حين تتلبد السماء فوق مدينة مغربية، يبدأ القلق في الأحياء التي تعرف تجمع المياه خلال التساقطات الغزيرة. يراقب أصحاب المحلات مداخل دكاكينهم، ويتابع السكان نشرات الطقس، بينما تتحول بعض الشوارع إلى مجارٍ للمياه. وقد ينتهي المطر بعد فترة قصيرة، لكن آثاره تستمر ساعات أو أيامًا، خصوصًا عندما تصل السيول إلى المنازل والمرافق العمومية.
تكشف هذه المشاهد عن مشكلة تتجاوز كمية الأمطار وحدها. فالمدينة الحديثة تعيد تشكيل حركة المياه فوق الأرض، من خلال الطرق والإسمنت والمباني وشبكات التصريف. وحين لا يواكب التخطيط العمراني هذه التحولات، تصبح التساقطات القوية اختبارًا لقدرة البنية التحتية على حماية السكان.
المطر ليس المتهم الوحيد
في المجالات الطبيعية، تتوزع مياه الأمطار بين التسرب إلى التربة والجريان فوق سطح الأرض والتبخر. وتساعد النباتات والتضاريس على إبطاء حركة المياه، وإن كانت قدرة التربة على الامتصاص تختلف بحسب طبيعتها ورطوبتها وشدة التساقطات.
أما في المدينة، فتغطي المباني والطرق ومواقف السيارات مساحات واسعة بمواد قليلة النفاذية. ونتيجة لذلك، ترتفع كمية المياه المتدفقة فوق السطح، ويصبح وصولها إلى المناطق المنخفضة أسرع في كثير من الحالات.
تسمى هذه الظاهرة بزيادة الجريان السطحي، وهي من أبرز نتائج التوسع العمراني غير المصحوب بتدبير مناسب لمياه الأمطار. فعندما تتجمع المياه بسرعة، قد تتجاوز القدرة الاستيعابية للقنوات والمصارف، خصوصًا خلال العواصف الشديدة.
لكن الفيضانات لا تنتج دائمًا عن ضعف شبكات التصريف. فقد تحدث أيضًا بسبب فيضان الأودية أو ارتفاع منسوب الأنهار أو تدفق المياه من مناطق بعيدة عن المدينة. ولهذا يحتاج فهم كل حادث إلى دراسة طبيعة الحوض المائي وشدة الأمطار ومسارات الجريان.
حين يختفي التراب تحت الإسفلت
شهدت مدن عديدة توسعًا عمرانيًا سريعًا خلال العقود الأخيرة، امتد إلى أراضٍ زراعية ومناطق منخفضة ومنحدرات كانت تؤدي وظائف طبيعية في تصريف المياه. ومع انتشار البناء والطرق، تقلصت بعض المساحات القادرة على امتصاص الأمطار أو إبطاء جريانها.
وفي المقابل، لم تتطور شبكات تصريف مياه الأمطار بالوتيرة نفسها في جميع الأحياء. وقد تزداد الضغوط عندما تشترك مياه الأمطار والمياه العادمة في قنوات واحدة، أو عندما تتجاوز التدفقات قدرة الشبكات الموجودة.
وتبرز هنا أهمية الصيانة اليومية. فانسداد بالوعات المياه بالنفايات والرمال والأتربة قد يقلل من فعالية التصريف، حتى عندما تكون الشبكة مصممة بصورة مناسبة للأمطار المعتادة.
غير أن تنظيف البالوعات، على أهميته، لا يكفي وحده لمواجهة العواصف الاستثنائية. فالاستعداد يحتاج أيضًا إلى قياس القدرة الاستيعابية للشبكات، وتحديد المناطق المنخفضة، وتوقع مسارات المياه قبل وقوع الكارثة.
الأودية المنسية داخل المجال الحضري
ارتبط نشوء مدن كثيرة بوجود الأنهار والأودية ومصادر المياه. فقد وفرت هذه المجالات شروط الاستقرار والزراعة والتجارة، قبل أن تتوسع التجمعات السكنية وتقترب تدريجيًا من المجاري الطبيعية.
ومع مرور الوقت، جرى البناء قرب بعض الأودية الموسمية أو فوق أجزاء من مساراتها القديمة. وقد تبدو هذه المجالات آمنة خلال سنوات الجفاف، لكنها تظل معرضة للجريان عندما تتساقط أمطار قوية في أحواضها المائية.
وتزداد الخطورة حين تصل السيول من المرتفعات المحيطة، حتى لو كانت التساقطات محدودة داخل المدينة نفسها. فقد تتجمع المياه في مناطق بعيدة، ثم تنتقل عبر المجاري الطبيعية نحو الأحياء الواقعة في الأسفل.
لهذا لا يمكن تدبير الفيضانات داخل الحدود الإدارية للمدينة وحدها. فالحماية تتطلب فهم الحوض المائي بأكمله، ومراقبة التوسع العمراني في المناطق المعرضة للخطر، والحفاظ على الممرات الطبيعية للمياه.
من آسفي إلى فالنسيا.. حين تتحول الأمطار إلى كارثة
شهدت مدينة آسفي مساء الأحد 14 دجنبر 2025 سيولًا مفاجئة خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة. وبحسب الحصيلة المؤقتة التي أعلنتها السلطات المحلية صباح اليوم التالي، بلغ عدد الوفيات 37 شخصًا، بينما تلقى مصابون العلاج بالمستشفى.
وأعلنت النيابة العامة فتح بحث قضائي لتحديد الأسباب الحقيقية للكارثة وظروفها. ويعني ذلك أن تقييم المسؤوليات يحتاج إلى نتائج التحقيق والمعطيات التقنية، وليس إلى الاستنتاج من الصور المتداولة وحدها.
