استمع إلى المقال6 دقائق تقريباً

لم تعد أزمة السكن في المغرب مقتصرة على الأسر الباحثة عن منزل يناسب قدرتها الشرائية. فقد أصبحت تشمل أيضاً سكاناً عاشوا عقوداً داخل أحياء مستقرة، قبل أن تطالها مشاريع الهدم وإعادة التهيئة. وبين الحاجة إلى تطوير المدن وحماية حق السكان في الاستقرار، يتشكل نقاش يتجاوز حدود العقار والبناء. إنه نقاش يرتبط بطبيعة المدينة المغربية ومستقبل علاقاتها الاجتماعية.

ويأتي هذا النقاش بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على الفقر، الذي يصادف 17 أكتوبر من كل سنة. وقد جعلت الأمم المتحدة قضية السكن الآمن محوراً لهذه المناسبة سنة 2026. ويعكس هذا التوجه اتساع مفهوم الفقر، الذي لم يعد يقاس بالدخل وحده. فالمسكن يؤثر في فرص التعليم والعمل والصحة، كما يحدد قدرة الأسر على الاستقرار والمشاركة في الحياة الاجتماعية.

في المغرب، تكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة مع تسارع التحولات العمرانية في المدن الكبرى. فقد شهدت الرباط والدار البيضاء ومراكش عمليات هدم وإعادة تهيئة أثارت اعتراضات لدى بعض السكان والهيئات الحقوقية. وتندرج تدخلات أخرى ضمن برامج تطوير البنية التحتية ومعالجة الاختلالات العمرانية. غير أن اختلاف أهداف هذه العمليات لا يلغي الحاجة إلى تقييم آثارها الاجتماعية. فنجاح المشاريع لا يقاس بحجم الأشغال وحده، بل بقدرتها على تحسين حياة السكان.

من إزالة المباني إلى إعادة تشكيل المدينة

ارتبط هدم المباني في المدن المغربية، خلال عقود، بمكافحة السكن غير اللائق وتوسيع الطرق وإنجاز المرافق العامة. وشملت هذه التدخلات أيضاً معالجة المنازل المهددة بالانهيار، حفاظاً على سلامة قاطنيها. غير أن بعض التحولات الحالية تطرح إشكاليات مختلفة، خصوصاً عندما تشمل أحياء قائمة ذات روابط اجتماعية مستقرة.

ويقدم حي المحيط بالرباط مثالاً على هذا النقاش. فقد شهدت أجزاء منه عمليات هدم وإعادة تهيئة أثارت تساؤلات بشأن التعويضات ومستقبل المجال العمراني. كما عبّر بعض السكان عن مخاوف تتعلق بفقدان مساكنهم والانتقال إلى مناطق أخرى.

ولا يمكن فصل هذه التحولات عن الموقع الجغرافي للحي وقيمته العقارية. فالمناطق القريبة من البحر والمراكز التاريخية تستقطب اهتماماً متزايداً من المستثمرين. كما تمنحها مشاريع التهيئة فرصاً جديدة للتطوير الاقتصادي. لكن ارتفاع قيمة الأرض قد يجعل استمرار إقامة بعض السكان أكثر صعوبة، خاصة عندما لا تواكب قدرتهم الشرائية تلك التحولات.

وتتجاوز آثار الانتقال من حي إلى آخر مسألة الحصول على مسكن بديل. فالحي فضاء تتراكم داخله علاقات الجوار والقرابة والعمل، وتتكون فيه شبكات التضامن اليومي. وعندما تنتقل الأسر إلى مناطق بعيدة، قد تتغير هذه العلاقات بصورة عميقة. ويكون التأثير أكبر لدى المسنين والأسر محدودة الدخل، خصوصاً عندما ترتبط مواردها الاقتصادية بمحيط الإقامة.

