خلف جدران مجالس القات النسائية في تعز.. ماذا يدور في المقيل؟
يعتمد الاستماع على توفر صوت مناسب في متصفحك.

في تعز، لا تقتصر مجالس القات النسائية على مضغ الأوراق؛ فهي فضاءات للترفيه وتبادل الأحاديث ومناقشة السياسة والمشكلات الزوجية، وأحياناً لتسويق المنتجات وبناء شبكات اجتماعية واقتصادية. وبينما تجد فيها بعض النساء متنفساً ودعماً في مدينة أثّرت الحرب في فضاءاتها العامة، تراها أخريات مصدراً لإهدار الوقت وكشف الخصوصيات.
يفتح هذا التنوع في وظائف المقيل سؤال التقرير المركزي: ما الذي تبحث عنه النساء داخل هذه المجالس؟ ولماذا يتحول البيت إلى فضاء اجتماعي بديل؟ وهل يرتبط انتشارها بنقص الأماكن العامة الآمنة، أم بالحاجة إلى التواصل والتنفيس، أم بكليهما؟
خمس ساعات داخل المقيل
وجدان حمادي، من سكان منطقة بئر باشا في مديرية المظفر، واحدة من النساء اللواتي اعتدن حضور هذه المجالس. تقول إن الجلسات التي تحضرها تجمع بين القات والأغاني والأحاديث، فيما تكون الشيشة حاضرة أحياناً، وتنتقل الجلسة بين منازل الصديقات.
وتصف وجدان الأجواء بقولها: «جلسات القات النسائية التي أحضرها فيها مرح وأغانٍ، ولا يمر يوم تقريباً دون أن أجتمع مع صديقاتي في الحارة».
قد تبدأ بعض هذه الجلسات في الثالثة عصراً وتستمر حتى السابعة، وقد تمتد إلى التاسعة مساء في المناسبات. وتختلف وتيرة الحضور؛ فهناك من تجتمع بصورة شبه يومية، بينما تفضل أخريات اللقاء أسبوعياً أو في المناسبات.
ولا تتوافر أرقام ميدانية كافية تسمح بتحديد حجم الظاهرة في تعز، ولذلك تظل هذه الشهادات وصفاً لتجارب نساء تحدث إليهن التقرير، ولا يمكن تعميمها على جميع نساء المدينة أو اليمن.
السياسة تدخل مجلس النساء
داخل المقيل لا تبقى الأحاديث محصورة في شؤون المنزل. نجود أحمد، وهي موظفة حكومية في تعز، تقول إن الساعات التي تمضيها مع صديقاتها تجمع بين الاستماع إلى الأغاني والحديث عن المشكلات اليومية، لكن السياسة تحضر بدورها، خصوصاً مع استمرار الأزمات التي يعيشها اليمن.
وتصف نجود النقاش السياسي بشيء من السخرية: «عندما يبدأ الحديث في السياسة، تتحول النساء الحاضرات إلى محللات سياسيات، ويحتدم النقاش بين مؤيدة ومعارضة وكأننا في مجلس النواب».
بالنسبة إليها، يشكل المقيل «فضاءً حراً» تستطيع فيه النساء الحديث عن موضوعات مختلفة والشعور بقدر من الراحة والسعادة. لكن سامية العمدة، وهي معلمة في مديرية القاهرة، تقدم تجربة أخرى، إذ تقول إن الخلافات السياسية قد تتطور أحياناً إلى مشادات كلامية بين الحاضرات.
وتظل هذه ملاحظات شخصية مرتبطة بالمجالس التي عرفتها صاحباتها، لكنها تكشف كيف تدخل الانقسامات السياسية الموجودة في المجتمع إلى فضاء اجتماعي يبدو، من الخارج، بعيداً عن السياسة.
عندما تخرج المشكلات الزوجية من البيت
أم غصون صالح، وهي ربة بيت من مديرية المظفر، تقول إن جزءاً مهماً من أحاديث النساء يتعلق بالمشكلات الاجتماعية والأسرية. وقد تتحدث المرأة عن مشكلة مع زوجها بحثاً عن رأي أو نصيحة من صديقاتها.
