استمع إلى المقال4 دقائق تقريباً

ثمة كتب تقرأها مرة واحدة، وثمة كتب تظل تقرئك كلما عدت إليها. ومن هذا النوع الثاني كتاب «المدن الخفية» للكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو. وقد صدر بالإيطالية عام 1972 عن دار «إيناودي»، ثم تُرجم إلى لغات كثيرة، ومنها العربية التي عرفته بأكثر من عنوان، بينها «مدن لا مرئية» و«مدن الخيال».

قد يستغرب القارئ أن تخصص مجلة عن العمران مساحة لعمل أدبي. غير أن هذا الكتاب تحديدًا تجاوز رفوف الأدب، فصار يُدرّس اليوم في أقسام العمارة والتخطيط والأنثروبولوجيا. ولهذا الانتقال سبب وجيه.

 حكاية بسيطة، بناء معقد

يقوم الكتاب على فكرة بسيطة في ظاهرها. فالإمبراطور المغولي قبلاي خان يحكم إمبراطورية مترامية لا يستطيع أن يراها كلها. لذلك يستمع إلى الرحالة البندقي ماركو بولو، الذي يصف له المدن التي زارها في أرجاء المملكة.

لكن المدن التي يصفها ماركو لا وجود لها على أي خريطة. فهي خمس وخمسون مدينة، تحمل كلها أسماء نساء، ويتوزع وصفها على تسعة فصول. ويفتتح كل فصل ويختمه حوار قصير بين الرحالة والإمبراطور.

وتحت هذا السطح الحكائي، يخفي كالفينو هندسة صارمة. فالمدن مقسمة إلى إحدى عشرة مجموعة، من بينها «المدن والذاكرة» و«المدن والرغبة» و«المدن والعلامات» و«المدن والموتى» و«المدن الخفية». بعبارة أخرى، كتب كالفينو كتابًا عن المدن بالطريقة التي تُبنى بها المدن: نظام دقيق يسمح بالمفاجأة.

مدن نعرفها دون أن نزورها

تكمن عبقرية الكتاب في أن كل مدينة متخيلة تشبه، بطريقة ما، مدينة حقيقية نعرفها.

خذ مثلًا مدينة «ليونيا». فهي مدينة تجدد نفسها كل صباح، فيرتدي سكانها ثيابًا جديدة، ويستعملون أدوات لم تُفتح أغلفتها بعد. وفي المقابل، تتراكم نفايات الأمس خارج أسوارها، حتى تصير جبالًا تحاصرها من كل جانب. كتب كالفينو هذا الوصف قبل أكثر من خمسين عامًا. ومع ذلك، يقرؤه ساكن أي مدينة عربية اليوم، فيتذكر المطرح الكبير على أطراف مدينته.

ثم هناك «ديسبينا»، المدينة التي تبدو مختلفة بحسب الطريق الذي تأتيها منه. فالقادم عبر الصحراء يراها سفينة تعده بالرحيل، والقادم من البحر يراها قافلة جمال تعده بالاستقرار. وهنا يلمس كالفينو حقيقة يعرفها كل مخطط: المدينة لا تُرى بعين واحدة. فهي عند المستثمر فرصة، وعند الساكن ذاكرة، وعند المهاجر ملجأ.

أما «أوكتافيا»، فمدينة معلقة بين جبلين فوق هاوية، على شبكة من الحبال. ويعيش سكانها مطمئنين أكثر من سكان المدن الثابتة، لأنهم يعرفون أن الشبكة لن تدوم طويلًا. وتبدو هذه الصورة اليوم قريبة من مدن تعيش على حافة الخطر، من بيوت معلقة فوق السفوح إلى أحياء بُنيت فوق أراضٍ هشة.

البندقية في كل مكان

في أحد الحوارات، يسأل قبلاي خان رحالته لماذا لم يحدثه قط عن مدينته البندقية. فيجيبه ماركو، بما معناه، إنه لم يكن يتحدث عن شيء آخر.

هذه الإجابة مفتاح الكتاب كله. فكل مدينة نصفها تحمل أثر المدينة التي نشأنا فيها. وحين نسافر، لا نرى المدن الجديدة كما هي، بل نقارنها دائمًا بمدينتنا الأولى. لذلك يقول الكتاب شيئًا عميقًا عن المهندسين والمخططين أيضًا: كل من يرسم مدينة جديدة يحمل في رأسه مدينة قديمة، شاء ذلك أم أبى.

 لماذا يقرؤه المعماريون؟

لا يقدم كالفينو نظرية في التخطيط، ولا يعطي حلولًا تقنية. غير أنه يدرب القارئ على نوع نادر من النظر. فهو يعلمه أن يرى المدينة علاقات لا مباني، وذاكرة لا شوارع، ورغبات متصارعة لا مخططات هندسية.

ولهذا السبب، خُصصت للكتاب دراسات أكاديمية كاملة بمناسبة ذكراه الخمسين. وتعامل معه الباحثون فيها لا كرواية فحسب، بل كنوع من الإثنوغرافيا والكتابة عن المكان والتنظير الحضري.

الجحيم الذي نعيش فيه

ينتهي الكتاب بتأمل يُعد من أشهر ما كتبه كالفينو. فماركو بولو يرى أن الجحيم ليس شيئًا سيأتي في المستقبل، بل هو المدينة التي نعيش فيها كل يوم. ويقترح طريقتين للنجاة منه. الأولى سهلة: أن نقبله ونصير جزءًا منه حتى لا نعود نراه. والثانية صعبة: أن نبحث وسط الجحيم عمّن وما ليس جحيمًا، ثم نمنحه مكانًا ونساعده على البقاء.

ربما تكون هذه أجمل نصيحة يمكن أن يتلقاها من يعمل في المدينة أو يكتب عنها: ألا يستسلم لقبحها، وألا ينكره أيضًا. بل أن يبحث عن الحديقة الصغيرة، والجار الطيب، والزقاق الذي لا يزال يحتفظ بروحه، ثم يدافع عنها.