وقبل ذلك بعام، تعرضت منطقة فالنسيا الإسبانية لفيضانات مدمرة يوم 29 أكتوبر 2024. فقد سجلت بلدة تشيفا 491 ملم من الأمطار خلال ثماني ساعات، بحسب الوكالة الإسبانية للأرصاد الجوية. وأسفرت الكارثة عن خسائر بشرية جسيمة، بعدما اجتاحت المياه بلدات وأحياء ومرافق مختلفة.
ورغم اختلاف السياقين المغربي والإسباني، تبرز الواقعتان أهمية الزمن في إدارة المخاطر. فشدة التساقطات وسرعة الجريان قد تقلصان المدة المتاحة للاستجابة، خصوصًا عندما تتعرض المناطق المأهولة لسيول مفاجئة.
ومع ذلك، لا يمكن تفسير الكارثتين بعامل عمراني واحد. فالتقييم الدقيق يتطلب بيانات عن الأمطار والتضاريس وشبكات التصريف والإنذار المبكر، إلى جانب دراسة مواقع المباني والبنية التحتية المعرضة للخطر.
مدن تتعلم الاحتفاظ بالماء
دفعت الفيضانات المتكررة مدنًا عالمية إلى مراجعة علاقتها بمياه الأمطار. ومن أبرز التجارب مدينة كوبنهاغن الدنماركية، التي واجهت عاصفة مطرية شديدة سنة 2011. وقد طورت السلطات بعدها خطة لإدارة الأمطار الغزيرة، تعتمد على الجمع بين الحلول الهندسية والمساحات الحضرية القادرة على استقبال المياه.
تقوم الفكرة على تخصيص بعض الشوارع والحدائق والساحات لتوجيه المياه أو تخزينها مؤقتًا، بدل الاعتماد على القنوات تحت الأرض وحدها. وتسمح هذه المقاربة بتخفيف الضغط على شبكات التصريف، مع الحفاظ على الوظائف اليومية للفضاءات العامة.
وفي الصين، تطور مفهوم «المدينة الإسفنجية»، الذي يقوم على زيادة قدرة المجال الحضري على امتصاص مياه الأمطار والاحتفاظ بجزء منها. وتشمل الحلول استعمال الأرصفة النفاذة والحدائق المطرية والأسطح الخضراء ومناطق التخزين الطبيعي.
ولا تمثل هذه التدابير بديلًا شاملًا عن البنية التحتية التقليدية، خصوصًا أمام الفيضانات الكبيرة. لكنها تساعد على تقليل الجريان السطحي وتحسين تدبير المياه، عندما تتكامل مع شبكات الصرف والتخطيط العمراني.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في المناطق التي تجمع بين الجفاف والتساقطات الشديدة. فالمياه التي تتحول إلى خطر خلال ساعات قد تصبح موردًا نافعًا إذا توفرت وسائل آمنة لتخزينها وإعادة استعمالها.
ماذا تستطيع الجماعات المحلية أن تفعل؟
تبدأ الوقاية من الفيضانات قبل موسم الأمطار، من خلال الصيانة المنتظمة لشبكات التصريف ومراقبة البالوعات والمجاري المائية. كما تحتاج الجماعات إلى خرائط دقيقة للمناطق المعرضة للغمر، مع تحديثها كلما تغير البناء أو استعمال الأرض.
وتبرز أهمية منع التوسع العمراني غير الآمن داخل مجاري الأودية والمناطق المعروفة بخطر السيول. غير أن تطبيق هذه السياسة يتطلب بدائل سكنية مناسبة، خصوصًا عندما تكون الأحياء القائمة قد نشأت منذ سنوات طويلة في مجالات معرضة للخطر.
أما أنظمة الإنذار المبكر، فتحتاج إلى ربط المعطيات الجوية والهيدرولوجية بإجراءات واضحة لحماية السكان. فإصدار النشرة التحذيرية لا يحقق الغاية المطلوبة إذا لم تصل المعلومات إلى المعنيين في الوقت المناسب، أو إذا غابت خطط الاستجابة المحلية.
وعلى المدى البعيد، تصبح مراجعة شبكات التصريف وتوسيع المساحات النفاذة جزءًا من التخطيط الحضري. ويقتضي ذلك تنسيقًا بين الجماعات والوكالات المعنية بالماء والتعمير والوقاية المدنية، مع تحديد مسؤوليات التمويل والصيانة.
المدينة التي تتعايش مع الماء
لا تستطيع أي مدينة ضمان الحماية المطلقة من جميع الفيضانات. فهناك عواصف تتجاوز المعايير التي تعتمد عليها الشبكات والمنشآت، كما تتغير المخاطر مع توسع البناء والتحولات المناخية.
لكن المدن تستطيع تقليل تعرض سكانها لهذه الأخطار، عندما تجعل تدبير مياه الأمطار جزءًا من قراراتها اليومية. فاختيار موقع حي جديد، وتصميم شارع أو حديقة، وصيانة قناة تصريف، كلها قرارات تؤثر في حركة المياه خلال التساقطات القوية.
وتؤكد تجارب آسفي وفالنسيا أن الكارثة لا تبدأ بالضرورة عند وصول الماء إلى الشوارع. فقد تتراكم عوامل الخطر قبل ذلك بسنوات، من خلال التوسع العمراني وضعف الوقاية أو محدودية الاستعداد.
لهذا ينبغي أن ينتقل النقاش من البحث عن حلول مؤقتة بعد كل عاصفة إلى بناء سياسة حضرية مستمرة لتقليل المخاطر. فالمدينة القادرة على التعايش مع الماء ليست التي تمنع المطر من الوصول إليها، بل التي تعرف أين سيتحرك، وكيف تخفف آثاره، وكيف تحمي سكانها حين يتجاوز قدراتها.


