استمع إلى المقال4 دقائق تقريباً

قبيل منتصف ليل التاسع من دجنبر 2025، انهارت عمارتان متلاصقتان من أربعة طوابق في حي المستقبل بمقاطعة المسيرة في فاس. كانتا تؤويان ثماني أسر. وحين انتهت فرق الإنقاذ من رفع الركام، بلغت الحصيلة 22 قتيلًا و16 جريحًا. وقال أحد السكان إن الأهالي اشتكوا سنوات من تصدع المبنيين، دون أن يتغير شيء.

لم تكن تلك الفاجعة الأولى، ولا الأخيرة. ففي ماي 2025، سقطت بناية في حي الحسني فقتلت تسعة أشخاص. وفي ماي 2026، انهارت عمارة أخرى في حي عين النقبي، وارتفعت الحصيلة إلى 15 قتيلًا. ثلاث مآسٍ في مدينة واحدة، خلال اثني عشر شهرًا.

 البنايات الآيلة للسقوط في المغرب: أرقام ثقيلة

لا تخص المشكلة فاس وحدها. فقد صرّح كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بن إبراهيم، بأن نحو 38800 بناية في المغرب مصنفة رسميًا مهددة بالانهيار. وفي يونيو 2026، أوضح أمام مجلس المستشارين أن السلطات أحصت 53728 بناية، وأنجزت خبرة تقنية على 28 ألفًا منها.

وفي جهة طنجة تطوان الحسيمة وحدها، تحدثت معطيات رسمية في مارس 2026 عن 6999 بناية مهددة. وكانت تطوان والقصر الكبير الأكثر تضررًا. كما أطلقت السلطات في طنجة، أواخر 2025، إحصاءً شاملًا للمباني الهشة قبل موسم الأمطار.

ويحمل المغاربة في ذاكرتهم سابقة أقسى. ففي عام 2010، انهارت صومعة مسجد في مكناس، وقُتل 41 مصليًا.

 الصورة النمطية الخاطئة

يتخيل كثيرون أن البناية الآيلة للسقوط بيت طيني عتيق في قلب المدينة القديمة. غير أن فاجعة دجنبر 2025 كسرت هذه الصورة.

فالعمارتان لم تكونا في حي عتيق، بل شُيّدتا عام 2006 ضمن برنامج حكومي لإعادة إيواء سكان الأحياء الصفيحية. وقد حصل المستفيدون على بقع أرضية، وبنوا بيوتهم بأنفسهم. وأشارت مصادر إلى أن طابقين إضافيين أُضيفا دون ترخيص. كما ربط مسؤول محلي انهيار ماي 2026 ببناء غير مرخص.

بعبارة أخرى، الخطر لا يأتي من الزمن وحده، بل من طريقة البناء أيضًا. فعمارة شابة قد تكون أخطر من بيت عمره قرنان، إذا ارتفعت فوق أساسات لم تُصمم لحملها.

 ثلاثة أسباب، وأزمة واحدة

يمكن تلخيص أسباب الانهيارات في ثلاث عائلات.

أولًا، الشيخوخة والإهمال. ففي المدن العتيقة، تتآكل الجدران والأسقف الخشبية، ويغيب الترميم لأن الملاك متعددون أو فقراء أو غائبون.

ثانيًا، البناء العشوائي والزيادات غير المرخصة. فحين تكبر الأسرة ولا تجد سكنًا، تضيف طابقًا فوق السطح. ويمر ذلك أحيانًا تحت أعين السلطات المحلية.

ثالثًا، العوامل الطبيعية. فالأمطار الغزيرة تتسرب إلى الجدران والأساسات، ولهذا تتكرر الانهيارات غالبًا مع دخول فصل الشتاء.

 الإسكندرية: حين يزحف البحر تحت البيوت

على الضفة الشرقية للمتوسط، تواجه الإسكندرية الأزمة نفسها بوجه مختلف. فقد رصدت دراسة نشرتها مجلة «إيرثس فيوتشر» في 2025 انهيار أكثر من 280 مبنى على ساحل المدينة خلال عقدين. وحذرت من أن نحو 7000 مبنى آخر مهدد.

السبب هنا ليس الإضافات العشوائية وحدها. فارتفاع مستوى البحر وتآكل الشاطئ يدفعان المياه المالحة تحت الأساسات، فتأكل الحديد والخرسانة من الأسفل. لذلك تبدو الإسكندرية إنذارًا مبكرًا لما قد تواجهه مدن ساحلية عربية أخرى.

 لماذا لا يُخلى الناس؟

يطرح كل انهيار السؤال ذاته: لماذا بقي السكان في بيت مصنف خطيرًا؟ والجواب أعقد مما يبدو.

ففي انهيار ماي 2025، كانت البناية قد صُنّفت آيلة للسقوط، وصدر في حقها قرار بالإخلاء. بل ذكر وزير أن خمس أسر رفضت أمر إخلاء يعود إلى 2018. غير أن الرفض نادرًا ما يكون عنادًا. فالأسرة الفقيرة تخشى أن تخرج من بيتها دون أن تجد بديلًا، أو أن تفقد حقها في السكن نهائيًا.

لهذا يفشل الإخلاء حين يأتي وحده. فالقرار الإداري لا يقنع أحدًا إذا لم يرافقه عرض سكني واضح، وتعويض عادل، وجدول زمني يُحترم.

 ماذا بعد؟

بعد كل فاجعة، تُفتح تحقيقات. ففي أبريل 2026، فتحت محكمة في فاس تحقيقًا في انهيارات أودت بحياة 22 شخصًا. لكن التحقيق يحدد المسؤوليات بعد السقوط، ولا يمنع السقوط القادم.

يحتاج الأمر إلى ثلاثة تحولات. أولًا، خريطة عامة ومحدثة للمباني المهددة، يطلع عليها السكان أنفسهم. ثانيًا، صرامة حقيقية مع الطوابق غير المرخصة، تشمل من بنى ومن غض الطرف. ثالثًا، صندوق للترميم والإسكان البديل، يجعل الخروج من البيت الخطر خيارًا ممكنًا لا عقابًا.

فالبيت هو المكان الذي يُفترض أن يحمي أهله. وحين يصير هو الخطر، فالمسؤولية لا تقع على الجدران وحدها.