في منطقة المنصورية بإقليم بنسليمان، يتشكل مشروع رياضي يحمل طموحات تتجاوز حدود ملعب لكرة القدم. فملعب الحسن الثاني الكبير، المخطط له بسعة 115 ألف متفرج، يفترض أن يكون أحد أبرز منشآت المغرب استعدادًا لكأس العالم 2030. ويمتد المشروع على مساحة تقارب مئة هكتار، تشمل مرافق رياضية وخدمات وتجهيزات مرتبطة بالأنشطة الكبرى.
يمنح حجم المشروع فكرة عن الرهانات المعقودة على البطولة التي ينظمها المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال. غير أن الأرقام الكبيرة لا تكفي وحدها لتحديد قيمة الاستثمار. فالملاعب تُبنى لتستمر عقودًا، بينما تنتهي المباريات خلال أسابيع. ومن هنا يبرز سؤال أساسي يتعلق بمستقبل المنشآت وعلاقتها بالمدن التي تحتضنها.
شهر من المباريات وعقود من الصيانة
لا تتوقف الكلفة الاقتصادية للملعب عند الأشغال والتجهيزات. فبعد افتتاحه تبدأ مرحلة التشغيل، بما تتطلبه من صيانة وحراسة وإنارة وخدمات تقنية. وتزداد هذه الأعباء كلما اتسعت المنشأة وتعقدت مرافقها، خصوصًا عندما لا يتوفر برنامج منتظم لاستعمالها.
ولهذا أصبح مفهوم «الإرث» حاضرًا في الدراسات المتعلقة بالتظاهرات الرياضية الكبرى. ويقصد به مجموع الآثار التي تبقى بعد انتهاء الحدث، سواء تعلق الأمر بالنقل والسكن والمرافق العامة، أو بالتكاليف المالية والالتزامات طويلة الأمد.
قد تتيح البطولة فرصة لتسريع مشروعات تحتاجها المدينة أصلًا، مثل تحسين النقل الجماعي وتهيئة الطرق. لكنها قد تدفع أيضًا إلى استثمارات لا تتناسب مع الطلب المستقبلي. ولذلك لا يمكن الحكم على نجاح المنشآت من خلال عدد المتفرجين خلال المونديال وحده.
والتحدي الحقيقي هو تحديد وظائفها بعد البطولة، مع معرفة الجهات التي ستتحمل مصاريف التشغيل والصيانة. فهذه القرارات تضع الأساس للإرث الحضري قبل أن يصل المشجعون إلى المدرجات.
البرازيل 2014.. حين أصبحت الملاعب عبئًا ماليًا
تقدم تجربة البرازيل في كأس العالم 2014 أمثلة على الصعوبات التي تواجه المنشآت الرياضية بعد انتهاء البطولات. فقد وزعت المباريات على اثنتي عشرة مدينة، بينها مناطق لم تكن تتوفر على طلب كروي منتظم يتناسب مع حجم الملاعب الجديدة.
برز ملعب «ماني غارينشا» في العاصمة برازيليا بوصفه إحدى أكثر المنشآت إثارة للجدل. فقد ارتفعت كلفته إلى نحو 1.6 مليار ريال برازيلي، وفق تقديرات نقلتها الصحافة البرازيلية آنذاك. وبعد البطولة، ظهرت صعوبات في تغطية مصاريفه من عائدات المباريات.
وفي مارس 2015، تحدثت تقارير صحفية عن استعمال محيط الملعب لركن مئات الحافلات، وعن توظيف بعض مرافقه لإيواء مصالح إدارية. وكانت هذه الإجراءات محاولة للاستفادة من منشأة واسعة لا تستقبل بصورة منتظمة أحداثًا تناسب طاقتها الاستيعابية.
لم تكن المشكلة أن الملعب توقف نهائيًا عن العمل، بل أن استعمالاته اليومية بدت محدودة مقارنة بحجمه وكلفته. كما أظهرت تجارب مدن برازيلية أخرى الفجوة بين متطلبات البطولة واحتياجات الرياضة المحلية.
لكن التجربة البرازيلية لا تختزل في الإخفاق وحده. فقد شهدت بعض المدن تحسينات في البنية التحتية واستفادت قطاعات اقتصادية من النشاط المرتبط بالبطولة. وتظل حصيلة تلك الاستثمارات متفاوتة بين مدينة وأخرى، كما تتوقف على طبيعة المشروعات التي نُفذت بالفعل.