ومن هنا تبرز مفارقة أساسية في بعض مشاريع التجديد الحضري. فقد ترتفع القيمة الاقتصادية للمجال، بينما تتراجع قدرة سكانه الأصليين على الاستفادة منه. ولا يعني ذلك أن التجديد يؤدي دائماً إلى الإقصاء، لكنه يجعل دراسة آثاره الاجتماعية ضرورة لا يمكن تجاهلها.

التعويض عن العقار لا يعوض دائماً خسارة المكان

تحتل التعويضات موقعاً مركزياً في النزاعات المرتبطة بالإخلاء وإعادة الإسكان. وعندما يتعلق الأمر بمشروع ذي منفعة عامة، ينصب الاهتمام غالباً على الوضع القانوني للعقار وقيمته المالية. غير أن هذين العنصرين لا يعكسان جميع الخسائر التي قد تتحملها الأسرة بعد مغادرة مسكنها.

وتوضح النقاشات التي رافقت عمليات الهدم بحي المحيط أن الخلاف لا يتعلق بالتعويض وحده. فهناك أيضاً مسألة كفاية المبالغ المقترحة للحصول على مسكن بديل داخل المجال الحضري نفسه. كما تختلف أوضاع المالكين والمكترين وشاغلي العقارات، وهو ما يفرض مراعاة الوضع القانوني لكل حالة.

لكن الإشكالية الأعمق ترتبط بما يخسره السكان خارج القيمة المالية للمسكن. فقد تحصل أسرة على تعويض، ثم تضطر إلى الانتقال نحو ضاحية بعيدة بسبب ارتفاع الأسعار. وعندئذ قد ترتفع نفقات النقل وتتغير ظروف تمدرس الأطفال. وربما تفقد الأسرة أيضاً بعض مصادر دخلها المرتبطة بالحي السابق.

وهكذا قد يبدو التعويض مناسباً وفق تقييم عقاري معين، دون أن يضمن استمرار الظروف المعيشية السابقة. وتكشف هذه المفارقة عن أهمية إدماج البعد الاجتماعي في سياسات إعادة الإسكان، إلى جانب المعايير القانونية والمالية.

ويبرز هنا مفهوم العدالة المكانية، الذي يربط الحقوق الاجتماعية بطريقة توزيع الخدمات والموارد داخل المدينة. فالعدالة لا تتحقق بتوفير مسكن بديل فحسب، بل تشمل أيضاً موقعه وقربه من العمل والمدارس والمرافق الصحية. ومن دون هذه المقاربة، قد تتحول إعادة الإسكان إلى نقل للهشاشة من حي إلى آخر.

السكن والفقر.. علاقة تتجاوز الدخل والقدرة على الشراء

يكتسب الربط بين السكن والفقر أهمية خاصة عند تجاوز المقاييس التقليدية لمستوى المعيشة. فقد تتوفر الأسرة على دخل يسمح بتغطية بعض احتياجاتها، لكنها تظل معرضة للهشاشة السكنية. ويحدث ذلك عندما ترتفع تكاليف الإيجار، أو يتدهور المبنى، أو تصبح الخدمات الأساسية بعيدة عن مكان الإقامة.

وفي المدن المغربية، تتجلى هذه العلاقة في الأعباء المتعددة التي يتحملها السكان مقابل الاستقرار الحضري. فارتفاع أسعار العقار داخل المناطق المركزية يدفع بعض الأسر إلى البحث عن مساكن في الضواحي. وقد تكون أسعار الشراء أو الإيجار أقل هناك، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انخفاض تكاليف المعيشة.

فالانتقال إلى الأطراف يفرض أحياناً مسافات أطول للوصول إلى العمل أو المؤسسات التعليمية. كما قد ترتفع نفقات النقل، خصوصاً عندما تكون وسائل المواصلات العمومية محدودة. وبذلك يتحول التوفير في تكلفة المسكن إلى أعباء إضافية تثقل ميزانية الأسرة.