وتقول: «نحن في جلساتنا النسوية نناقش مشاكلنا، وكل واحدة تطرح ما يؤرقها ويكدر خاطرها».
وترى أم غصون أن تبادل التجارب قد يساعد المرأة على التعامل مع بعض مشكلاتها، لكن فاطمة أحمد، وهي موظفة في السلطة المحلية بتعز، وصلت إلى موقف معاكس. فقد هجرت مجالس القات لأنها وجدت أن بعض الأحاديث تتجاوز الحدود التي تقبلها في الحديث عن الحياة الخاصة، خصوصاً عندما تصل إلى تفاصيل زوجية شديدة الخصوصية.
هكذا يؤدي المجلس وظيفتين متناقضتين في الوقت نفسه: قد يكون بالنسبة إلى امرأة شبكة للدعم الاجتماعي، بينما تراه أخرى مكاناً قد تخرج منه أسرار الأسرة إلى دائرة أوسع.
المقيل يتحول إلى سوق صغيرة
أم عبد الكريم الصبري، من مديرية صبر الموادم، وجدت وظيفة مختلفة لهذه التجمعات.
منذ نحو ثماني سنوات، تقول إنها تحضر مجالس نسائية وتستفيد من وجود عدد من النساء في مكان واحد لعرض منتجات تعدها بنفسها، مثل البخور والعطور.
هذه التجربة تفتح جانباً لا يظهر عادة عند الحديث عن مجالس القات: الاقتصاد النسائي غير الرسمي. فالعلاقات الاجتماعية داخل المجلس يمكن أن تتحول إلى شبكة زبونات، وقد يصبح اللقاء الاجتماعي قناة صغيرة لتسويق المنتجات المنزلية.
وتقول أم عبد الكريم إن الأحاديث نفسها تنتقل بين السياسة والمسلسلات التركية والمشكلات الزوجية، إضافة إلى ما تصفه بـ«النميمة والغيبة».
لكن تجربتها الاقتصادية تحتاج إلى استكمال: هل توجد نساء أخريات يستخدمن المجالس بالطريقة نفسها؟ وهل يمثل البيع داخلها دخلاً مهماً أم نشاطاً جانبياً محدوداً؟
لماذا غادرت نساء هذه المجالس؟
أم عمران، وهي معلمة في تعز، اختارت الابتعاد عن المقيل. تقول إنها وجدته مستنزفاً لجزء كبير من وقتها، كما لم تعد مرتاحة إلى الأحاديث المتعلقة بخصوصيات الآخرين.
وتضيف: «تفرغت للاهتمام بمسؤولياتي تجاه بيتي وزوجي، وتطوير نفسي والبحث عما هو جديد عبر الإنترنت، ووفرت على نفسي المشكلات وتمتعت براحة بال».
وتشير أشجان عبد الكريم، وهي تربوية من تعز، إلى أن كشف الأسرار الزوجية داخل بعض المجالس قد يؤدي، من وجهة نظرها، إلى مشكلات أسرية واجتماعية.
أما القول إن حضور المرأة للمقيل يؤدي تلقائياً إلى إهمال الأطفال، فيحتاج إلى قدر أكبر من الحذر. فقضاء ساعات طويلة يومياً في أي نشاط يمكن أن يؤثر في توزيع المسؤوليات داخل الأسرة، لكن الشهادات الفردية لا تكفي لإثبات علاقة مباشرة بين مجالس القات وإهمال الأطفال، كما أن مسؤولية الرعاية الأسرية لا تقع على المرأة وحدها.
هل يعوض المقيل غياب الحديقة؟
هذه ربما واحدة من أكثر زوايا الظاهرة ارتباطاً بالمدينة نفسها.
المهندس علي حزام، من منطقة الأشرافية، يرى أن محدودية الحدائق والمنتزهات والفضاءات الترفيهية ساعدت على انتشار مجالس القات النسائية في تعز ومدن يمنية أخرى، خصوصاً مع التحولات التي أصابت العلاقات الاجتماعية خلال سنوات الحرب.
ويقول إن بعض الرجال يوفرون لزوجاتهم المال لشراء القات والشيشة، معتبرين بقاء الجلسات داخل المنزل أكثر ملاءمة من الخروج إلى أماكن بعيدة.