برشلونة 1992.. حين ارتبط الحدث بتحول المدينة
تقدم برشلونة تجربة مختلفة في توظيف التظاهرات الرياضية ضمن مشروع عمراني طويل الأمد. فقد استخدمت المدينة الألعاب الأولمبية لسنة 1992 لتسريع إعادة تهيئة واجهتها البحرية، التي كانت تضم مناطق صناعية وحواجز تفصل بعض الأحياء عن البحر.
وشملت الأشغال إنشاء فضاءات عامة وشواطئ وتحسين شبكات الطرق، إلى جانب بناء القرية الأولمبية ومرافق جديدة. وبعد انتهاء الألعاب، استمر استعمال جزء كبير من هذه المنشآت ضمن الحياة اليومية للمدينة.
تكمن أهمية التجربة في ارتباطها بتصور عمراني أوسع من متطلبات المنافسات الرياضية. فقد كانت هناك أهداف تتعلق بإعادة تنظيم المجال الحضري، وتحسين الوصول إلى البحر، وتطوير الخدمات والبنية التحتية.
ومع ذلك، لا تمثل برشلونة نموذجًا يخلو من التناقضات. فقد رافقت عمليات التجديد ضغوط عقارية وتحولات اجتماعية أثرت في بعض السكان والأنشطة القديمة. كما تناولت دراسات أكاديمية لاحقة قضايا الإزاحة الاجتماعية وفقدان أجزاء من الذاكرة الصناعية للمدينة.
وهذا يجعل التجربة أكثر تعقيدًا من تقسيم بسيط بين نجاح عمراني وإخفاق مالي. فقد تحقق مكسب واضح في بعض المرافق، بينما توزعت منافع التحول وتكاليفه بصورة غير متساوية.
قطر 2022.. التفكير في المنشآت المؤقتة
خلال التحضير لمونديال 2022، قدمت قطر ملعب 974 باعتباره تجربة مختلفة في تصميم المنشآت الرياضية. فقد استُخدمت في بنائه حاويات شحن وعناصر إنشائية قابلة للفك، ضمن تصور يتيح تغيير استعمال الموقع بعد البطولة.
كانت الفكرة تقوم على الحد من الالتزام الدائم بمنشأة كبيرة قد لا تحتاجها المدينة مستقبلًا. لكنها أظهرت أيضًا الفرق بين تصميم قابل للتفكيك وبين التنفيذ الفعلي لخطة إعادة الاستعمال.
فإمكانية نقل أجزاء الملعب لا تعني بالضرورة أن العملية ستتم فور انتهاء المنافسات. كما أن تقييم أثر هذا النموذج يحتاج إلى حساب مواد البناء والنقل والتفكيك والاستعمال اللاحق.
لذلك تظل أهمية تجربة قطر مرتبطة بالسؤال الذي أثارته حول العمر الافتراضي للمنشآت. فليس كل ملعب مطالبًا بالبقاء بالحجم نفسه إلى الأبد، ولا تكفي قابلية التفكيك وحدها لضمان الاستدامة.
المغرب 2030.. بين الحاجة الرياضية والتوسع الحضري
يختلف السياق المغربي عن بعض التجارب السابقة. فالمملكة تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة لكرة القدم، كما تتوفر مدن عديدة على أندية ذات حضور جماهيري وتاريخ رياضي. ويشمل برنامج الاستعداد للمونديال تأهيل منشآت موجودة، إلى جانب بناء مرافق جديدة.
يتيح تأهيل الملاعب القائمة إمكانية الاستفادة من البنيات الموجودة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى دراسة تكاليف التشغيل بعد التوسعة. أما المنشآت الجديدة، فتطرح تحديات إضافية تتعلق بالموقع وإمكانية الوصول والطلب المتوقع.
ويبرز ملعب الحسن الثاني نموذجًا لهذه الإشكالات. فطاقته الاستيعابية المخططة تتجاوز حجم الحضور المعتاد في معظم مباريات البطولة الوطنية. ولذلك يحتاج تشغيله المستقبلي إلى برنامج متعدد الاستعمالات، لا يقتصر على المنافسات الكروية.
لكن مستقبل المشروع لا يتوقف على المبنى نفسه. فالمجمع الرياضي المخطط له يضم تجهيزات يمكن أن تؤدي وظائف مختلفة، من الأنشطة الرياضية إلى التظاهرات الثقافية والمؤتمرات. ويظل نجاح هذا التصور مرتبطًا بوجود طلب فعلي وخطة تشغيل وتمويل مستدامة.
