قبل أن تفتح المتاجر الكبرى أبوابها، تبدأ حركة أخرى في الأسواق والأحياء الشعبية المغربية. تصل عربات الخضر إلى مواقع البيع، ويفتح الحرفيون ورشاتهم، بينما يتوزع أصحاب المهن الصغيرة بين الأزقة والساحات ومحطات النقل. وتتكون من هذه الأنشطة شبكة اقتصادية واسعة، توفر السلع والخدمات وفرص الدخل، لكنها لا تحظى دائمًا بمكان واضح في التخطيط الحضري.
لا يتعلق الأمر بمجموعة محدودة من الباعة المتجولين، كما قد توحي الصورة الشائعة عن الاقتصاد غير المنظم. فهذا القطاع يشمل أنشطة تجارية وحرفية وخدماتية متعددة، ويتداخل مع الاقتصاد الرسمي عبر التوريد والاستهلاك والعمل اليومي. وقد أصبح جزءًا أساسيًا من الحياة الاقتصادية لمدن مغربية كثيرة، رغم ما يواجهه من هشاشة وضعف في التنظيم والحماية.
اقتصاد أكبر من الصورة التي نراها في الشارع
كشف البحث الوطني حول القطاع غير المنظم، الذي أجرته المندوبية السامية للتخطيط خلال سنتي 2023 و2024، عن وجود نحو 2.03 مليون وحدة إنتاجية غير منظمة سنة 2023. ويمثل ذلك ارتفاعًا بأكثر من 353 ألف وحدة مقارنة بسنة 2014.
وتستحوذ التجارة على 47% من هذه الوحدات، بينما تبلغ حصة الخدمات 28.3%، تليها أنشطة البناء والأشغال العمومية بنسبة 11.6%. كما أظهرت النتائج أن 85.5% من الوحدات تتكون من شخص واحد، وهو مؤشر على هيمنة الأنشطة الفردية والمشروعات الصغيرة جدًا.
وتكشف هذه الأرقام عن بنية اقتصادية تختلف عن صورة المقاولة التقليدية ذات المقر الثابت والعمال المنتظمين. فعدد كبير من الأنشطة يقوم على جهد صاحبه المباشر، وقدرته اليومية على البيع أو تقديم خدمة. كما يعتمد استمرارها على شبكة من العلاقات التجارية والاجتماعية التي تتغير بحسب الحي والموسم والقدرة الشرائية.
غير أن وصف هذه الأنشطة بغير المنظمة لا يعني أنها غير قانونية بالضرورة. فالتعريف الإحصائي الذي اعتمدته المندوبية يرتبط بخصائص الوحدات الإنتاجية ونظام محاسبتها، ولا يشمل الأنشطة الإجرامية أو حالات الإخفاء المتعمد داخل المقاولات المنظمة.
حين يصبح الرصيف مكانًا للعمل
يمثل غياب المحل المهني الثابت إحدى الخصائص البارزة لهذا الاقتصاد. فقد أظهرت نتائج البحث أن 55.3% من الوحدات الإنتاجية غير المنظمة لا تتوفر على مقر مهني ثابت، بينما تمارس نسبة أخرى نشاطها داخل المنازل.
ويطرح ذلك مسألة حضرية تتجاوز التنظيم التجاري. فبالنسبة إلى بعض العاملين، يصبح الشارع مكانًا لإنتاج الدخل، وليس مجرد ممر للمشاة والسيارات. وقد يؤدي اختيار موقع قريب من محطة نقل أو سوق مزدحم إلى تحسين فرص البيع، بينما يقلص الانتقال إلى منطقة بعيدة حجم الزبائن والمداخيل.
وفي المقابل، يحتاج السكان إلى أرصفة سالكة وفضاءات عامة منظمة، كما تحتاج المدينة إلى ضمان شروط النظافة والسلامة والتنقل. وهنا يظهر التوتر بين حق العمل وحق الاستعمال المشترك للمجال العام.
