عند العصر، حين تخف حرارة النهار، تخرج العيون إلى شوارعها. تمتلئ ساحة المشور بالعائلات والأطفال تحت أقواسها الأربعة العالية. ويزدحم شارع السمارة بالسيارات والمارة بين المحلات والمقاهي. في المقابل، يتجه آخرون غربا نحو كورنيش فم الواد، حيث تلتقي رمال الصحراء بموج الأطلسي. ومن يعود إلى المدينة بعد غياب طويل يجد صعوبة في التعرف عليها. فالتحولات العمرانية في العيون غيّرت ملامحها في سنوات قليلة أكثر مما غيّرتها عقود.
مدينة سمّاها الماء
لم يأت اسم العيون من فراغ. فالمدينة نشأت قرب مجرى الساقية الحمراء، في موضع اشتهر بعيون الماء. وكانت هذه العيون تستوقف الرحل والقوافل في مجال قليل الموارد. ثم بدأت ملامح المدينة الحديثة تتشكل خلال الحقبة الإسبانية، في ثلاثينيات القرن الماضي. وظلت لسنوات مركزا إداريا صغيرا، قبل أن يتسارع نموها في العقود الأخيرة.
ويكشف الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 حجم هذا التحول. فجماعة العيون وحدها تضم 262,791 نسمة، موزعين على 64,190 أسرة. ويمثل هذا الرقم أكثر من نصف سكان جهة العيون الساقية الحمراء، البالغ عددهم 451,028 نسمة. ويعيش أزيد من 92 في المائة منهم في الوسط الحضري. بعبارة أخرى، صارت الجهة كلها تقريبا جهة مدن، والعيون قلبها.

سياق لا يمكن تجاهله
لا يكتمل الحديث عن العيون دون استحضار سياقها الخاص. فالمدينة تقع في منطقة لا يزال وضعها النهائي موضوع مسار سياسي تشرف عليه الأمم المتحدة. وتديرها السلطات المغربية ضمن جهة العيون الساقية الحمراء. غير أن هذا المقال يقترب منها من زاوية أخرى، أقل حضورا في النقاش العام. والسؤال هنا بسيط: كيف يعيش الناس مدينتهم يوما بعد يوم؟
أحياء جديدة وأسئلة قديمة
يكفي أن تطل على العيون من مكان مرتفع لترى اتساعها. أحياء سكنية جديدة بلون الرمل والوردي الفاتح، ومحاور طرقية عريضة تحفها أشجار النخيل. وإلى جانبها مرافق إدارية ورياضية وثقافية لم تكن موجودة قبل سنوات. وقد رافق هذا التوسع تمديد لشبكات الماء والكهرباء والتطهير. كما تحسن ربط المدينة بمحيطها، من مطار الحسن الأول إلى الطريق السريع الذي يعبر الجنوب.
لكن المدينة التي تكبر في المساحة لا تكبر دائما بالتوازن نفسه. فهناك أحياء جديدة بحدائقها ومرافقها، وأحياء قديمة ما زالت أزقتها تنتظر التهيئة. ويلمس الفرق كل من يتنقل بينهما في يوم واحد. لذلك يبقى السؤال الأهم: من استفاد من المشاريع، وكم تبعد عن الأحياء التي تحتاجها أكثر؟

