المدن المغربية تتمدد أسرع من قدرتها على الاستيعاب: هل نبني مدناً أم نراكم أحياء؟
Un timbre vocal adapté doit être disponible dans votre navigateur.

تقرير: المدينة العربية
لم تعد المدينة المغربية مجرد مركز قديم تحيط به أحياء جديدة. خلال عقود قليلة تمددت التجمعات الحضرية خارج حدودها التقليدية، وظهرت ضواحٍ واسعة ومناطق سكنية جديدة ومحاور طرق ومراكز تجارية ومشاريع عقارية غيرت الخريطة. لكن خلف هذا التوسع يبرز سؤال أكثر أهمية من عدد العمارات التي شُيدت: هل توسع العمران يعني فعلاً أننا نبني مدينة أفضل؟
الأرقام تكشف حجم التحول. فقد بلغ عدد سكان الوسط الحضري في المغرب نحو 23.1 مليون نسمة سنة 2024، أي ما يعادل 62.8 في المائة من السكان، مقابل نحو 3.4 ملايين فقط سنة 1960. وبين 2014 و2024 أضافت المدن نحو 2.68 مليون نسمة، بينما كان النمو السكاني في المجال القروي محدوداً مقارنة بذلك. المدينة أصبحت إذن المجال الأساسي الذي يستوعب التحول الديمغرافي المغربي.
غير أن المشكلة ليست في أن المدن تكبر، فالتوسع الحضري جزء طبيعي من التحول الاقتصادي والاجتماعي. السؤال هو الطريقة التي تكبر بها، وما إذا كانت البنية التحتية وفرص العمل والخدمات تتوسع بالسرعة نفسها.
السكن يصل قبل المدينة
في عدد من الضواحي المغربية، تصل العمارة قبل الحافلة، ويصل السكان قبل المدرسة، وتُفتح التجزئة السكنية قبل أن يكتمل النسيج الذي يجعل المكان مدينة بالفعل. النتيجة أن أسرًا تحصل على مسكن، لكنها تجد نفسها بعيدة عن العمل والخدمات والفضاءات العامة.
هنا يظهر الفرق بين بناء السكن وبناء المدينة. الأول يمكن قياسه بعدد الوحدات والشقق، أما الثاني فيحتاج إلى شبكة متكاملة من النقل والتعليم والصحة والتجارة والحدائق والفضاءات التي تجعل الحياة اليومية ممكنة من دون رحلة شاقة إلى مركز المدينة.
وقد لفت البنك الدولي في دراسات حول التحضر المغربي إلى أن النمو استوعبته بدرجة مهمة أطراف المدن الكبرى، ما أدى إلى اتساع البصمة العمرانية وظهور أشكال من التمدد الحضري. كما ربط بين هذا التوسع وارتفاع كلفة الوصول إلى الوظائف والخدمات عندما لا يواكبه نقل فعال.
إنها مفارقة واضحة: قد يمتلك المواطن شقة جديدة، لكنه يدفع جزءاً من ثمنها كل صباح في الطريق.
الضاحية ليست هامشاً مؤقتاً
طويلاً جرى التعامل مع أطراف المدن باعتبارها مرحلة انتقالية؛ مناطق ستلحق بها التجهيزات لاحقاً. لكن «لاحقاً» قد يستمر سنوات، بينما تتحول الضاحية المؤقتة إلى موطن دائم لمئات الآلاف.
كلما ابتعد السكن عن مراكز التشغيل، ارتفعت الحاجة إلى التنقل اليومي. وكلما كان النقل العمومي ضعيفاً، ازدادت الحاجة إلى السيارة وسيارات الأجرة، ثم جاء الازدحام والتلوث واستهلاك الوقت والطاقة.
والدار البيضاء تقدم مثالاً قوياً على هذا الضغط. فالمجال الحضري الكبير يضم قرابة خمسة ملايين نسمة، ويستقبل عشرات الآلاف من السكان الإضافيين سنوياً، بينما يجمع قوة اقتصادية هائلة مع تفاوتات اجتماعية ومجالية مستمرة.
لذلك لا ينبغي النظر إلى الضواحي باعتبارها مجرد مخزون من الأرض يسمح للمدينة بالتوسع. إنها جزء من المدينة، وسكانها ليسوا مواطنين ينتظرون اكتمال المشروع العمراني كي يحصلوا على حقهم في الخدمات.
الطريق الواسعة لا تحل دائماً مشكلة التنقل
أحد الردود التقليدية على توسع المدن هو بناء مزيد من الطرق. كلما ازدحم محور، جرى توسيعه أو إضافة طريق جديد. لكن التجربة الحضرية في العالم أظهرت أن مشكلة التنقل أعقد من ذلك.
المدينة التي تنشر السكن والعمل والخدمات على مسافات بعيدة تجعل الرحلة الطويلة ضرورة قبل أن تصبح أزمة مرورية. وعندها لا يكفي توسيع الطريق، لأن أصل المشكلة موجود في توزيع الوظائف داخل المجال الحضري.
