حين يصبح الماء أزمة حضرية: هل تستطيع المدن المغربية التعايش مع الندرة؟
Un timbre vocal adapté doit être disponible dans votre navigateur.

تقرير: المدينة العربية
بعد سنوات طويلة من الجفاف، جاءت أمطار 2026 لتحسن وضع السدود المغربية بصورة واضحة. ففي أبريل الماضي بلغ معدل ملء السدود على الصعيد الوطني نحو 75 في المائة، بما يقارب 13 مليار متر مكعب من المياه. غير أن هذه الوفرة النسبية لا تعني أن أزمة الماء انتهت، بقدر ما تكشف عن طبيعتها الجديدة: المغرب لم يعد أمام موسم جاف عابر، بل أمام تحول طويل الأمد في علاقته بالماء.
وتظهر المفارقة بشكل خاص داخل المدن. فكلما توسعت المجالات الحضرية وارتفع عدد السكان، ازدادت الحاجة إلى مياه الشرب والخدمات والصناعة والسياحة والمساحات الخضراء. وفي الوقت نفسه، تتعرض الموارد التقليدية لضغط متزايد بفعل تغير المناخ وعدم انتظام التساقطات واستنزاف بعض الفرشات الجوفية.
البنك الدولي يصنف المغرب ضمن البلدان الأكثر تعرضاً للإجهاد المائي. وقد انخفضت الموارد المائية المتجددة المتاحة للفرد من نحو 2560 متراً مكعباً سنوياً في 1960 إلى قرابة 620 متراً مكعباً في 2020، مع توقع الاقتراب من عتبة الندرة المطلقة، أي 500 متر مكعب للفرد سنوياً، قبل نهاية العقد الحالي.
المدينة تستهلك أكثر مما يظهر في الصنبور
عندما نتحدث عن الماء في المدينة، يتجه التفكير غالباً إلى ما يصل إلى المنزل عبر الصنبور. لكن الاستهلاك الحضري أوسع بكثير. فالماء يدخل في الفنادق والمطاعم والمستشفيات والمدارس والمصانع وأوراش البناء والحدائق والملاعب ومرافق النظافة وغيرها.
ومع توسع المدينة تظهر احتياجات جديدة باستمرار. حي سكني جديد لا يعني بناء مساكن فقط، بل شبكة إضافية للماء والصرف الصحي. منطقة صناعية جديدة تعني طلباً جديداً على الموارد، كما أن التوسع السياحي يضيف بدوره ضغطاً موسمياً في بعض المدن.
هذه العلاقة بين العمران والماء تجعل السياسة المائية جزءاً من التخطيط الحضري. فلا معنى للتوسع في البناء وكأن الماء مورد مضمون إلى ما لا نهاية، ثم البحث لاحقاً عن مصادر جديدة لتغطية الطلب الذي أنتجه ذلك التوسع.
وتزداد أهمية هذا السؤال لأن دراسات البنك الدولي توقعت منذ سنوات ارتفاع الطلب الحضري على الماء في عدد من المدن المغربية مع استمرار النمو السكاني والاقتصادي.
المطر الجيد لا يلغي الإجهاد المائي
قد يكون من السهل، بعد موسم مطير، الاعتقاد بأن الأزمة أصبحت وراءنا. لكن هذه النظرة تخلط بين تحسن المخزون المؤقت وتغير البنية المائية للبلاد.
لقد ساعدت التساقطات الأخيرة على خروج المغرب من سبع سنوات متتالية من الجفاف، بحسب تصريحات رسمية في يناير 2026. ووفرت هذه الأمطار هامشاً إضافياً لتأمين مياه الشرب، لكنها لم تؤد إلى التخلي عن مشاريع التحلية أو الربط بين الأحواض.
وهذه نقطة أساسية. فإذا كانت الدولة تواصل بناء محطات التحلية ونقل المياه بين الأحواض رغم تحسن السدود، فهذا يعني أن السياسة المائية نفسها أصبحت تتعامل مع الندرة باعتبارها تحدياً هيكلياً.
الماء لم يعد مورداً يمكن إدارة مستقبله اعتماداً على كمية الأمطار في سنة واحدة.
التحلية تغيّر خريطة الماء
أحد أكبر التحولات الجارية هو الاعتماد المتزايد على تحلية مياه البحر. ففي مايو 2026 بلغت القدرة السنوية لإنتاج المياه المحلاة نحو 420 مليون متر مكعب، مع هدف رسمي للوصول إلى 1.7 مليار متر مكعب مستقبلاً.
هذا التحول بدأ يغير فعلياً مصادر مياه بعض المدن. فقد أصبحت آسفي تعتمد على المياه المحلاة في تزويدها بمياه الشرب، كما دخلت موارد غير تقليدية في تزويد مناطق أخرى، بينما تتقدم مشاريع أكبر مرتبطة بالدار البيضاء ومدن ساحلية أخرى.
التحلية توفر للمدينة مورداً أقل ارتباطاً بتقلب الأمطار، وهذا مكسب مهم للأمن المائي. لكنها ليست حلاً يلغي الحاجة إلى الاقتصاد في الماء. فهي تحتاج إلى استثمارات كبيرة وطاقة وبنية للتوزيع، كما أن نقل المياه من الساحل إلى المناطق البعيدة يضيف تحديات جديدة.
ولهذا قد يكون من الخطأ أن تمنح وفرة المياه المحلاة مستقبلاً إحساساً بأن المدينة تستطيع الاستهلاك بلا حدود. التقنية تستطيع إنتاج موارد إضافية، لكنها لا تعفي التخطيط من مسؤولية ضبط الطلب.
