ليس من السهل قراءة هنري لوفيفر اليوم باعتباره صاحب عبارة شهيرة فحسب. فقد خرج تعبير «الحق في المدينة» من الكتب والجامعات، ودخل لغة الحركات الاجتماعية والمؤسسات الدولية والنقاشات المتعلقة بالسكن والفضاء العام والعدالة المكانية. ومع هذا الانتشار حدث شيء مألوف للأفكار التي تنجح أكثر مما توقع أصحابها: أصبحت العبارة أسهل من الفكرة نفسها، وصار من الممكن استعمالها للدفاع عن مطالب مختلفة من دون العودة دائماً إلى السؤال الذي جعلها ضرورية عند لوفيفر.
كان لوفيفر ينظر إلى مدينة تتغير تحت ضغط التصنيع والرأسمالية وإعادة تنظيم المجال، لكنه لم يرَ التحول العمراني مجرد تغير في المباني والشوارع. ما كان يتغير في نظره هو الحياة الحضرية ذاتها، أي العلاقة بين الناس والمكان، وبين الاستعمال والتبادل، وبين ما يفعله السكان في المدينة وما تقرره المؤسسات والخبراء والأسواق بشأنها. ولذلك لم يكن «الحق في المدينة» مطالبة بالعودة إلى مدينة قديمة ضاعت، بل بحثاً عن حياة حضرية يمكن للسكان أن يشاركوا في تشكيلها بدلاً من أن يصبحوا مجرد مستخدمين لفضاء صممه آخرون.
حين تصبح قيمة المكان أكبر من استعماله
يمكن الاقتراب من لوفيفر عبر مشهد مألوف في مدن كثيرة. حي قديم كان يجمع السكن والتجارة الصغيرة والمقاهي والحرف والخدمات اليومية، ثم يبدأ موقعه في اكتساب قيمة عقارية متزايدة. تصل استثمارات جديدة، تتغير المحلات، ترتفع الإيجارات، وتتحسن بعض الواجهات والفضاءات. من الخارج يمكن وصف ما يحدث بأنه تجديد للحي، وقد تكون فيه بالفعل تحسينات يحتاج إليها السكان، لكن القراءة لا تكتمل قبل السؤال عمن يستطيع البقاء بعد هذا التحول.
هنا يصبح التمييز بين قيمة الاستعمال وقيمة التبادل مفتاحاً مهماً لفهم فكر لوفيفر. فالمنزل بالنسبة إلى ساكنه مكان للحياة والذاكرة والعلاقات والاستقرار، لكنه بالنسبة إلى السوق أصل له سعر ويمكن بيعه أو تأجيره وتحقيق عائد منه. والساحة بالنسبة إلى السكان مكان للقاء والمرور والجلوس واللعب، بينما يمكن أن تُقرأ من زاوية أخرى باعتبارها موقعاً تجارياً أو فرصة استثمارية أو واجهة لتحسين جاذبية المنطقة.
لا يعني ذلك أن التجارة والاستثمار نقيضان للحياة الحضرية، فالمدينة نفسها قامت تاريخياً على التبادل والأسواق والحركة. المشكلة تبدأ عندما تصبح القيمة الاقتصادية للمكان قادرة على إلغاء استعمالاته الأخرى، وحين يستطيع من يملك رأس المال إعادة تعريف الحي بسرعة أكبر من قدرة سكانه على المشاركة في تحديد مستقبله.
المدينة لا يصنعها المخطط وحده
من أكثر أفكار لوفيفر قدرة على إثارة النقاش اليوم رفضه اختزال المدينة في موضوع تقني يمكن فهمه من خلال المخططات والوظائف والأرقام وحدها. فالمدينة التي يراها المهندس على الخريطة ليست تماماً المدينة التي يعيشها ساكن يمشي كل صباح إلى عمله، أو بائع يعرف زبائنه، أو طفل يحول زاوية صغيرة بين العمارات إلى مساحة للعب.