النقل العمومي هنا ليس خدمة ثانوية. إنه جزء من العدالة الاجتماعية، لأن الوصول إلى العمل والمدرسة والمستشفى يتحول إلى حق نظري إذا كان المواطن يحتاج زمناً أو تكلفة لا يستطيع تحملها للوصول إليها.
لهذا فإن الترام والحافلات والقطارات الحضرية ليست مجرد مشاريع للنقل. قيمتها الحقيقية تظهر عندما ترتبط بخريطة السكن وفرص العمل، لا عندما تعمل منفصلة عنها.
من يستفيد من اتساع المدينة؟
ارتفاع قيمة الأرض في أطراف المدن يخلق فرصاً اقتصادية كبيرة. الأراضي الزراعية أو الهامشية قد تتحول خلال سنوات إلى مشاريع سكنية وتجارية مرتفعة القيمة، وهنا تصبح قرارات التعمير ذات أثر مالي ضخم.
لذلك فالتوسع الحضري ليس عملية هندسية محايدة. وراء تغيير تصميم التهيئة أو فتح منطقة جديدة للبناء مصالح اقتصادية، وأحياناً رهانات عقارية كبيرة.
ومن هنا تأتي ضرورة الشفافية. فالمدينة لا ينبغي أن تتمدد حيث يكون تحويل الأرض أكثر ربحاً فقط، بل حيث يمكن توفير النقل والماء والمدرسة والخدمات بصورة مستدامة.
إذا سبق الاستثمار العقاري التخطيط، نجد أنفسنا أمام تجمعات سكنية تبحث لاحقاً عن مدينة. أما عندما يسبق التخطيط العمران، يصبح السكن جزءاً من مشروع حضري متكامل.
مدن تكبر وفوارق تبقى
التوسع لا يحدث بالطريقة نفسها في كل الأحياء. يمكن داخل المجال الحضري الواحد أن توجد منطقة تصل إليها الاستثمارات والخدمات بسرعة، وأخرى تبقى سنوات تنتظر تجهيزاً أساسياً.
هذه الفوارق تغير معنى المسافة داخل المدينة. فقد يفصل بين حيين بضعة كيلومترات، لكن الفارق بينهما في المدرسة والنقل والحديقة وفرص العمل يجعل المسافة الاجتماعية أكبر بكثير من المسافة الجغرافية.
وهنا تصبح العدالة المجالية اختباراً حقيقياً لنجاح التحضر. لا يكفي أن ترتفع نسبة سكان المدن إلى 62.8 في المائة إذا كانت نوعية الحياة التي توفرها المدينة شديدة الاختلاف بين مركزها وأطرافها.
فالتحضر ليس إنجازاً ديمغرافياً في حد ذاته. قيمته تقاس بما يضيفه إلى حياة الإنسان.
المدينة ليست مجموع مشاريع
تملك المدن المغربية اليوم مشاريع نقل وطرق وتأهيل عمراني ومناطق أعمال ومبادرات سكنية متعددة. لكن كثرة المشاريع لا تضمن بالضرورة وجود سياسة حضرية متماسكة.
المشكلة تظهر عندما يشتغل السكن بمنطق، والنقل بمنطق آخر، والتعمير بمنطق ثالث. قد تكون كل مؤسسة ناجحة داخل حدود اختصاصها، بينما تكون النتيجة النهائية مدينة غير متوازنة.
المدينة منظومة واحدة. قرار بناء آلاف الوحدات السكنية يغير حركة النقل، واستهلاك الماء، والحاجة إلى المدارس، والضغط على الصحة، وقيمة العقار. لهذا لا يمكن تقييم المشروع من داخل حدوده فقط.
السؤال الذي يجب أن يسبق أي توسع ليس كم شقة سنبني، وإنما كيف سيعيش سكانها بعد عشر سنوات.
هل نبني المدن أم نلاحق توسعها؟
المغرب سيصبح أكثر تحضراً في العقود المقبلة، وهذه ليست مشكلة ينبغي مقاومتها. التحدي هو الانتقال من إدارة نمو المدن بعد وقوعه إلى توجيهه قبل أن يفرض نفسه على الأرض.
ذلك يعني تقوية النقل قبل اكتمال الأحياء، وحماية الأراضي والموارد الطبيعية، وربط السكن بمواقع العمل، وتوفير الخدمات بالتوازي مع البناء. كما يتطلب إعادة التفكير في المدينة القريبة التي يستطيع سكانها الوصول إلى جزء كبير من حاجاتهم من دون قضاء ساعات في التنقل.
فالمدينة لا تصبح حديثة لأنها تتوسع، ولا لأن أفقها امتلأ بالعمارات. قد تكون المدينة ضخمة، ومع ذلك تظل عاجزة عن توفير حياة حضرية جيدة لسكانها.
والمشكلة في النهاية ليست أن المغرب يبني كثيراً.
المشكلة تبدأ عندما نكتشف، بعد اكتمال البناء، أننا شيدنا أحياءً كاملة ثم تركنا مهمة بناء المدينة إلى وقت لاحق.