أزمة المياه في تعز.. حين تصبح شبكة المدينة جزءاً من الحياة اليومية
Un timbre vocal adapté doit être disponible dans votre navigateur.

في مدينة مثل تعز، لا يبدأ الحديث عن الماء من الصنبور، بل من المسافة التي تفصل البيت عنه. لسنوات، اعتادت أسر على الانتظار أمام نقاط التوزيع أو البحث عن مصادر بديلة، بينما ارتفعت كلفة المياه المنقولة بالصهاريج. ومع تضرر الآبار والمضخات وشبكات الخدمات، تحول الحصول على الماء من خدمة حضرية يفترض أن تعمل في الخلفية إلى جزء من تنظيم اليوم نفسه.
هذه الصورة تجعل تعز نموذجاً مهماً لفهم المدينة العربية حين تضعف بنيتها الأساسية. فالطريق والماء والكهرباء والصرف الصحي لا تظهر أهميتها عادة عندما تعمل بصورة طبيعية. لكن تعطلها يكشف بسرعة أن المدينة ليست مجموعة مبانٍ وشوارع فقط. إنها منظومة مترابطة، وأي خلل طويل في أحد أجزائها يعيد تشكيل حياة السكان.
الماء يعيد رسم خريطة المدينة
في أغسطس 2026، تحدثت اليونيسف عن تحسن الوصول إلى المياه النظيفة في مديريات المظفر والقاهرة وصالة داخل مدينة تعز. وجاء ذلك بعد إعادة تأهيل وتنظيف عشر آبار كانت تعاني تراكم الرواسب وتعطل المضخات.
أهمية هذه المعلومة لا تكمن في عدد الآبار وحده. عندما يتوقف مصدر قريب للمياه، تضطر الأسرة إلى البحث عن بديل. وقد يعني ذلك وقتاً أطول، وكلفة أكبر، واعتماداً على موردين آخرين.
وهكذا تصبح جغرافية الماء جزءاً من جغرافية المدينة. فالحي الذي تصل إليه الخدمة بصورة مستقرة لا يعيش الظروف نفسها التي يعيشها حي يعتمد على حلول مؤقتة.
الأزمة أوسع من تعز
لا يمكن فصل وضع المدينة عن أزمة المياه اليمنية عموماً. فاليمن من أكثر البلدان معاناة من ندرة المياه، وتشير اليونيسف إلى أن ملايين السكان ما زالوا يحتاجون إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة. كما أدت سنوات الاضطراب والنزوح والكوارث الطبيعية إلى زيادة الضغط على شبكات تعاني أصلاً محدودية الموارد.
ومع ذلك، فإن الأرقام الوطنية لا تشرح وحدها التجربة الحضرية. داخل المدينة، تظهر الأزمة في تفاصيل أصغر: بئر متوقفة، مضخة تحتاج إلى إصلاح، شبكة لا تصل إلى حي، أو أسرة تخصص جزءاً أكبر من دخلها للحصول على الماء.
لذلك فإن دراسة أزمة المياه من مستوى الحي تكشف أحياناً ما تخفيه المؤشرات العامة.
الصهريج يحل المشكلة لكنه لا يبني شبكة
عندما تتعطل الشبكة، يصبح نقل المياه بالصهاريج حلاً ضرورياً. لكنه يظل استجابة مؤقتة، لأن الخدمة ترتبط عندها بالقدرة على النقل والدفع وتوفر المورد.
وتشير اليونيسف إلى أن ارتفاع أسعار المياه المنقولة بالصهاريج في تعز وضع ضغوطاً إضافية على الأسر، في وقت توقفت فيه بعض الآبار عن العمل.
هنا يظهر الفرق بين توفير الماء وبناء خدمة حضرية. يمكن للصهريج أن يوصل كمية من المياه اليوم، بينما تحتاج المدينة إلى نظام يستطيع توفيرها غداً وبعد غد.
ولهذا يصبح إصلاح الآبار والمضخات والشبكات أكثر من تدخل تقني. إنه محاولة لإعادة الخدمة من السوق الطارئة إلى البنية الأساسية للمدينة.
البنية التحتية ليست تحت الأرض فقط
غالباً ما نتذكر البنية التحتية عندما نرى طريقاً أو جسراً. أما الأنابيب والمضخات والخزانات وشبكات الصرف، فتظل بعيدة عن النظر رغم أنها تحدد جانباً كبيراً من جودة الحياة.