لا يمكن حل هذا التوتر بالاكتفاء بإخلاء الأرصفة، ولا بترك جميع الأنشطة تتوسع دون ضوابط. فالمسألة تتطلب دراسة مواقع التجارة اليومية، وحركة الزبائن، وحاجات المهنيين والسكان معًا. وقد تكون الأسواق القريبة المجهزة خيارًا مناسبًا في بعض الحالات، شريطة أن تتوفر فيها شروط النشاط التجاري الفعلي.
العمل اليومي بين الاستقلال والهشاشة
توفر المهن الصغيرة لبعض أصحابها قدرًا من الاستقلال في تنظيم الوقت وطريقة العمل. لكن هذه المرونة قد ترافقها هشاشة اقتصادية، خاصة عندما يكون الدخل مرتبطًا بالمبيعات اليومية دون ضمانات منتظمة.
فالتاجر الصغير يواجه تقلب أسعار السلع وتكاليف النقل والكراء، وقد يتأثر نشاطه بتراجع القدرة الشرائية. أما الحرفي الذي يعمل لحسابه، فقد يجد نفسه أمام فترات يكثر فيها الطلب وأخرى لا تتوفر فيها فرص كافية لتغطية المصاريف.
وتصبح الصعوبات أكبر عندما يغيب الادخار أو التغطية الاجتماعية المناسبة. فالمرض والتوقف المؤقت عن العمل قد يؤديان إلى فقدان مصدر الدخل، خصوصًا في الأنشطة التي تقوم على جهد فرد واحد.
لكن العاملين في هذا المجال ليسوا فئة متجانسة. فهناك فرق بين بائع يعتمد على مداخيل محدودة لتغطية حاجاته الأساسية، وصاحب نشاط تجاري يحقق أرباحًا أكبر رغم غياب التنظيم المحاسبي الكامل. ولذلك لا ينبغي بناء السياسات العمومية على تصور موحد لجميع الوحدات.
المدن تستفيد من الاقتصاد الذي يصعب تنظيمه
تستفيد الأحياء الشعبية من قرب الأسواق والخدمات الصغيرة، خصوصًا عندما تتيح شراء كميات محدودة بأسعار تناسب الميزانيات اليومية. كما توفر بعض المهن خدمات الإصلاح والنقل والتوزيع، بما يساعد على استمرار أنشطة اقتصادية أخرى.
وتتجاوز هذه الوظائف الجانب التجاري المباشر. فالسوق الشعبي يخلق حركة في الشوارع، ويستقطب الزبائن، ويدعم عددًا من المهن المرتبطة بالتوريد والنقل والتخزين. كما قد يساهم في الحفاظ على علاقات اجتماعية قائمة على الثقة والتعامل المتكرر.
لكن هذه المزايا لا تلغي المشكلات المتعلقة بالمنافسة وشروط العمل. فقد تواجه المحلات المنظمة أعباء ضريبية وإدارية تختلف عن تلك التي تتحملها وحدات غير مسجلة. وقد يؤدي غياب المعايير المهنية أيضًا إلى تفاوت شروط السلامة والجودة بين الأنشطة.
ولهذا ينبغي أن يستهدف التنظيم تحسين شروط المنافسة والعمل، بدل التعامل مع القطاع كله باعتباره عبئًا على المدينة. فالاقتصاد الحضري لا يعمل في مجالين منفصلين تمامًا، أحدهما رسمي والآخر غير رسمي، بل يقوم على علاقات متشابكة بينهما.
النساء والعمل الذي لا يظهر في واجهات الأسواق
تكشف بيانات المندوبية السامية للتخطيط عن محدودية حضور النساء في تسيير الوحدات الإنتاجية غير المنظمة المشمولة بالبحث. فقد بلغت نسبتهن 7.6% سنة 2023، مقابل 8.8% سنة 2014.
