استمع إلى المقال7 دقائق تقريباً

في عدد من الأحياء السكنية المغربية، لم يعد العثور على مكان آمن يلعب فيه الأطفال أمراً بسيطاً. فالفضاءات المفتوحة التي كانت تسمح لهم بالجري والالتقاء بأقرانهم تتقلص أحياناً أمام توسع البناء والطرق ومواقف السيارات. وفي المقابل، لا توفر جميع الأحياء حدائق عمومية أو ملاعب صغيرة يستطيع الأطفال الوصول إليها بسهولة.

ولا يتعلق الأمر بمجرد نقص في المرافق الترفيهية. فاللعب يشكل جزءاً أساسياً من حياة الطفل، ويساعده على بناء علاقاته الاجتماعية واكتشاف محيطه وتطوير قدراته الحركية. وعندما يفتقر الحي إلى فضاءات مناسبة، تضيق أمام الأطفال فرص ممارسة هذه الأنشطة بصورة مستقلة وآمنة.

وتطرح هذه التحولات سؤالاً يتجاوز مسؤولية الأسر عن تنظيم أوقات أبنائها: هل تمنح المدينة المغربية الطفل مكاناً حقيقياً في تخطيطها، أم تتعامل معه باعتباره مستخدماً ثانوياً للفضاء العام؟

من الحي المفتوح إلى الحي المزدحم

عرفت المدن المغربية خلال العقود الماضية توسعاً عمرانياً غيّر طبيعة كثير من الأحياء السكنية. فقد ارتفعت كثافة البناء في مناطق عديدة، واتسعت شبكات الطرق، وتزايد الطلب على مواقف السيارات والتجهيزات والخدمات.

غير أن نمو المجال العمراني لا يضمن بالضرورة تحسن جودة الحياة داخله. فقد تتوفر المساكن والمتاجر والطرق، بينما تظل المساحات المخصصة للعب الأطفال محدودة أو بعيدة عن أماكن إقامتهم.

وتظهر أهمية هذه المسألة في الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة، حيث تتنافس استعمالات متعددة على المساحة نفسها. فالمكان الذي يمكن أن يتحول إلى حديقة صغيرة قد تستغله السيارات للتوقف، وقد يخصص المخططون قطعة أرض أخرى لمرفق مختلف.

ولا يمكن تفسير هذه الاختيارات دائماً بسبب واحد، إذ تتداخل فيها كلفة العقار والقرارات العمرانية وأولويات الاستثمار وطبيعة الأحياء القائمة. لكن النتيجة التي تستحق الدراسة هي مدى قدرة الأطفال على العثور على فضاء قريب وآمن ومتاح للجميع.

اللعب ليس ترفاً بل حاجة اجتماعية

لا يقتصر اللعب على التسلية أو استهلاك وقت الفراغ. فهو يساعد الطفل على تعلم التعاون والتفاوض واحترام القواعد والتعامل مع الاختلاف، كما يمنحه فرصة لاكتشاف قدراته وحدوده في بيئة اجتماعية أوسع من المنزل والمدرسة.

وتعترف اتفاقية حقوق الطفل، في مادتها الحادية والثلاثين، بحق الأطفال في الراحة ووقت الفراغ واللعب والأنشطة الترفيهية المناسبة لأعمارهم. ولا يعني هذا الحق أن على كل حي امتلاك نموذج واحد من الملاعب، لكنه يضع احتياجات الأطفال ضمن المسؤوليات التي ينبغي أن تراعيها السياسات العمومية.

ويكتسب اللعب في الفضاءات الخارجية أهمية إضافية لأنه يتيح للأطفال التفاعل المباشر مع البيئة والأقران. وقد تتحول حديقة صغيرة أو ساحة آمنة إلى مكان يلتقي فيه أطفال من أسر وخلفيات اجتماعية مختلفة.

لهذا، فإن غياب فضاءات اللعب لا يمثل نقصاً جمالياً في تصميم الحي فقط، بل قد يحد من فرص التواصل الاجتماعي والحركة والاستكشاف التي يحتاج إليها الأطفال في حياتهم اليومية.

عندما يصبح الشارع بديلاً عن الملعب

عندما لا يجد الأطفال فضاءً مخصصاً للعب بالقرب من منازلهم، قد يلجأ بعضهم إلى الأزقة أو مواقف السيارات أو المساحات غير المجهزة. وتختلف درجة الخطورة بحسب حركة المرور وحالة الأرض والإنارة وإمكانية مراقبة المكان.

