استمع إلى المقال2 دقائق تقريباً

قبل أن تصبح مدنًا، كانت كثير من البلدات المغربية مجرد يوم في الأسبوع. يكفي أن نقرأ أسماءها: سوق الأربعاء الغرب، والخميسات، وحد السوالم. فالاسم هنا ليس مكانًا فحسب، بل موعد: اليوم الذي يلتقي فيه الفلاح والتاجر والحرفي على أرض واحدة.

 اقتصاد بحجم بلد

لا يزال السوق الأسبوعي حاضرًا بقوة في الاقتصاد المغربي. فبحسب وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، يبلغ عدد هذه الأسواق 822 سوقًا، منها 753 في العالم القروي و69 في الوسط الحضري، وتستقبل نحو 2.6 مليون زائر كل أسبوع.

لكن السوق ليس مكانًا للبيع فقط. ففيه يحلق الحلاق، ويُصلح الحداد المحراث، ويلتقي الناس بالإدارة والطبيب والقريب. بعبارة أخرى، كان السوق تاريخيًا مركزًا حضريًا متنقلًا، يظهر يومًا ويختفي ستة أيام.

## من الموعد إلى العمران

ولهذا نشأت بلدات كثيرة حول أسواقها. فحين يتكرر اللقاء أسبوعًا بعد أسبوع، تُبنى حوله دكاكين ثابتة، ثم مقهى، ثم بيوت، ثم إدارة. وهكذا تحوّل الموعد إلى عمران.

غير أن هذه العلاقة بدأت تنقلب. فمع توسع البلدات، صار السوق محاصرًا بالبنايات، ويُنقل أحيانًا إلى الأطراف، بعيدًا عن المركز الذي صنعه بنفسه.

 اختلالات تنتظر الإصلاح

ولا يخفي المسؤولون حجم المشاكل. فقد تحدث لفتيت عن تقادم البنيات التحتية وهيمنة الوسطاء وضعف المهنية. كما تفيد معطيات رسمية بأن 52 في المئة من الأسواق غير مرتبطة بشبكة الماء والتطهير. لذلك أعلنت الحكومة في 2024 برنامجًا بمليار درهم لتأهيل هذه الأسواق، بشراكة بين وزارات الداخلية والفلاحة والصناعة والتجارة.

 أي تأهيل نريد؟

السؤال الحقيقي ليس هل نؤهل الأسواق، بل كيف. فالخطر أن يتحول التأهيل إلى سور وبوابة وأرضية إسمنتية، فيفقد السوق مرونته وروحه. أما التأهيل الناجح، فيبدأ من وظيفة السوق نفسها: ماء ومراحيض وظل، ومساحات منظمة للماشية والخضر والحرف، وربط بالنقل.

في النهاية، السوق الأسبوعي ليس من بقايا الماضي. إنه أحد أقدم أشكال العمران عندنا، ولا يزال قادرًا على أن يكون قلب البلدة، إذا خططنا له بدل أن نخطط ضده.