ولا تعني هذه النسبة أن مساهمة النساء في الاقتصاد غير المنظم تقتصر على إدارة تلك الوحدات. فهناك أعمال منزلية وخدمات وأنشطة إنتاجية تتطلب أدوات إحصائية مختلفة لفهم حجم مشاركة النساء فيها.
وتبرز أهمية هذا التمييز عند دراسة العمل المنزلي المدفوع الأجر، والإنتاج الحرفي داخل البيوت، والأنشطة التجارية الصغيرة التي يشارك فيها أفراد الأسرة. فقد تكون مساهمات بعض العاملات أقل ظهورًا في المجال العام، رغم ارتباطها المباشر بدخل الأسر.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى سياسات تراعي اختلاف مواقع العمل والقيود المرتبطة بالتنقل والرعاية الأسرية والولوج إلى التمويل. فإتاحة فرص النشاط الاقتصادي لا تتحقق فقط بتخصيص محلات أو فضاءات للبيع، وإنما بتحسين الشروط التي تسمح بالمشاركة فيه.
من محاربة العشوائية إلى تنظيم الفرص
اعتادت بعض السياسات الحضرية النظر إلى التجارة غير المنظمة من زاوية احتلال الملك العمومي أو التأثير في حركة المرور. وهذه قضايا مشروعة ضمن مسؤوليات الجماعات، لكنها لا تكفي لفهم أسباب انتشار الأنشطة الصغيرة.
فحين لا يستطيع العامل تحمل كلفة محل تجاري أو إجراءات تأسيس مشروع، تصبح الخيارات المتاحة أمامه محدودة. كما أن نقل الباعة إلى أسواق بعيدة قد يضعف نشاطهم إذا لم تتوفر حركة كافية للزبائن.
ويحتاج الانتقال إلى وضع اقتصادي أكثر تنظيمًا إلى معالجة متدرجة، تراعي حجم النشاط وقدرة صاحبه على تحمل الالتزامات الجديدة. وتشمل هذه المعالجة تبسيط الإجراءات، وتحسين الوصول إلى الحماية الاجتماعية، وتوفير خدمات التمويل والتكوين عند الحاجة.
كما ينبغي تقييم مشروعات إعادة تنظيم الأسواق بعد تنفيذها، بدل الاكتفاء بعدد المحلات التي جرى بناؤها. فنجاح السوق لا يقاس بواجهته المعمارية فقط، بل بقدرة التجار على الاستمرار، وبسهولة وصول السكان إليه، وبشروط السلامة والنظافة داخله.
الاقتصاد اليومي مرآة للتحولات الاجتماعية
لا يمكن فصل انتشار المهن الصغيرة عن التحولات الأوسع التي يعرفها المجتمع المغربي. فالهجرة نحو المدن، وصعوبة الولوج إلى بعض فرص الشغل، وتفاوت مستويات التأهيل، كلها عوامل تؤثر في الخيارات الاقتصادية للأفراد والأسر. كما أن ارتفاع تكاليف المعيشة قد يدفع بعض العاملين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، سواء من خلال التجارة أو الخدمات أو الأنشطة المنزلية.
ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار الاقتصاد غير المنظم مجرد نتيجة للبطالة أو الفقر. فبعض أصحابه اختاروا العمل المستقل لما يوفره من مرونة، بينما وجد آخرون فيه امتدادًا لمهارات مهنية أو تجارية متوارثة. وتختلف فرص النمو والاستقرار بين هذه الأنشطة بحسب رأس المال والطلب والموقع والعلاقات الاقتصادية.
وتكشف هذه الفوارق عن ضرورة الانتقال من الأحكام العامة إلى سياسات مبنية على المعطيات. فمعرفة عدد الوحدات الاقتصادية وحدها لا تكفي لتحديد احتياجاتها. بل ينبغي دراسة مستويات الدخل والإنتاجية وشروط العمل، والتمييز بين الأنشطة القادرة على التطور وتلك التي تواجه هشاشة مستمرة.
