لم تعد فكرة المدينة الذكية تقتصر على الشاشات الإلكترونية والتطبيقات التي تتيح للسكان إنجاز معاملاتهم عن بُعد. فقد أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي تفتح أمام المؤسسات المحلية إمكانات جديدة لتحليل حركة المرور، وتوقع الأعطاب، ومراقبة استهلاك الطاقة والمياه، وتحديد أولويات التدخل في المرافق العمومية. ومع هذه الإمكانات، يبرز تحول أعمق يتعلق بالطريقة التي تنتج بها المدينة المعرفة عن سكانها، وكيف تستخدم هذه المعرفة في اتخاذ القرارات.
في النموذج التقليدي، يعتمد المسؤول المحلي على التقارير الإدارية والدراسات الميدانية والشكايات وملاحظات الموظفين لتقدير احتياجات المدينة. أما الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي، فتستطيع معالجة كميات كبيرة من البيانات واستخراج أنماط يصعب اكتشافها بالوسائل المعتادة. وقد تساعد هذه القدرة على تحسين سرعة التدخل وتوجيه الموارد، لكنها لا تضمن وحدها عدالة القرار أو ملاءمته للاحتياجات الاجتماعية.
فالخوارزمية لا تختار أهدافها بصورة مستقلة عن المؤسسات التي تطورها أو تشتريها أو تشغلها. وإذا طلبت منها جهة مسؤولة تقليل الازدحام، فإن النتيجة ستتأثر بالمعايير التي تعتمدها لقياس النجاح. وقد تعطي الأولوية لسرعة حركة السيارات، بينما تمنح أهمية أقل لسلامة المشاة أو سهولة تنقل الأشخاص ذوي الإعاقة.
وهنا يتحدد جوهر النقاش حول المدينة الذكية: ليست المسألة ما تستطيع التكنولوجيا فعله فقط، بل من يملك سلطة تحديد ما ينبغي لها فعله، ولصالح من.
عندما تتحول المدينة إلى منظومة من البيانات
تنتج الحياة الحضرية كميات متزايدة من المعلومات. فحركة المركبات، واستعمال وسائل النقل، واستهلاك الكهرباء والمياه، وطلبات الخدمات، كلها أنشطة يمكن أن توفر بيانات تساعد المؤسسات على فهم كيفية اشتغال المدينة.
وتستطيع الأنظمة التحليلية الاستفادة من هذه المعلومات لتوقع الضغط على بعض الطرق أو رصد تغيرات الاستهلاك أو تحديد مواقع تحتاج إلى صيانة. كما يمكن للأدوات الجغرافية المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تساعد المخططين على تحليل استعمالات الأراضي والتوسع العمراني.
لكن تحويل الأنشطة اليومية إلى بيانات يطرح تحديات تتعلق بمصدر المعلومات وجودتها وطريقة جمعها. فليس كل ما يمكن قياسه يمثل بالضرورة أهم ما يحتاج إليه السكان. وقد تتمتع الأحياء المجهزة رقمياً بحضور أكبر في قواعد البيانات، بينما تظل مناطق أخرى أقل ظهوراً بسبب ضعف التجهيزات أو محدودية التغطية.
ويعني ذلك أن المدينة قد تنتج صورة رقمية غير متوازنة عن نفسها. وإذا اعتمد المسؤولون على هذه الصورة وحدها لتوزيع الموارد، فقد تعزز القرارات بعض الفوارق القائمة بدلاً من تقليصها.
من يحدد أولويات الخوارزمية؟
لا تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي خارج الاختيارات السياسية والإدارية. فقبل أن يبدأ النظام في تحليل البيانات، يتعين على الجهة المسؤولة تحديد المشكلة التي تريد معالجتها، والمعايير التي ستعتمدها لتقييم النتائج.
لنفترض أن مدينة قررت استخدام نظام ذكي لتنظيم إشارات المرور. يمكن أن يهدف المشروع إلى تقليل متوسط زمن الرحلات، أو الحد من الحوادث، أو تحسين انتظام الحافلات، أو تسهيل عبور المشاة. وقد تتعارض هذه الأهداف في بعض الحالات، مما يفرض على المسؤولين تحديد الأولويات.
وإذا اختارت الإدارة تقليل زمن مرور السيارات باعتباره المؤشر الأساسي للنجاح، فقد تحقق تحسناً في هذا المؤشر دون أن يشعر جميع السكان بتحسن مماثل. فالمواطن الذي يتنقل سيراً على الأقدام أو يستعمل النقل العمومي يحتاج إلى معايير أخرى لتقييم جودة التنقل.
