يشتكي سكان حي من الإنارة أو النقل أو تأخر تهيئة شارع، فيتجه السؤال تلقائياً إلى الجماعة: لماذا لم تحل المشكلة؟ يبدو الأمر منطقياً، فالجماعة هي المؤسسة المنتخبة الأقرب إلى المواطن. لكن متابعة مشروع حضري واحد تكشف سريعاً أن القرار داخل المدينة المغربية لا يسير دائماً في خط مستقيم بين المواطن ومجلس الجماعة.
فالقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات يميز بين اختصاصات ذاتية، واختصاصات مشتركة مع الدولة، واختصاصات يمكن نقلها من الدولة إلى الجماعة. وفي الوقت نفسه تتدخل العمالات والأقاليم والجهات والإدارات المركزية والمؤسسات والمقاولات العمومية والوكالات وشركات التدبير في مجالات تؤثر مباشرة في الحياة الحضرية.
لذلك فإن فهم من يدير المدينة يحتاج أولاً إلى التخلي عن صورة وجود «مدير واحد» لها.
ماذا تملك الجماعة فعلاً؟
منح الإطار القانوني للجماعات مسؤوليات واسعة مرتبطة بالخدمات المحلية وبرامج العمل والمرافق والتجهيزات التي تدخل ضمن اختصاصها. كما يقوم التنظيم الترابي المغربي، دستورياً، على مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن ومشاركة السكان في تدبير شؤونهم.
لكن كتابة الاختصاص في القانون شيء، وتحويله إلى خدمة يومية جيدة شيء آخر.
فالقرار يحتاج إلى إدارة قادرة على إعداد المشروع، وموظفين ذوي خبرة، وبيانات، وتمويل، وصفقات وتنفيذ ومراقبة. وتختلف هذه القدرات بدرجة كبيرة بين جماعة كبرى تدير مجالاً حضرياً معقداً وجماعة أصغر بموارد بشرية ومالية محدودة.
لهذا لا يمكن قياس اللامركزية بعدد الاختصاصات وحده. الاختبار الحقيقي هو القدرة على ممارسة الاختصاص.
الميزانية ترسم حدوداً لا تظهر على الخريطة
هنا يدخل المال إلى الموضوع.
توضح مراجعة OECD للسياسة الحضرية المغربية أن إيرادات الجماعات الترابية بلغت نحو 3.4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي و15 في المائة من مجموع الإيرادات العامة سنة 2020. كما شكلت الإيرادات الضريبية 80.6 في المائة من إيراداتها، لكن جزءاً مهماً منها يأتي من ضرائب مشتركة مع الدولة.
هذه بيانات تعود إلى 2020، ولذلك لا ينبغي استخدامها بوصفها وصفاً لحجم مالية الجماعات في 2026. قيمتها هنا أنها توضح بنية التمويل التي تناولتها مراجعة OECD.
فالاستقلال في اتخاذ القرار يرتبط، عملياً، بالقدرة على تمويله.
وقد تستطيع الجماعة تحديد حاجة حضرية واضحة، لكن المشروع الكبير قد يتطلب شراكة وتمويلاً من الدولة أو الجهة أو مؤسسة عمومية. وهذا ليس بالضرورة خللاً؛ فالمشاريع الكبرى تحتاج بطبيعتها إلى التعاون بين المؤسسات. المشكلة تبدأ عندما يصبح تعدد المتدخلين سبباً في غموض المسؤولية أو بطء التنفيذ.
عندما يتجاوز السكان الحدود الإدارية
هناك سبب آخر يجعل إدارة المدن أكثر تعقيداً: المدينة التي يعيشها المواطن لا تتوقف دائماً عند حدود الجماعة.
قد يسكن الشخص في تمارة ويعمل في الرباط، أو يعيش في جماعة محيطة بالدار البيضاء ويقضي معظم يومه داخل مركزها الاقتصادي. بالنسبة إليه، التنقل والسكن والعمل أجزاء من مجال حضري واحد، حتى عندما تقسمه الإدارة إلى وحدات مختلفة.
وتحدد OECD 58 مجالاً حضرياً وظيفياً في المغرب وفق المنهجية المشتركة للمنظمة والاتحاد الأوروبي.
وهنا يظهر تحدٍ مؤسساتي حقيقي. فخط النقل أو معالجة النفايات أو التوسع العمراني أو حماية مورد مائي قد يتطلب قرارات تتجاوز جماعة واحدة.
وبالتالي تحتاج المدينة الوظيفية إلى آليات تعاون تتناسب مع الحياة التي تجري داخلها، لا مع الحدود المرسومة فقط.