النقل والسكن.. من يستفيد من المدينة الرياضية؟
يمثل موقع ملعب الحسن الثاني، خارج النسيج المركزي للدار البيضاء، عنصرًا حاسمًا في تقييم المشروع. فالوصول إلى منشأة بهذا الحجم يتطلب بنية نقل قادرة على استيعاب التدفقات الكبيرة خلال المباريات، دون تحويل الحركة اليومية إلى أزمة.
وتتضمن التصورات المعلنة للمشروع ربط المنطقة بشبكات طرق ونقل حديثة. غير أن القيمة الحضرية لهذه الاستثمارات ستعتمد على مدى فائدتها للسكان خارج أيام التظاهرات. فالخط الذي يخدم الملعب مرات محدودة في السنة يختلف عن شبكة تتيح التنقل اليومي بين السكن والعمل والخدمات.
ويطرح التوسع العمراني المحيط بالمشروع مسائل أخرى تتعلق باستعمالات الأرض. فقد يؤدي إنشاء مرافق كبرى إلى زيادة جاذبية المنطقة للاستثمار العقاري، لكنه قد يرفع أيضًا أسعار الأراضي ويغير طبيعة المجال المحيط.
ومن هنا تظهر أهمية التخطيط المسبق للخدمات والمرافق والفضاءات العامة. فالمجمع الرياضي لا يتحول تلقائيًا إلى مركز حضري متكامل بمجرد بناء ملعب وفندق وقاعات متعددة الاستعمالات. بل يحتاج إلى علاقات وظيفية واضحة مع التجمعات السكنية وشبكات النقل والاقتصاد المحلي.
من يتحمل الكلفة ومن يجني الفوائد؟
تثير الاستثمارات الرياضية الكبرى سؤالًا لا يقل أهمية عن تصميم الملاعب، ويتعلق بتوزيع الأعباء والمنافع. فبعض المشروعات تمولها مؤسسات عمومية، بينما يشارك القطاع الخاص في تطوير مرافق وخدمات مرتبطة بها.
ويقتضي تقييم الجدوى التمييز بين العائد المباشر للمنشأة وبين الأثر الاقتصادي الأوسع على المدينة. فقد يستفيد قطاع السياحة أو النقل من ارتفاع النشاط، دون أن يعني ذلك قدرة الملعب نفسه على تغطية نفقات تشغيله.
كما أن الزيادة المؤقتة في التشغيل خلال فترة الأشغال لا تكفي لقياس الأثر الاجتماعي طويل الأمد. فالمهم هو طبيعة فرص العمل التي تستمر بعد انتهاء البطولة، ومدى استفادة السكان المحليين من المرافق المستحدثة.
وتصبح الشفافية في نشر كلفة المشروعات وبرامج تشغيلها أداة أساسية للنقاش العمومي. فهي تسمح بمقارنة الوعود بالنتائج، وتساعد على تحديد المسؤوليات قبل تراكم الأعباء المستقبلية.
الإرث الحقيقي يُبنى قبل البطولة
لن يتحدد نجاح مونديال 2030 عمرانيًا بعدد الملاعب المكتملة أو بجمالية حفل الافتتاح وحدهما. فهذه عناصر مرتبطة بتنظيم التظاهرة، بينما يمتد الإرث إلى ما سيبقى في المدن بعد مغادرة الوفود والمشجعين.
وقد يمنح الحدث المغرب فرصة لتطوير البنية التحتية وتحسين بعض الخدمات الحضرية. لكن تحويل هذه الفرصة إلى نتائج مستدامة يتطلب ربط الاستثمارات بحاجات السكان، مع تقييم آثارها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
توضح التجارب الدولية أن التظاهرة الرياضية ليست ضمانة للنجاح ولا سببًا حتميًا للإخفاق. فالنتائج تتوقف على القرارات التي تسبقها، وعلى قدرة المؤسسات على إدارة منشآتها ومراجعة سياساتها بعد انتهائها.
وفي سنة 2040، ستكون هناك أسئلة مختلفة عن تلك التي تشغل الجمهور اليوم. هل أصبحت المرافق الجديدة جزءًا من الحياة اليومية؟ وهل ساهمت شبكات النقل في تقليص زمن التنقل؟ وهل تحسنت فرص ممارسة الرياضة في الأحياء؟
تلك هي المؤشرات التي تستحق المتابعة منذ الآن. فالإرث الحضري لا يبدأ بعد المباراة النهائية، وإنما يتشكل خلال التخطيط والتمويل والبناء. وكلما ارتبطت الاستثمارات بحاجات المدينة الفعلية، ازدادت فرص استمرار فائدتها بعد انطفاء أضواء البطولة.