ولا يعني ذلك أن الخوارزميات منحازة بالضرورة، وإنما يوضح أن طريقة تصميم النظام وتحديد أهدافه تؤثر في نتائجه. فالقرار الذي يبدو تقنياً قد يتضمن اختيارات اجتماعية تتعلق بتوزيع الوقت والموارد والمخاطر بين فئات مختلفة.
لهذا لا ينبغي أن ينحصر تقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي في دقة الحسابات وسرعة المعالجة. بل يجب أن يشمل السؤال عن الجهة التي وضعت المعايير، ومدى مشاركة السكان في تحديد الأولويات، وإمكانية مراجعة النتائج عندما تظهر آثار غير مرغوبة.
عندما تنتقل المعرفة من الإدارة إلى الشركات
تعتمد مشاريع رقمية كثيرة على شركات متخصصة توفر البرمجيات وأجهزة الاستشعار وخدمات التخزين والتحليل. وقد تساعد هذه الشراكات المدن على الوصول إلى خبرات وتقنيات يصعب تطويرها داخلياً، لكنها تطرح في المقابل أسئلة حول التحكم في البيانات واستمرارية الخدمات.
فإذا أصبحت مؤسسة محلية تعتمد اعتماداً كبيراً على نظام تملكه شركة واحدة، فقد تواجه صعوبات في الانتقال إلى مزود آخر أو مراجعة طريقة اشتغال النظام. وتزداد هذه المخاطر عندما تفتقر الإدارة إلى الكفاءات التقنية التي تسمح لها بفهم البرمجيات وتقييم أدائها بصورة مستقلة.
ولا يكفي أن تحتفظ الجماعة بصفة الجهة المسؤولة عن المشروع إذا كانت لا تستطيع فحص النتائج أو تفسيرها أو التدخل لتصحيح الأخطاء. فالمسؤولية العمومية تتطلب قدرة فعلية على الرقابة، وليس مجرد توقيع عقد لتقديم خدمة رقمية.
ولهذا ينبغي أن تحدد العقود بوضوح حقوق الوصول إلى البيانات، وشروط حمايتها، وإمكانات التدقيق، والمسؤوليات عند وقوع الأعطاب. كما تحتاج المؤسسات إلى ضمان استمرار الخدمات إذا تغير المزود أو انتهت العلاقة التعاقدية.
وتحذر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن ضعف جاهزية المشتريات العمومية والقدرات المؤسسية قد يزيد مخاطر الارتهان للمزودين ويعقّد مسائل الشفافية والمساءلة في استخدام الذكاء الاصطناعي.
المراقبة الرقمية وحدود الخصوصية
يمكن لبعض التقنيات أن تساعد المدن على فهم حركة المرور أو حماية المنشآت أو تنظيم استعمال المرافق. لكن توسع جمع البيانات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمعلومات شخصية أو بصور الأفراد وتحركاتهم، يثير أسئلة تتصل بالخصوصية وحدود المراقبة.
ولا يعني وجود كاميرات أو أجهزة استشعار أن المدينة تستخدم بالضرورة الذكاء الاصطناعي للتعرف على الأشخاص أو تتبعهم. فمن الضروري التمييز بين التصوير التقليدي، والتحليل الإحصائي للبيانات، والأنظمة التي تستخرج معلومات عن الأفراد أو تحاول التعرف على هوياتهم.
ويصبح النقاش أكثر حساسية عندما تجمع المؤسسات بيانات من مصادر مختلفة أو تحتفظ بها لفترات طويلة. ففي هذه الحالات، يحتاج السكان إلى معرفة الغرض من جمع المعلومات، والجهة التي تصل إليها، ومدة الاحتفاظ بها، والضمانات التي تمنع استعمالها خارج الأهداف المعلنة.
وتبرز أهمية هذه الضمانات لأن تحسين الخدمة لا يبرر تلقائياً جمع أكبر قدر ممكن من البيانات. فقد تستطيع المدينة معالجة بعض المشكلات باستخدام معلومات مجمعة أو مجهولة الهوية، دون الحاجة إلى تتبع الأفراد.
وتدعو مبادرة المدن الذكية المتمحورة حول الإنسان التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية إلى وضع الحقوق والخصوصية والشفافية في قلب التحول الرقمي، بدلاً من التعامل معها باعتبارها مسائل ثانوية تأتي بعد نشر التكنولوجيا.