ولا ينبغي اعتبار كل شارع مكاناً غير صالح للعب. فبعض الأزقة الهادئة قد تسمح باستعمالات اجتماعية متعددة، خصوصاً عندما تكون حركة السيارات محدودة. لكن المشكلة تظهر عندما يضطر الأطفال إلى تقاسم مساحة ضيقة مع مركبات متحركة، دون تجهيزات تضمن سلامتهم.

كما أن الخوف من حوادث السير أو المضايقات أو ضعف الإنارة قد يدفع الأسر إلى تقييد خروج أطفالها. وهكذا يصبح الوصول إلى الفضاء العام مرتبطاً بمدى قدرة الأسرة على مرافقة الطفل ومراقبته.

ويطرح هذا الوضع تحدياً تخطيطياً واضحاً: كيف يمكن تنظيم الشوارع السكنية بحيث تستجيب لحاجات التنقل، دون أن تلغي حق السكان، وخاصة الأطفال، في استعمال المجال القريب من منازلهم؟

هل تتساوى الأحياء في فرص اللعب؟

لا تتوزع الحدائق والملاعب الصغيرة بالضرورة بصورة متوازنة بين الأحياء. فقد تستفيد بعض المناطق من فضاءات خضراء وتجهيزات رياضية ومسارات للمشي، بينما تفتقر مناطق أخرى إلى مرافق مماثلة.

ولا يمكن الجزم بحجم هذه الفوارق في المدن المغربية دون جرد ميداني ومعطيات محلية دقيقة. لكن مفهوم العدالة المجالية يتيح طرح السؤال عن كيفية توزيع الخدمات والفضاءات العمومية، ومدى استفادة السكان منها بصرف النظر عن مواقع سكنهم ومستويات دخلهم.

ويظهر البعد الاجتماعي للمشكلة عندما تضطر الأسر إلى التنقل لمسافات طويلة للوصول إلى حديقة أو ملعب. فالأسر التي تمتلك وسائل النقل أو تستطيع تحمل كلفة الأنشطة المنظمة قد تجد بدائل، بينما تظل الخيارات أضيق أمام الأسر ذات الموارد المحدودة.

كما أن وجود ملعب داخل المدينة لا يعني بالضرورة سهولة الوصول إليه. فقد تفصل بينه وبين الحي طرق مزدحمة، أو تفرض ظروفه ساعات استعمال محدودة، أو لا يوفر تجهيزات مناسبة لمختلف الأعمار.

ولهذا ينبغي تقييم فضاءات اللعب من حيث قربها وسلامتها وإمكانية الوصول إليها وجودة صيانتها، وليس بالاكتفاء بعدّ المرافق الموجودة داخل المجال الحضري.

الفتيات والأطفال ذوو الإعاقة.. من يراعي احتياجاتهم؟

قد تختلف طريقة استعمال فضاءات اللعب بحسب العمر والاحتياجات الحركية والاجتماعية للأطفال. فالمساحة التي تناسب المراهقين لممارسة كرة القدم لا تستجيب بالضرورة لحاجات طفل صغير يحتاج إلى ألعاب بسيطة ومكان قريب من أسرته.

كما أن تصميم الفضاءات قد يؤثر في فرص مشاركة الفتيات، خصوصاً عندما تستحوذ أنشطة محددة على معظم المساحة المتاحة. ويستدعي ذلك التفكير في تجهيزات متنوعة تسمح بأشكال مختلفة من اللعب، بدلاً من اختزال احتياجات الأطفال في ملعب واحد لنشاط واحد.

أما الأطفال ذوو الإعاقة، فيحتاجون إلى مسارات وتجهيزات تتيح لهم الدخول إلى الفضاء واستعماله والمشاركة في الأنشطة مع أقرانهم. ولا يكفي تخصيص مساحة خضراء إذا كانت مداخلها أو أرضيتها أو ألعابها تحول دون استفادة بعض الأطفال منها.

وتزداد أهمية هذه الاعتبارات عندما يشارك الأطفال وأسرهم في تحديد حاجات الحي. فالمخططات التقنية تستطيع تنظيم المساحة، لكنها تحتاج أيضاً إلى معرفة مباشرة بطريقة استعمالها والصعوبات التي يواجهها المستفيدون.