لماذا نستعمل ماءً صالحاً للشرب لسقي العشب؟
واحدة من أكثر المفارقات الحضرية وضوحاً هي استخدام المياه ذات الجودة العالية في أغراض لا تحتاج بالضرورة إلى مياه صالحة للشرب.
الحدائق والمساحات الخضراء والملاعب وبعض الاستخدامات الصناعية يمكن، في ظروف مناسبة وبعد المعالجة المطلوبة، أن تستفيد من المياه العادمة المعالجة. ولهذا يعمل المغرب على توسيع إعادة استخدام هذه المياه، مع استهداف طاقات أكبر خلال السنوات المقبلة لاستخدامها خصوصاً في المساحات الخضراء والملاعب.
هذا التحول مهم لأن النقاش حول الندرة لا ينبغي أن يبقى محصوراً في البحث عن مياه إضافية. في مدينة تعاني الإجهاد المائي، ينبغي أيضاً تحديد نوع الماء المناسب لكل استعمال.
فالمسألة ليست فقط: من أين نحصل على الماء؟ بل كيف نمنع إهدار الماء الأعلى جودة في استخدامات يمكن تغطيتها بمصادر أخرى؟
الندرة ليست متساوية بين الأحياء
أزمة الماء، مثل كثير من الأزمات الحضرية، لا يشعر بها الجميع بالطريقة نفسها.
فالأسرة التي تمتلك إمكانات مالية أكبر تستطيع تركيب خزانات أو تجهيزات لترشيد الاستهلاك، وربما تتحمل ارتفاع الفاتورة بسهولة أكبر. أما الأسر ذات الدخل المحدود، فإن أي اضطراب في الإمداد أو ارتفاع في التكلفة يؤثر مباشرة في ميزانيتها اليومية.
وتصبح المشكلة أكثر حدة في بعض المناطق الطرفية والمراكز الصغيرة حيث تكون البنية المائية أقل قوة من شبكات المدن الكبرى. لذلك فالأمن المائي ليس مسألة هندسية فقط، بل قضية عدالة مجالية أيضاً.
حين تستثمر الدولة مليارات الدراهم في السدود والتحلية والربط بين الأحواض، يصبح من المشروع تقييم هذه الاستثمارات ليس فقط بعدد الأمتار المكعبة التي تنتجها، بل بقدرتها على ضمان وصول مستقر وعادل إلى الماء.
برنامج تزويد مياه الشرب والري للفترة 2020-2027 يرتبط باستثمارات قدرت بنحو 143 مليار درهم، ما يبين حجم الرهان المالي والاستراتيجي الذي أصبحت تمثله القضية.
التسرب أيضاً مصدر للماء
هناك مورد لا يحتاج إلى سد جديد ولا إلى محطة تحلية: الماء الذي تنتجه المنظومة بالفعل ثم تفقد جزءاً منه قبل أن يصل إلى المستهلك.
لهذا تعد كفاءة شبكات التوزيع جزءاً أساسياً من أي سياسة مائية جادة. فكل متر مكعب يتم توفيره عبر إصلاح التسربات وتحسين الشبكات يعادل مورداً إضافياً لا يحتاج إلى إنتاج جديد.
هذه الفكرة تغير منطق إدارة الندرة. فمن الأسهل سياسياً الإعلان عن محطة كبرى أو مشروع ضخم، لأن المشروع مرئي ويمكن قياس كلفته وحجمه. أما صيانة آلاف الكيلومترات من الأنابيب وتحسين الإدارة التقنية للشبكات فهي أقل جاذبية إعلامياً، رغم أن أثرها قد يكون حاسماً.
الأمن المائي يُبنى بالمشاريع الكبرى، لكنه يُهدر أحياناً في التفاصيل الصغيرة.
مدينة تتعلم العيش بموارد محدودة
المغرب يحتاج إلى السدود والتحلية ونقل المياه وإعادة استعمال المياه العادمة. لكن هذه المشاريع لن تكون كافية إذا بقي نموذج المدينة نفسه يفترض أن الموارد لا حدود لها.
مدينة المستقبل ستحتاج إلى عمران يراعي قدراتها المائية قبل الترخيص لتوسعات جديدة، ومساحات خضراء مصممة لنباتات أكثر ملاءمة للمناخ المحلي، وشبكات أقل هدراً، ومبانٍ أكثر كفاءة في الاستهلاك. كما تحتاج إلى معلومات واضحة تسمح للسكان بمعرفة وضع مواردهم المائية، بدلاً من أن يظهر النقاش فقط عندما تقترب الأزمة.
الماء هنا يعيد تعريف معنى التخطيط الحضري. فالطريق والمدرسة والمستشفى والسكن تحتاج جميعها إليه، ولذلك لا يمكن بناء المدينة أولاً ثم التفكير في الماء لاحقاً.
الأمطار التي أعادت ملء السدود في 2026 منحت المغرب هامشاً مهماً، لكنها ينبغي ألا تمحو درس سنوات الجفاف. فقد أثبتت الأزمة أن الأمن المائي لا يقاس بما يوجد في السد هذا الشتاء فقط، بل بقدرة المدينة على الاستمرار عندما يأتي الشتاء المقبل بأمطار أقل.
فالمدينة التي تنتظر الجفاف حتى تتذكر قيمة الماء لم تتعلم بعد كيف تعيش في زمن الندرة.