هذا الاختلاف لا يجعل المعرفة التقنية بلا قيمة، لكنه يكشف حدودها عندما تنفصل عن التجربة اليومية. فقد يكون المشروع منضبطاً هندسياً، وتكون شبكة الطرق محسوبة والكثافة السكانية محددة، ثم ينتج مع ذلك فضاء لا يشعر السكان بأنه ينتمي إليهم. وفي المقابل، قد تظهر استعمالات لم يتوقعها المخطط، لأن الناس يعيدون باستمرار تفسير المكان وتكييفه مع احتياجاتهم.
كان لوفيفر ينتقد تحديد معنى «السكن» من خارج تجربة الذين يسكنون فعلاً. وفي نصوصه حول المدينة تظهر بوضوح المسافة بين الفضاء كما تصوغه المعرفة المهنية والمؤسسات، والفضاء كما يُعاش في الممارسة اليومية.
هذه الفكرة تجعل المدينة أكثر من مجموعة مبانٍ ناجحة وظيفياً. إنها أيضاً العلاقات التي تنشأ بينها، والزمن الذي يقضيه الناس فيها، واللقاءات التي تسمح بها، والأنشطة التي لم يقررها مخطط مسبقاً لكنها تمنح المكان حياته.
الحق في المدينة ليس حق الدخول إليها فقط
ربما كان أكثر ما يسيء إلى فكرة لوفيفر هو تحويلها إلى مرادف عام لتحسين الخدمات. فالحق في النقل والسكن والماء والفضاء العام أساسي، لكنه لا يستنفد ما كان يقصده. لوفيفر نفسه شدد على أن الحق في المدينة لا يمكن اختزاله في «زيارة» المدينة القائمة أو العودة إليها كما هي، وإنما يرتبط بحياة حضرية متجددة وبقدرة السكان على المشاركة في تشكيلها.
وبهذا المعنى، لا يكون السؤال فقط ما إذا كان المواطن يستطيع الوصول إلى الحديقة، بل أيضاً كيف تقرر المدينة إنشاء الحديقة، ومن حدد موقعها، ومن يستطيع الوصول إليها، وما الذي كان موجوداً في المكان قبلها. ولا يكفي أن توجد وسائل نقل جديدة إذا كانت القرارات الكبرى المتعلقة بالتوسع العمراني وتوزيع الوظائف والسكن تدفع فئات من السكان إلى أطراف أبعد كلما ارتفعت قيمة المركز.
تتحول المشاركة هنا من استشارة شكلية بعد إعداد المشروع إلى قضية تتعلق بمن يملك القدرة على إنتاج المدينة. وهذا هو الجانب الذي جعل مفهوم لوفيفر يتجاوز التخطيط بمعناه التقني ليصبح سؤالاً سياسياً واجتماعياً عن القوة داخل المجال الحضري.
ماذا يرى لوفيفر لو سار في مدينة عربية؟
لن نحتاج إلى افتراض ما كان سيقوله حرفياً، فهذا نوع من الإسقاط الذي لا يخدم القراءة. لكن أفكاره تسمح بالنظر بطريقة مختلفة إلى تحولات مألوفة في مدننا: أحياء تاريخية تصبح وجهات سياحية، أراضٍ طرفية تتحول إلى مشاريع عقارية، فضاءات عامة يعاد تأهيلها، سكان ينتقلون بعيداً عن مراكز العمل، وأسواق شعبية تواجه ضغط إعادة التنظيم أو تغير قيمة المواقع التي تحتلها.
في كل حالة لا يكفي أن نسأل هل أصبح المكان أجمل أو أحدث. السؤال الأكثر دقة هو كيف تغير استعماله، ومن استفاد من التحول، ومن تحمل كلفته، وهل بقي السكان الذين أعطوا المكان جزءاً من هويته قادرين على العيش فيه بعد ارتفاع قيمته.