هل يمكن للخوارزمية أن تعمق الفوارق بين الأحياء؟
تبدو فكرة توزيع الموارد وفق البيانات جذابة من الناحية الإدارية، لأنها تعد بتوجيه التدخلات إلى المناطق الأكثر حاجة. لكن نجاحها يتوقف على نوعية المعلومات التي يعتمدها النظام، وعلى قدرته على تمثيل مختلف الفئات والمجالات.
فإذا اعتمدت جهة محلية على عدد الشكايات الرقمية لتحديد أولويات إصلاح الطرق، فقد تظهر الأحياء التي يستخدم سكانها التطبيقات بكثافة باعتبارها الأكثر احتياجاً. أما المناطق التي يواجه سكانها صعوبات في الوصول إلى الخدمات الرقمية، فقد تسجل شكايات أقل رغم حاجتها الفعلية إلى التدخل.
وقد يؤدي هذا الاختلال إلى قرارات غير متوازنة إذا لم تدعم الإدارة البيانات الرقمية بمعاينات ميدانية ومؤشرات اجتماعية ومعلومات مستقلة.
وتزداد أهمية هذا التحفظ في المدن التي تعرف تفاوتاً في التجهيزات والخدمات بين أحيائها. فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع معالجة الفوارق المجالية بمجرد تحليلها، خصوصاً عندما تعتمد نتائجه على بيانات تعكس تلك الفوارق منذ البداية.
لهذا تحتاج المؤسسات إلى اختبار نتائج الأنظمة على مستوى الأحياء والفئات الاجتماعية، والتحقق من أن تحسين الكفاءة لا يأتي على حساب العدالة في توزيع الخدمات.
أمستردام وهلسنكي.. عندما تصبح الخوارزميات موضوعاً للشفافية
بدأت بعض المدن الأوروبية تطوير أدوات تسمح للجمهور بالاطلاع على الأنظمة الخوارزمية التي تستخدمها المؤسسات المحلية.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن أمستردام وهلسنكي اعتمدتا سجلات عمومية توثق استخدام الخوارزميات، وتتضمن معلومات عن طبيعة الأنظمة وبعض الاعتبارات المتعلقة بالمخاطر والرقابة البشرية والإنصاف. وتمثل هذه التجارب محاولة لجعل استخدام التكنولوجيا في الإدارة موضوعاً للنقاش والمساءلة، بدلاً من إبقائه داخل المصالح التقنية وحدها.
وتكشف هذه التجارب أن الشفافية لا تعني بالضرورة نشر جميع تفاصيل البرمجيات أو البيانات الحساسة. بل تعني، في حدها الأساسي، تمكين الجمهور من معرفة أين تستخدم الإدارة الأنظمة الخوارزمية، وما الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، ومن يتحمل مسؤولية مراقبتها.
أوروبا وتنظيم الأنظمة عالية المخاطر
يمثل القانون الأوروبي للذكاء الاصطناعي محاولة لوضع قواعد تتناسب مع مستوى المخاطر التي قد تنشأ عن استخدام هذه الأنظمة.
ويصنف الإطار الأوروبي بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي المرتبطة بوظائف السلامة في البنيات التحتية الحيوية، بما فيها إدارة حركة المرور وإمدادات المياه والطاقة، ضمن الاستخدامات عالية المخاطر عندما تستوفي الشروط القانونية المحددة.
ولا يعني هذا التصنيف أن كل تطبيق لتنظيم المرور أو تحسين استهلاك الكهرباء يخضع تلقائياً للفئة نفسها. فطبيعة النظام ووظيفته ومدى تأثيره في السلامة تحدد وضعه القانوني.
ومع ذلك، لا يمكن نقل القواعد الأوروبية مباشرة إلى السياقات الأخرى دون مراعاة اختلاف التشريعات والمؤسسات والقدرات التقنية. وتبقى التجربة مفيدة بوصفها مرجعاً للمقارنة، لا باعتبارها نموذجاً جاهزاً للتطبيق في جميع المدن.
المدن المغربية.. ما الذي ينبغي تقييمه قبل اعتماد الذكاء الاصطناعي؟
في المغرب، يطرح الحديث عن المدن الذكية تحديات تتعلق بمدى جاهزية المؤسسات المحلية، وجودة البيانات، وحماية المعلومات الشخصية، والقدرة على تمويل الأنظمة وصيانتها.
ولا يكفي الإعلان عن منصة رقمية أو مشروع يحمل صفة «ذكي» لإثبات أن المدينة أصبحت أكثر كفاءة أو عدلاً. فالتقييم يحتاج إلى مؤشرات واضحة تقارن الوضع قبل اعتماد التكنولوجيا وبعدها، وتبين أثرها على جودة الخدمات وتكلفتها وإمكانية استفادة السكان منها.