وتكشف هذه الوضعية عن حدود المقاربة التي تختزل أزمة السكن في نقص الوحدات العقارية. فبناء مساكن جديدة يظل ضرورياً، لكنه لا يكفي عندما تتجاوز أسعارها القدرة الشرائية للفئات المستهدفة. كما أن إنجاز أحياء سكنية دون تجهيزات مناسبة قد يوسع المجال العمراني، دون أن يحسن جودة الحياة.

ومن منظور التخطيط الحضري، يصبح المطلوب الانتقال من سياسة إنتاج المساكن إلى سياسة توفير شروط العيش. ويقتضي ذلك الربط بين السكن والنقل والتشغيل والتجهيزات العمومية. كما يستدعي مراعاة اختلاف احتياجات الأسر حسب الدخل والعمر وطبيعة النشاط الاقتصادي.

الفوارق المجالية.. حين تختلف أزمة السكن بين المدينة والقرية

لا تتوزع الهشاشة السكنية بصورة متساوية بين المجالات المغربية. فقد أظهرت معطيات المندوبية السامية للتخطيط تراجع الفقر متعدد الأبعاد خلال العقد الأخير. وانخفض معدله الوطني من 11.9 في المائة سنة 2014 إلى 6.8 في المائة سنة 2024. غير أن هذا التحسن لم ينهِ الفوارق بين الوسطين الحضري والقروي.

ففي سنة 2024، بلغ معدل الفقر متعدد الأبعاد 13.1 في المائة بالمناطق القروية، مقابل 3 في المائة بالمدن. كما ظل نحو 72 في المائة من الأشخاص المعنيين بهذا الفقر يعيشون في الوسط القروي. وتكشف هذه الأرقام استمرار اختلالات مجالية رغم التحسن المسجل على المستوى الوطني.

وتختلف مظاهر الأزمة باختلاف طبيعة المجال. ففي القرى والمراكز الصغيرة، يرتبط الخصاص أحياناً بجودة البناء وضعف التجهيزات وبعد الخدمات الأساسية. أما في المدن الكبرى، فتتداخل المشكلة مع ارتفاع الأسعار وضغوط السوق العقارية وتكاليف التنقل.

وتفرض هذه الاختلافات مراجعة السياسات التي تتعامل مع السكن باعتباره قطاعاً مستقلاً عن التنمية المجالية. فبناء مساكن جديدة لا يعالج وحده ضعف الخدمات أو محدودية فرص العمل. وبالمثل، فإن تحسين جودة البناء في القرى يظل محدود الأثر إذا استمرت صعوبات الوصول إلى التعليم والصحة والنقل.

وهكذا تصبح السياسة السكنية جزءاً من إشكالية أوسع تتعلق بتوزيع التنمية بين الجهات. فكلما تركزت الاستثمارات وفرص العمل داخل مدن محددة، ارتفعت الضغوط على سوق العقار فيها. وفي المقابل، تواجه المجالات الأقل تجهيزاً صعوبات إضافية في الاحتفاظ بسكانها.

من يستفيد من ارتفاع القيمة العقارية للمدينة؟

تتخذ العلاقة بين التهيئة العمرانية والسوق العقارية بعداً اقتصادياً لا يقل أهمية عن بعدها الاجتماعي. فعندما تُنجز السلطات طريقاً جديداً أو كورنيشاً أو شبكة نقل، تزداد جاذبية العقارات المحيطة بالمشروع. وقد ترتفع قيمتها، مما يحقق مكاسب للمالكين والمستثمرين.

غير أن هذه المكاسب لا تتوزع بالضرورة بصورة متساوية. فقد يجد بعض السكان محدودي الدخل أنفسهم أمام أسعار إيجار مرتفعة وتكاليف معيشة متزايدة. ومع مرور الوقت، قد تتغير التركيبة الاجتماعية للحي نتيجة انتقال فئات أكثر قدرة على تحمل هذه الأسعار.

ويعرف البحث الحضري هذه الظاهرة ضمن التحولات المرتبطة بإعادة تثمين المجالات الحضرية. وقد تقود، في بعض الحالات، إلى ما يسمى