدودة الموارد أكثر نجاحاً في التواصل مع سكانها من مدينة أكبر، إذا اعتمدت الوضوح والانتظام والمشاركة بدلاً من الاكتفاء بالتواصل المناسباتي.

مدينة تعرف نفسها وتسمح لسكانها بمساءلتها

إن تحسين جودة الحياة داخل المدن المغربية لا يقتضي الاستثمار في البنيات التحتية والخدمات وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى بناء علاقة جديدة بين المؤسسات والمواطنين، تقوم على إتاحة المعلومة وتفسير القرار العمومي وقبول المساءلة.

ولا يمكن تحقيق ذلك بمجرد إنشاء مواقع إلكترونية أو تكثيف البلاغات، لأن الحق في المعلومة يفقد جزءاً من معناه عندما لا يستطيع المواطن الوصول إليها أو فهمها أو استعمالها في الدفاع عن مصالحه المشروعة.

كما أن الصحافة المحلية المستقلة ليست بديلاً عن المؤسسات المنتخبة أو أجهزة الرقابة، لكنها تشكل أحد الشروط التي تساعد على جعل عمل هذه المؤسسات موضوعاً للنقاش العام. وكلما تمكن السكان من معرفة ما يحدث في مدينتهم، ازدادت قدرتهم على المشاركة في تحديد أولوياتها ومتابعة تنفيذ مشاريعها.

وتكتسب هذه العلاقة أهمية حاسمة بالنسبة إلى المدن الصغيرة والناشئة، التي تحتاج إلى إعلام يعكس قضاياها بصورة منتظمة، وإلى إدارات توفر المعلومات دون تمييز، وإلى فضاءات تسمح للسكان بالمشاركة في رسم مستقبلها.

فالمدينة الجيدة ليست فقط تلك التي توفر الخدمات، بل التي تمكن سكانها من معرفة كيفية تدبير هذه الخدمات، وتفسير اختلالاتها، والمساهمة في تحسينها. ومن دون هذه المعرفة، قد تتطور البنايات والطرقات، بينما تظل العلاقة بين المواطن ومؤسسات مدينته محكومة بالغموض والانتظار.

إن الحق في المعلومة جزء من الحق في المدينة، لأن السكان لا يستطيعون المشاركة الفعلية في صناعة مستقبل مجال لا يعرفون كيف يُدار، ولا أين تُصرف موارده، ولا من يتحمل مسؤولية القرارات التي تؤثر في حياتهم.