بعد كل انهيار، نعيد المشهد نفسه بدقة تكاد تكون طقسًا. سيارات الإسعاف، ثم الحصيلة الأولى، ثم الحصيلة المصححة، ثم بلاغ يعلن فتح تحقيق. وبعد أيام، تهدأ العاصفة، ونعود إلى ما كنا عليه. وفي دجنبر 2025، حين سقطت عمارتان في حي المستقبل بفاس وقتل اثنان وعشرون شخصًا، تسربت إلى الصحافة تفصيلة صغيرة كان ينبغي أن توقفنا طويلًا: طابقان أُضيفا دون ترخيص.
طابقان. ليس زلزالًا ولا فيضانًا ولا قدرًا أعمى. بل قرار بشري، اتخذه أحدهم ذات يوم، ونفّذه بنّاء، ورآه جيران، ومرّ أمام أعين من يُفترض أنهم يراقبون. ثم مرت السنوات، وصار الطابق الزائد جزءًا من المشهد، إلى أن قرر الإسمنت أن يقول كلمته.
من بنى؟ ومن رأى؟
السهل أن نلوم المالك. فهو الذي أراد أن يُسكن ابنه المتزوج حديثًا، أو أن يؤجر غرفتين ليسدد قرضه. لكن من يتوقف عند المالك يكتفي بنصف الحكاية.
ذلك أن الطابق الزائد لا يُبنى في الخفاء. فالإسمنت يصل في شاحنة، والحديد يُرفع بالرافعة، والبنّاؤون يعملون أسابيع على السطح أمام الحي كله. ومع ذلك، لا يأتي أحد ليوقف الأشغال. ولهذا الصمت أسماء كثيرة: «الله يستر»، و«الناس محتاجة»، و«ماشي وقتو». وأحيانًا يكون له ثمن لا يُكتب في أي محضر.
ثم هناك المنتخب الذي يعرف أن الهدم لا يجلب الأصوات، وأن التسامح يجلبها. وهناك الإدارة التي تؤجل الملفات الشائكة حتى تنفجر. وهناك نحن جميعًا، الذين نرى العمارة تنمو كل سنة طابقًا، فنتعامل معها كأنها شجرة.
الضحية التي لم تبنِ شيئًا
أكثر ما يؤلم في هذه المآسي أن الضحية غالبًا ليست من بنى الطابق الزائد. بل هي الأسرة المكترية في الطابق الأرضي، التي دفعت إيجارها بانتظام، ولم تُستشر في شيء. أو هو الطفل الذي كان نائمًا في غرفة لم يخترها.
لذلك، لا يكفي أن نقول إن المخالف يتحمل مسؤوليته. فالحجر لا يميز بين من خالف ومن سكت ومن لم يعرف أصلًا.
وفي المقابل، علينا أن نعترف بشيء آخر. فالأسرة التي تبني فوق سطحها لا تفعل ذلك دائمًا بدافع الجشع. بل تفعله لأن السكن غالٍ، ولأن الحصول على رخصة التعلية يبدو لها طريقًا طويلًا ومكلفًا، ولأن المهندس المعتمد ترف لا تملكه. وحين يكون القانون أصعب من المخالفة، تنتصر المخالفة.
الصرامة وحدها لا تكفي
يحصي المسؤولون اليوم عشرات الآلاف من البنايات المهددة بالانهيار في المغرب. وهذا رقم يكفي ليفهم الجميع أننا لسنا أمام حوادث معزولة، بل أمام نمط عمراني كامل.
والحل لا يبدأ بالجرافة. فهدم الطوابق المخالفة دون بديل يحوّل المأساة الممكنة إلى مأساة اجتماعية مؤكدة. لكنه لا يبدأ أيضًا بالتسامح، لأن التسامح هو الذي أوصلنا إلى هنا.
المطلوب أن يصير الطريق القانوني أسهل من الطريق المخالف. خبرة تقنية بثمن رمزي لكل من يريد التعلية. ورخصة مبسطة في آجال معقولة. ثم مساءلة حقيقية، تشمل من بنى ومن رخّص ومن رأى وسكت. فإذا بقيت العقوبة تطال الحلقة الأضعف وحدها، فستستمر السلسلة كما هي.
لقد كتبنا بعد كل انهيار أننا «تعلمنا الدرس». والحقيقة أننا لم نتعلم شيئًا بعد. فالدرس الحقيقي لا يُكتب في البلاغات، بل يُرى فوق الأسطح. وما دمنا نرفع رؤوسنا كل يوم فنرى طوابق جديدة تنمو بلا رخصة، فنحن ننتظر الفاجعة القادمة، لا أكثر.