كما ينبغي التمييز بين الرقمنة والذكاء الاصطناعي. فقد تنجح جماعة في إتاحة بعض الخدمات عبر الإنترنت دون استخدام أنظمة تعلم آلي، وقد تعتمد مؤسسة أخرى أدوات تحليل متقدمة في مجال محدود. ولا يبرر أي من الحالتين تعميم أحكام حول مستوى التحول الذكي في المدينة بأكملها.
وتحتاج دراسة التجربة المغربية إلى فحص مشاريع محددة، والاطلاع على عقودها وأهدافها ومؤشرات أدائها، والاستماع إلى المسؤولين والمستخدمين. أما الحديث عن استخدامات قائمة في مدينة بعينها، فيتطلب أدلة مستقلة تؤكد طبيعة النظام ومدى تشغيله الفعلي.
وتبقى الأولوية في تقييم أي مشروع هي معرفة المشكلة الحضرية التي يعالجها. فالتكنولوجيا التي لا تقلل زمن الانتظار، أو لا تحسن جودة التنقل، أو لا تساعد على توزيع الخدمات بصورة أكثر إنصافاً، قد تتحول إلى استثمار مكلف دون أثر اجتماعي واضح.
من يراقب القرار عندما تقترحه الآلة؟
تستطيع الخوارزمية تقديم توصيات، لكنها لا تعفي المؤسسات من مسؤولية القرارات التي تعتمدها. فإذا أخطأ نظام في تحديد أولوية التدخل أو تقييم حاجة حي إلى خدمة، فإن المسؤولية لا تختفي خلف تعقيد البرمجيات.
ويقتضي الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي أن تحتفظ الإدارة بقدرتها على فهم النتائج ومراجعتها وتصحيحها. كما ينبغي أن تتوفر آليات واضحة لتلقي الاعتراضات، خصوصاً عندما تؤثر القرارات في حقوق الأفراد أو حصولهم على الخدمات.
ولا تقل أهمية التقييم المستقل عن أهمية الرقابة الداخلية. فقد تحقق الأنظمة أهدافها التقنية المعلنة، لكنها تنتج آثاراً اجتماعية لم يتوقعها المصممون. ولهذا تحتاج المدن إلى مراجعة دورية للنتائج، وإلى إشراك خبراء وممثلين عن السكان عندما تتطلب طبيعة المشروع ذلك.
ويشير تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2026 إلى استمرار فجوات بين التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الحكومات وتطور أدوات المساءلة. كما يلفت إلى محدودية قياس الأثر وآليات إشراك المستخدمين في عدد من البلدان التي شملتها الدراسة.
المدينة الذكية ليست المدينة التي تجمع أكبر قدر من البيانات
لا يمكن اختزال مستقبل المدينة في عدد أجهزة الاستشعار أو حجم البيانات التي تجمعها أو سرعة الخوارزميات التي تستخدمها. فهذه الأدوات تكتسب قيمتها عندما تساعد المؤسسات على معالجة مشكلات فعلية، وتمنح السكان خدمات أفضل دون التضحية بحقوقهم.
وقد تكون بعض الحلول الحضرية البسيطة أكثر فائدة من نظام رقمي معقد. فتحسين الأرصفة أو صيانة شبكة تصريف مياه الأمطار أو تنظيم النقل العمومي قد يحقق أثراً مباشراً يفوق أثر مشروع تقني لا يستجيب لحاجة واضحة.
ولا يعني ذلك التقليل من إمكانات الذكاء الاصطناعي، بل وضعه في موقعه الصحيح باعتباره وسيلة لدعم القرار، وليس بديلاً عن السياسة الحضرية أو الخبرة البشرية أو المشاركة المواطنة.
فالمدينة لا تصبح أكثر ذكاءً عندما تعرف المزيد عن سكانها فقط، بل عندما تستخدم المعرفة لتحسين حياتهم، وتمنحهم الحق في معرفة كيف تتخذ القرارات التي تؤثر فيهم.
ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل مشروع جديد: هل تمنح التكنولوجيا المؤسسات قدرة أكبر على خدمة المواطن ومساءلة نفسها، أم تمنحها أدوات أكثر تعقيداً لاتخاذ قرارات لا يستطيع المواطن فهمها أو مناقشتها؟
الإجابة لا تحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي في المدن وحده، بل تحدد أيضاً طبيعة العلاقة بين السلطة المحلية والسكان في مدينة تتوسع فيها قدرة الأنظمة الرقمية على التأثير في الحياة اليومية.


