استمع إلى المقال4 دقائق تقريباً

في الحادي والعشرين من يونيو 2017، دوّى انفجار في قلب الموصل القديمة. في لحظات، سقطت منارة الحدباء التي مالت فوق المدينة قرونًا، وسقط معها جامع النوري الكبير. كان مقاتلو «داعش» قد فخّخوا المكان قبل أن تصلهم القوات العراقية. وبعد أسابيع، انتهت المعركة، لكن المدينة القديمة كانت قد تحولت إلى ركام.

اليوم، تقف الحدباء من جديد. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بهدوء: هل يكفي أن تعود المنارة كي تعود المدينة؟

 إعادة إعمار الموصل: حجم الجرح

تقدّر اليونسكو أن نحو 80 في المئة من المدينة القديمة دُمّر خلال تلك الفترة. وفي 2018، قدّرت الأمم المتحدة أن أكثر من 8000 منزل في المدينة القديمة تضرر أو انهار. لم تكن هذه أرقامًا عن حجارة فقط. فكثير من البيوت المنهارة صار قبورًا لأهلها، وظلت المتفجرات مدفونة تحت أنقاضها سنوات.

غير أن الموصل ليست مدينة عادية. فاسمها بالعربية يعني «نقطة الوصل»، وقد جمعت عبر تاريخها مسلمين ومسيحيين وأيزيديين وكردًا. لذلك لم يكن الدمار عمرانيًا فحسب، بل أصاب نسيجًا اجتماعيًا عمره قرون.

«إحياء روح الموصل»: أكبر ورشة في تاريخ اليونسكو

في 2018، أطلقت المديرة العامة لليونسكو أودري أزولاي مبادرة «إحياء روح الموصل». وتصفها المنظمة بأنها أطموح حملة إعمار نفذتها مباشرة في تاريخها. بلغت كلفة البرنامج أكثر من 115 مليون دولار، وموّلته أساسًا دولة الإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي.

شملت الورشة جامع النوري ومنارته، وكنيسة الطاهرة، ودير الساعة. كما رُمّم 124 بيتًا تراثيًا في المدينة القديمة، تؤوي نحو 170 أسرة. وقد أزال العمال أكثر من 12 ألف طن من الأنقاض، واستُخرجت من موقع الجامع وحده 115 عبوة ناسفة.

والأهم أن المشروع راهن على أهل المدينة. فقد درّب أكثر من 1300 شاب على الحرف والتقنيات التقليدية، كي لا يبقى الإعمار عملًا مستوردًا.

منارة بطوبها القديم

اختار المرممون أصعب الطرق: الوفاء للأصل. فقد أعيد بناء الحدباء بارتفاعها البالغ 45 مترًا، واستُعمل في واجهتها نحو 26 ألف طوبة قديمة. كما احتفظت بميلانها الشهير، البالغ 160 سنتيمترًا، كما كان في ستينيات القرن الماضي.

وفي 5 فبراير 2025، احتفلت اليونسكو بانتهاء الأشغال. ثم افتتح رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني المعالم الثلاثة رسميًا في الأول من سبتمبر 2025.

لم يكن الأمر مجرد ترميم. فالجامع الذي أمر ببنائه نور الدين زنكي عام 1172 أعيد تصميمه عبر مسابقة دولية. وقد فاز بها في 2021 فريق من ثمانية معماريين مصريين، يقوده صلاح الدين سمير هريدي، بمشروع حمل اسم «حوار الأفنية». واختيرت فكرته من بين 123 مقترحًا، لأنها لم تتعامل مع الجامع كمبنى معزول. بل ربطته بالأحياء المحيطة عبر فضاءات عامة مفتوحة وخمسة مداخل من الشوارع المجاورة.

 الوجه الآخر للصورة

حتى الآن، تبدو القصة قصة نجاح. لكن الصورة تكتمل حين نخرج من ساحة الجامع إلى الأزقة المجاورة.

ففي حي الميدان، أحد أقدم أحياء الموصل وأكثرها تضررًا، لا يزال سكان يعيشون بين ركام بيوتهم. وقد أعلنت بلدية الموصل في 2025 بدء إعادة بناء 546 منزلًا مدمرًا، اكتمل منها نحو 60 فقط. أي أن المنجز لا يتجاوز 7 في المئة من البيوت المستهدفة. ويرجع المتابعون هذا البطء إلى ضعف التمويل، وتعقيد الإجراءات، والانقسامات السياسية.

هنا تكمن المفارقة. فالمعالم الكبرى وجدت مموّلين دوليين، لأنها رموز تُرى من بعيد. أما البيت العادي، فلا يحمل رمزية كافية لجذب المانحين. ومع ذلك، فالبيت العادي هو ما يصنع المدينة.

الحجر أم الناس؟

لا يعني هذا التقليل مما تحقق. فإعادة الحدباء أعادت إلى أهل الموصل جزءًا من ذاكرتهم وكرامتهم. وقد قال أحد العاملين في المشروع إن الحدباء هي هوية المدينة، وإن ترميمها استعادة لتلك الهوية.

لكن الهوية لا تسكن المنارات وحدها. فهي تسكن أيضًا في البقال الذي يعرف زبائنه بأسمائهم، وفي الجارة التي تنادي من الشباك، وفي الأطفال الذين يلعبون في الزقاق. وإذا عادت المنارة دون أن يعود هؤلاء، فستتحول المدينة القديمة إلى متحف جميل، لا إلى حي حي.

 دروس لمدن عربية أخرى

تواجه مدن عربية كثيرة اليوم السؤال نفسه، من حلب إلى غزة. وتقدّم تجربة الموصل درسين واضحين.

أولًا، يجب أن يسير ترميم المعالم وإعادة بناء المساكن معًا، لا أن يسبق أحدهما الآخر بسنوات. ثانيًا، يجب أن يبقى السكان شركاء في القرار، لا مجرد مستفيدين ينتظرون التسليم.

لقد نجحت الموصل في إعادة رفع منارتها. ويبقى أمامها الامتحان الأصعب: أن ترفع الأصوات في أزقتها من جديد.