كثرة المخططات لا تصنع بالضرورة رؤية واحدة
المغرب لا يفتقر إلى المخططات والمؤسسات والاستراتيجيات الحضرية. بل إن مراجعة OECD تسجل تعدداً كبيراً في البرامج والسياسات التي تؤثر في المدن.
لكن المنظمة خلصت في مراجعتها المنشورة سنة 2025 إلى أن المغرب لا يتوفر على سياسة حضرية وطنية صريحة ومتكاملة ضمن إطار واحد، رغم وجود سياسات قطاعية واستراتيجيات ومبادرات عديدة لها أثر حضري.
والفارق مهم.
فوجود سياسة للإسكان وأخرى للنقل وثالثة للماء ورابعة للاستثمار لا يعني تلقائياً أنها ستنتج المدينة نفسها التي نريدها إذا كانت لكل منها جغرافيا وأولويات وجدول زمني مختلف.
الحكامة هنا ليست إنشاء مؤسسة جديدة بالضرورة، بل جعل المؤسسات الموجودة تعمل على خريطة مشتركة.
البيانات تستطيع تغيير طريقة المحاسبة
من أسهل الأشياء في تقييم العمل المحلي عدُّ المشروعات: عدد الطرق التي أُصلحت، وعدد الحدائق التي أُنشئت، وطول شبكة النقل الجديدة.
لكن هذه الأرقام تخبرنا بما أُنجز ولا تخبرنا دائماً بما تغير.
الطريق قد يكون قد أُصلح، لكن هل انخفض زمن الرحلة؟ الحديقة افتتحت، لكن هل يستخدمها السكان؟ خط النقل بدأ العمل، لكن هل أصبح الوصول إلى مناطق العمل أسهل بالنسبة إلى الأحياء الطرفية؟
لهذا تدفع OECD باتجاه تحسين استخدام البيانات والمؤشرات في السياسات الحضرية، وتعزيز التقييم والتنسيق والشفافية.
وهذا التحول يمكن أن يغير النقاش المحلي من «كم صرفنا؟» إلى «ماذا حصل السكان مقابل ما صرفناه؟».
المواطن يحتاج إلى معرفة المسؤول قبل المشاركة
تتحدث قوانين الجماعات عن آليات تشاركية للحوار والتشاور، كما يتيح الإطار القانوني تقديم العرائض وفق الشروط المنظمة لذلك.
لكن المشاركة تصبح أكثر فاعلية عندما تكون خريطة المسؤولية مفهومة.
فالمواطن الذي لا يعرف هل الملف من اختصاص الجماعة أم الجهة أم الإدارة المركزية سيجد صعوبة في تحديد الجهة التي ينبغي أن يوجه إليها مطلبه، وقد تتحول كثرة المؤسسات إلى سلسلة من الإحالات بينها.
لذلك فإن تبسيط المعلومة المؤسسية نفسه جزء من الحكامة: من المسؤول عن ماذا؟ من يمول؟ ما الجدول الزمني؟ أين وصلت الأشغال؟ وما المؤشر الذي سنستخدمه لمعرفة نجاح المشروع؟
هذه معلومات ينبغي ألا تحتاج إلى خبرة قانونية للحصول عليها.
المدينة تحتاج إلى قيادة مشتركة لا إلى سلطة واحدة
من الصعب اختزال مستقبل الحكامة الحضرية في شعار «مزيد من صلاحيات الجماعات» أو «مزيد من تدخل الدولة». فالمدينة الحديثة تحتاج إلى الاثنين ضمن توزيع واضح للأدوار.
الدولة تستطيع تعبئة التمويل والاستثمارات الكبرى ووضع السياسات الوطنية، بينما تمتلك الجماعة معرفة أقرب بالمجال المحلي واحتياجات السكان، وتملك الجهة بدورها نطاقاً يسمح بالتعامل مع قضايا تتجاوز حدود مدينة واحدة.
التحدي الحقيقي هو جعل هذه المستويات تتكامل بدلاً من أن تتوازى.
ومع استمرار التحضر والاستثمارات الكبرى وتوسع المجالات الحضرية، ستزداد كلفة ضعف التنسيق. فالمغرب الذي يبني بنية تحتية جديدة يحتاج في الوقت نفسه إلى بنية مؤسساتية قادرة على إدارتها بعد اكتمال الأشغال.
لهذا فإن السؤال «من يدير المدينة؟» ليست له إجابة باسم مؤسسة واحدة. الإجابة الأفضل هي خريطة واضحة يستطيع المواطن قراءتها: من يخطط، من يقرر، من يمول، من ينفذ، ومن يتحمل المسؤولية عن النتيجة.