الحدائق الصغيرة جزء من البنية الاجتماعية للمدينة

غالباً ما ينصب الاهتمام بالمشاريع الحضرية على الطرق الكبرى والساحات المركزية والتجهيزات البارزة. لكن الحديقة الصغيرة داخل الحي قد تؤدي وظيفة اجتماعية لا تقل أهمية بالنسبة إلى السكان.

فهي تمنح الأطفال مكاناً للعب، وتوفر للأسر فرصة للقاء، وتتيح لكبار السن فضاءً للجلوس والمراقبة والتواصل. كما يمكن أن تساهم الأشجار والظل في تحسين ظروف استعمال المجال خلال فترات الحرارة المرتفعة.

ولا تحتاج جميع الأحياء إلى مشاريع ضخمة لتحقيق هذه الوظائف. فقد تسمح إعادة تنظيم قطعة أرض عمومية، أو تحسين ساحة قائمة، أو تخصيص جزء آمن من فضاء مشترك، بتوسيع فرص اللعب إذا سمحت الشروط العقارية والتقنية بذلك.

لكن نجاح هذه المبادرات يتوقف على أكثر من إنجاز الأشغال. فالمرافق تحتاج إلى صيانة ونظافة وإنارة مناسبة، وإلى تدبير يضمن استمرار استفادة الأطفال منها دون إقصاء أو تدهور.

من يقرر مكان لعب الأطفال؟

تتحمل الجهات المكلفة بالتخطيط والتدبير الحضري مسؤوليات مختلفة في إعداد التجهيزات والفضاءات العمومية، بحسب اختصاصاتها القانونية والبرامج التي تنفذها. غير أن القرارات المتعلقة بمواقع الحدائق والملاعب لا ينبغي أن تعتمد على المعايير التقنية وحدها.

فالسكان يعرفون المسارات التي يسلكها الأطفال إلى المدارس، والأماكن التي يفضلون اللعب فيها، والنقاط التي تشكل خطراً عليهم. ويمكن لهذه المعرفة أن تساعد المخططين على اختيار مواقع أكثر ملاءمة وتحديد التجهيزات الضرورية.

وتتيح آليات التشاور المحلي فرصة لإدماج هذه الاحتياجات في البرامج الجماعية ومشاريع إعادة التهيئة. كما يمكن إشراك الأطفال أنفسهم بوسائل مناسبة لأعمارهم، مثل الورشات التفاعلية والرسوم والخرائط المبسطة.

ولا يعني إشراك الأطفال نقل المسؤولية التقنية إليهم، بل الاعتراف بأنهم يستعملون المدينة بصورة تختلف عن الكبار، وأن خبرتهم اليومية تستحق الاهتمام عند اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم.

نحو أحياء تمنح الأطفال مكاناً للعب

تحتاج معالجة نقص فضاءات اللعب إلى مقاربة تتجاوز إنشاء ملاعب متفرقة. فالأولوية تبدأ بفهم توزيع الأطفال داخل الأحياء، وجرد الفضاءات القائمة، وتحديد المناطق التي تفتقر إلى مرافق قريبة وآمنة.

ويمكن للجماعات والجهات المختصة، وفق إمكاناتها واختصاصاتها، إدماج احتياجات الأطفال في مشاريع التهيئة الجديدة وإعادة تأهيل الأحياء القائمة. كما تستطيع دراسة حلول مثل تحسين الساحات الصغيرة وتهدئة حركة المرور قرب المناطق السكنية وتطوير فضاءات لعب شاملة لمختلف الفئات.

ويظل تقييم النتائج ضرورياً بعد الإنجاز. فقد تنشئ الجهات المسؤولة حديقة جديدة، لكنها لا تحقق الهدف المطلوب إذا لم يستعملها الأطفال بسبب بعدها أو ضعف صيانتها أو صعوبة الوصول إليها.

وفي النهاية، لا يقاس نجاح المدينة بعدد المباني والطرق التي تضيفها إلى مجالها العمراني وحده، بل أيضاً بقدرتها على توفير حياة يومية آمنة ومفتوحة لجميع سكانها. ويشكل الأطفال اختباراً واضحاً لهذه القدرة، لأنهم يحتاجون إلى فضاءات تسمح لهم بالحركة والاكتشاف وبناء العلاقات الاجتماعية.

فالمدينة التي لا يجد فيها الطفل مكاناً قريباً للعب تخسر أكثر من مساحة خضراء أو ملعب صغير؛ إنها تضيق أحد المجالات التي يتعلم فيها الأفراد، منذ سنواتهم الأولى، معنى العيش المشترك والانتماء إلى الحي.