وهذا مهم خصوصاً عندما يصبح نجاح المشروع العمراني مرادفاً لارتفاع قيمة العقار. فقد يكون ارتفاع الأسعار دليلاً على جاذبية المنطقة للمستثمر، لكنه قد يعني في الوقت نفسه أن سكاناً آخرين لم يعودوا قادرين على دخول سوق السكن فيها. ومن هنا يظهر التوتر بين المدينة بوصفها أصلاً اقتصادياً والمدينة بوصفها مجالاً مشتركاً للحياة.
من السكن إلى الرصيف
قوة فكرة «الحق في المدينة» أنها تسمح بربط قضايا تبدو منفصلة. فالصراع حول السكن يرتبط بالأرض، والأرض ترتبط بالنقل، والنقل يحدد الوصول إلى العمل، بينما يؤثر تصميم الشارع في من يستطيع استعمال الفضاء العام. حتى الرصيف الصغير يدخل في هذه العلاقة، لأنه يكشف لمن صُممت الحركة: للسيارة، أم للمشاة، أم للتجارة، أم للجميع ضمن توازن قابل للتفاوض.
لهذا لا يصبح الحق في المدينة شعاراً ضد الملكية الخاصة أو ضد الاستثمار بقدر ما يصبح أداة لفحص ميزان القوى الذي ينتج الفضاء. فالاستثمار يستطيع تحسين أحياء متدهورة وخلق وظائف وخدمات، لكنه يستطيع أيضاً إقصاء استعمالات وسكان إذا لم توجد سياسات تضبط أثر ارتفاع الأسعار وتحمي التنوع الاجتماعي. والتخطيط يستطيع تنظيم الفوضى، لكنه قد يتحول إلى سلطة بعيدة عن الحياة اليومية إذا تعامل مع السكان كأرقام ينبغي توزيعها على الخريطة.
في هذه المنطقة الرمادية تحديداً يحتفظ لوفيفر بأهميته، لأنه لا يقدم وصفة جاهزة بقدر ما يغير السؤال الذي نطرحه على المدينة.
مدينة نعيش فيها أم مدينة نستهلكها؟
بعد أكثر من نصف قرن على ظهور «الحق في المدينة»، أصبحت المدن أكثر ارتباطاً بالاقتصاد العالمي، وتحولت أجزاء منها إلى وجهات للاستثمار والسياحة والاستهلاك. وفي الوقت نفسه، أصبحت الأرض والسكن في عدد كبير من الحواضر من أكثر الأصول قيمة. لم يعد الصراع على المدينة متعلقاً فقط بمكان المصنع أو الطريق، بل أيضاً بالإيجار والمنصة الرقمية والشقة السياحية والمركز التجاري والواجهة البحرية والحي الذي يعاد تسويقه بصورة جديدة.
وسط هذه التحولات، تبدو قراءة لوفيفر مفيدة لأنها تعيد الإنسان إلى قلب مسألة قد تبدو عقارية أو هندسية بحتة. فالسؤال عن المدينة لا يتعلق فقط بمن يملك الأرض قانونياً، وإنما بمن يستطيع استعمالها، ومن يستطيع البقاء فيها، ومن يشارك في تغييرها، ومن يجد نفسه مضطراً إلى الرحيل عندما تتغير.
لهذا لم يفقد «الحق في المدينة» معناه رغم كثرة استعماله، لكنه يفقد الكثير منه عندما يتحول إلى شعار مريح. فالمدينة عند لوفيفر ليست شيئاً مكتملاً نتقاسم حق الوصول إليه، بل عمل اجتماعي يتشكل باستمرار، ومن يعيشون فيها ليسوا جمهوراً يقف أمام هذا العمل بعد اكتماله. إنهم جزء من صناعته.
ومن هذه الزاوية يصبح السؤال «لمن تنتمي المدينة؟» أقل بساطة مما يبدو. فالملكية تستطيع أن تحدد صاحب العقار، والقانون يستطيع أن يحدد حدود الملك العام والخاص، لكن الحياة الحضرية تُنتج كل يوم عبر ملايين الاستعمالات والعلاقات واللقاءات. وما أراد لوفيفر الدفاع عنه، في جوهره، هو ألا تنفصل صناعة المكان عن أولئك الذين يمنحونه الحياة.