الصيد والإدارة، ثم ماذا؟
يقوم اقتصاد العيون على أعمدة معروفة. فميناؤها من أهم موانئ الصيد البحري في المملكة. ويرتبط بنشاط واسع في تثمين المنتجات البحرية وتصديرها. وإلى جانب الصيد، يحضر الفوسفاط القادم من منطقة بوكراع. فضلا عن ذلك، تمنحها وظيفتها كعاصمة جهوية وزنا إداريا وتجاريا كبيرا. وتعزز هذا الوزن اليوم استثمارات في الطاقات المتجددة والبنيات التحتية.
غير أن الاستثمار الكبير لا يعني دائما شغلا كافيا. فالشاب الذي ينهي دراسته في العيون يسأل سؤالا بسيطا: أين سأعمل؟ وإذا انحصر الجواب في الوظيفة العمومية أو في قطاعات قليلة، تخاطر المدينة بخسارة شبابها. فقد تصير مكانا للعيش دون أن تكون مكانا للطموح. ولهذا فإن معيار النجاح هو نوع الوظائف وأجورها. وكذلك قدرة المقاولات الصغيرة والمتوسطة المحلية على أخذ نصيبها من الأوراش الكبرى.
الماء: الحد الخفي
في مدينة تحمل اسم الماء، يبقى الماء نفسه أكبر التحديات.
العيون تعتمد أساسا على تحلية مياه البحر لتزويد سكانها. وكل حي جديد وكل حديقة جديدة يعنيان طلبا إضافيا على مورد مكلف ونادر. لذلك فإن الحد من الهدر في الشبكات ليس تفصيلا تقنيا. والأمر نفسه ينطبق على إعادة استعمال المياه المعالجة في السقي. فهما معا شرط لاستمرار النمو نفسه.
وتطرح الحرارة تحديا مشابها. فالظل في مدينة صحراوية ليس ترفا. والشارع الخالي من الأشجار ومن أماكن الانتظار المغطاة يصبح صعب الاستعمال ساعات طويلة. ويعاني ذلك أكثر كبار السن والأطفال ومن ينتظرون الحافلة. لهذا ينبغي أن يدخل المناخ في التصميم من البداية، لا بعد اكتمال المشاريع.
المدينة من الرصيف
يمكن قياس جودة الحياة في أي مدينة بتجربة يومية بسيطة. كم من الوقت يحتاج المواطن ليصل إلى عمله أو مدرسة أبنائه أو المستشفى؟ وكم يكلفه ذلك؟ وهل يستطيع أن يقطع المسافة مشيا على رصيف مريح وآمن؟ وفي العيون، كما في مدن كثيرة تتوسع بسرعة، تحتاج هذه الأسئلة إلى أرقام دقيقة. وأهمها تغطية النقل العمومي وتردده وأسعاره. ثم قدرة الأشخاص في وضعية إعاقة على الوصول إلى المحطات والمرافق.
أما الفضاءات العامة، فالعيون تملك منها الكثير، من ساحة المشور إلى الكورنيش. لكن قيمتها الحقيقية تظهر حين تتوزع على كل الأحياء. كما تحتاج إلى صيانة دائمة حتى تبقى صالحة بعد سنوات من تدشينها.

من الإنجاز إلى المحاسبة
يمنح القانون التنظيمي للجماعات الترابية أدوات للتخطيط والمشاركة. ومن هذه الأدوات برامج العمل والهيئات التشاورية والعرائض. غير أن هذه الأدوات لا تساوي شيئا إذا جهلها السكان. ولا تنفع أيضا إذا غابت المعلومات الكافية لاستعمالها. فالمواطن الذي يمر كل صباح أمام سوق جديد أو شارع موسع يعرف مشكلاته جيدا. بل يعرف أحيانا ما تغفل عنه الدراسات التقنية. وإشراكه لا يلغي دور المهندس، بل يكمله.
امتحان المدينة العادلة
تقف العيون اليوم أمام امتحان تواجهه مدن كثيرة في العالم العربي. والامتحان هو أن يصل أثر الطرق والمباني والاستثمارات إلى حياة الناس فعلا. ولا يحسم هذا الامتحان رقم استثماري ولا مشروع واحد. بل تحسمه أسئلة أبسط وأصعب: هل صار السكن في متناول الأسر الشابة؟ هل يجد الشباب عملا دون أن يغادروا؟ هل يكفي الماء للأجيال القادمة؟ وهل يملك السكان كلمة في شكل مدينتهم؟
في المساء، تضيء الأنوار ساحة المشور ويعود الهدوء إلى الكورنيش. عندها تبدو العيون مدينة واثقة من صورتها الجديدة. ويبقى على التحولات العمرانية في العيون أن تثبت عدالتها مع كل من يعيشون فيها.