وقد أعلن البنك الدولي في يونيو 2026 عن مرحلة جديدة من الدعم لليمن تشمل إدارة المياه واستعادة خدمات حضرية أساسية. ويتضمن البرنامج الطرق والمياه والصرف الصحي وإدارة مخاطر الفيضانات والطاقة في عدد من المدن، مع استهداف ما يصل إلى 1.75 مليون شخص بالخدمات المحسنة.
كما أفاد البنك بأن برامج الخدمات الحضرية السابقة ساعدت نحو ثلاثة ملايين شخص على استعادة الوصول إلى خدمات أساسية، وحسنت خدمات المياه والصرف لنحو 1.2 مليون شخص.
هذه الاستثمارات مهمة، لكن قيمتها الحقيقية تقاس بما يحدث داخل الحي. فالأنبوب الذي يعمل باستمرار أهم بالنسبة إلى الأسرة من حجم المشروع المكتوب في الوثائق.
الماء قضية عدالة حضرية
لا تتوزع آثار ضعف الشبكات بالتساوي. الأسرة القادرة على شراء المياه أو تخزينها تملك هامشاً أكبر للتكيف. أما الأسر محدودة الدخل، فتدفع ثمناً أعلى عندما تصبح الخدمة الأساسية سلعة مرتبطة بالقدرة الشرائية.
كما أن الوقت نفسه يصبح مورداً غير متساوٍ. ساعات الانتظار أو البحث عن الماء لا تظهر في فاتورة رسمية، لكنها تُقتطع من الدراسة والعمل والحياة اليومية.
من هنا تتحول قضية المياه إلى سؤال عن العدالة داخل المدينة: هل يستطيع السكان الحصول على الخدمة الأساسية لأنهم يعيشون فيها، أم تختلف إمكانية الوصول إليها باختلاف الحي والدخل؟
تعز لا تحتاج إلى العودة إلى ما كانت عليه فقط
إعادة الإعمار قد توحي بإصلاح ما تضرر وإعادته إلى حالته السابقة. لكن المدن التي مرت بأزمات طويلة تحتاج إلى أكثر من ذلك.
فإصلاح بئر دون ضمان صيانتها قد يعيد المشكلة بعد سنوات. ومد شبكة دون قدرة المؤسسة المحلية على تشغيلها باستمرار لا يحقق استدامة حقيقية. كما أن تغير المناخ وندرة المياه يفرضان التفكير في كفاءة الاستهلاك، والطاقة اللازمة للضخ، وحماية الموارد المتاحة.
لهذا تتجه بعض المشاريع في اليمن إلى استخدام الطاقة الشمسية في تشغيل أنظمة المياه. وخلال 2025، أفادت اليونيسف بأنها نفذت 54 مشروعاً لتطوير أو تأهيل وتوسيع أنظمة المياه، استفاد منها أكثر من 1.16 مليون شخص، وشملت تركيب 29 نظام مياه يعمل بالطاقة الشمسية.
الطاقة الشمسية لا تحل أزمة المياه بذاتها، لكنها تقلل جانباً من هشاشة تشغيل المضخات في بيئة تعاني اضطراب الطاقة وارتفاع تكلفتها.
المدينة تبدأ من الخدمة التي لا نفكر فيها
تعز مدينة ذات تاريخ وثقافة وأسواق وأحياء وذاكرة اجتماعية. لكن استمرار هذه الحياة يحتاج إلى طبقة أقل ظهوراً: شبكة المياه والصرف والطرق والطاقة والمؤسسات التي تديرها.
لهذا فإن إعادة بناء المدينة لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد المنشآت التي أُصلحت. الأهم هو قدرة السكان على العودة إلى حياة لا يضطرون فيها إلى التفكير كل صباح في مصدر الماء.
عندما يصبح فتح الصنبور حدثاً عادياً مرة أخرى، قد يبدو الأمر تفصيلاً صغيراً. لكنه في الحقيقة أحد أكثر المؤشرات دقة على أن المدينة استعادت جزءاً من وظيفتها.
فالمدينة لا تعود إلى الحياة عندما تُرمم مبانيها فقط، بل عندما تعود خدماتها الأساسية إلى العمل ويستطيع سكانها الاعتماد عليها.