نحو مدينة تمنح العمل مكانًا في تخطيطها
تحتاج المدن المغربية إلى تصور يجعل الاقتصاد اليومي جزءًا من سياساتها الحضرية، بدل التعامل معه باعتباره ظاهرة مؤقتة ستختفي مع التوسع العمراني. ويتطلب ذلك توفير فضاءات تجارية مناسبة، وتحسين شروط التنقل والتخزين والنظافة، وتسهيل الإجراءات أمام الأنشطة الصغيرة التي ترغب في الانتقال التدريجي إلى وضع أكثر تنظيمًا.
كما تبرز أهمية ربط هذه الإجراءات بالحماية الاجتماعية والتكوين المهني وإمكانية الحصول على التمويل. فالمحل التجاري الجديد لا يضمن استقرار النشاط إذا ظل صاحبه عاجزًا عن مواجهة تراجع المبيعات أو تغطية نفقات العمل. ومن هنا ينبغي النظر إلى التنظيم باعتباره مسارًا اقتصاديًا واجتماعيًا، وليس عملية عمرانية تنتهي بتسليم المفاتيح.
مدينة تعترف بمن يعملون فيها
تكشف معطيات سوق العمل المغربي لسنة 2025 استمرار التحديات المرتبطة بالتشغيل. فقد بلغ معدل البطالة الوطني 13%، ووصل في الوسط الحضري إلى 16.4%، وفق الأرقام المعلنة للمندوبية السامية للتخطيط. وتوضح هذه المؤشرات أهمية النظر إلى فرص الشغل من زاوية العدد والجودة والاستقرار، مع عدم الخلط بين البطالة والعمل غير المنظم.
إن الاعتراف بالاقتصاد اليومي لا يعني إعفاء الأنشطة من القواعد أو ترك المجال العام دون تنظيم. بل يعني أن التخطيط الحضري ينبغي أن يأخذ العاملين الصغار في الحسبان، بوصفهم جزءًا من الحياة الاقتصادية للمدينة.
فالشارع الذي يحتضن نشاطًا تجاريًا يحتاج إلى تنظيم يضمن حركة المشاة واستمرار الخدمات. والسوق الذي يستقبل مئات الأسر يحتاج إلى مرافق مناسبة وشروط عمل واضحة. أما السياسات الاجتماعية، فينبغي أن تسعى إلى تقليص الهشاشة دون حرمان الناس من موارد عيشهم.
ولا يتعلق مستقبل الاقتصاد غير المنظم بإدماج العاملين في منظومة إدارية فحسب، بل بإعادة النظر في العلاقة بين العمل والفضاء الحضري. فالمدينة التي تحتاج إلى خدمات الباعة والحرفيين وأصحاب المهن الصغيرة لا تستطيع تجاهل وجودهم عند إعداد مخططاتها.
وفي المقابل، لا يمكن أن يستمر النشاط الاقتصادي على حساب سلامة السكان أو حقهم في استعمال الشوارع والأرصفة. ولذلك تظل مشاركة المعنيين في القرارات، وتقييم نتائج برامج التنظيم، من الشروط الضرورية لتحقيق توازن مستدام.
وفي نهاية المطاف، لا تُقاس حيوية المدينة بعدد الأبراج والمراكز التجارية التي تشيدها وحدها. بل تتجلى أيضًا في قدرتها على توفير فرص العيش الكريم لمن يعملون في أسواقها وشوارعها وورشاتها الصغيرة.
فالاقتصاد الذي يبدأ مع أول عربة خضر في الصباح، ويستمر حتى إغلاق آخر دكان في المساء، ليس نشاطًا هامشيًا في حياة المدينة. إنه جزء من بنيتها اليومية، ومن العلاقات التي تجعل أحياءها قادرة على الاستمرار. وحين تمنحه السياسات العمومية ما يستحق من اهتمام وتنظيم وحماية، تصبح المدينة أكثر قدرة على الجمع بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.