لا تكفي هذه الشهادة لإثبات علاقة سببية بين نقص الحدائق وانتشار المقيل النسائي، لكنها تطرح سؤالاً حضرياً أساسياً: ماذا يحدث عندما لا تجد النساء فضاءات عامة قريبة وآمنة وميسرة للقاء والترفيه؟
عندها قد يتحول المنزل إلى ما هو أكثر من فضاء للسكن، ويصبح المقيل بديلاً اجتماعياً عن الحديقة أو النادي أو المقهى أو المركز الثقافي.
الحرب تغير الحياة الاجتماعية
فؤاد العسوئي، رئيس قسم التربية الخاصة في كلية التربية بجامعة تعز، يربط بدوره توسع بعض هذه الجلسات بالتحولات التي أحدثتها سنوات الحرب في المجتمع.
ويرى أن المقيل قد يؤدي بالنسبة إلى بعض النساء وظيفة تتجاوز استهلاك القات، إذ يمنحهن فرصة للتواصل وتبادل التجارب والقصص والنصائح، وقد يوفر شعوراً بالدعم والتفاهم في ظل الضغوط اليومية.
لكن الوظيفة الاجتماعية للمجلس لا تلغي الجانب الآخر من الظاهرة، والمتعلق بتأثير استهلاك القات بصورة متكررة ولساعات طويلة في الصحة.
الصحة.. عندما يتجاوز الأمر جلسة اجتماعية
يحتوي القات على الكاثينون، وهو مركب منبه، وتناولت دراسات طبية مختلفة العلاقة بين استهلاكه ومجموعة من التأثيرات الصحية.
وتشير الأدبيات الطبية إلى ارتباط مضغ القات بارتفاع ضغط الدم وتسارع ضربات القلب، إضافة إلى مشكلات محتملة في الفم والأسنان والجهاز الهضمي واضطرابات النوم. لكن قوة الأدلة تختلف من مشكلة صحية إلى أخرى، ولذلك ينبغي التمييز بين الارتباط الذي ترصده الدراسات وبين إثبات أن القات هو السبب المباشر في كل حالة.
وتصبح المسألة أكثر حساسية أثناء الحمل. فقد بحثت دراسة منشورة عام 2024 في مجلة Frontiers in Global Women’s Health استخدام القات لدى نساء حوامل في شرق إثيوبيا، وناقشت ارتباطه بنتائج سلبية محتملة للحمل والولادة.
غير أن الدراسة لم تجر على نساء يمنيات، ولذلك لا يجوز التعامل مع نتائجها باعتبارها وصفاً مباشراً للوضع الصحي لنساء تعز. وتبقى الحاجة قائمة إلى بيانات يمنية ودراسات محلية أكثر تحديداً.
ماذا يوجد خارج غرفة المقيل؟
يدعو فؤاد العسوئي إلى توفير بدائل اجتماعية وترفيهية للنساء، من بينها مساحات آمنة للتواصل والتعبير، وأندية مجتمعية تقدم أنشطة رياضية وثقافية وفنية، إلى جانب حملات توعية بالمخاطر الصحية المرتبطة بالاستهلاك المتكرر للقات.
لكن شهادات نساء تعز تجعل المسألة أوسع من مجرد الدعوة إلى ترك القات. فالمرأة التي تدخل المقيل قد تبحث عن ساعات مع صديقاتها، وأخرى تريد الحديث عن مشكلة في بيتها، وثالثة تناقش السياسة، ورابعة تبيع البخور والعطور، بينما قررت خامسة مغادرة هذه المجالس لأنها لم تعد تجد فيها ما تبحث عنه.
لهذا فإن فهم الظاهرة يقتضي النظر داخل غرفة المقيل وخارجها معاً؛ إلى القات والصحة، ولكن أيضاً إلى الحرب والاقتصاد والأسرة والعلاقات الاجتماعية وموقع المرأة في المدينة.
وعندما نطرح مسألة توفير بدائل أكثر صحة، يصبح السؤال الحضري أكثر وضوحاً: إذا غادرت النساء المقيل، فأين توجد في تعز المساحات العامة الآمنة والقريبة التي يمكن أن تستوعب حاجتهن إلى اللقاء والترفيه والتواصل؟