غزة بعد الحرب.. هل تكفي إعادة بناء البيوت لاستعادة المدينة؟
Un timbre vocal adapté doit être disponible dans votre navigateur.

حين يبدأ الحديث عن إعادة إعمار غزة، تتجه الأنظار بصورة طبيعية إلى البيوت المهدمة وحجم الأموال المطلوبة لإعادة بنائها. غير أن المدينة لا تتكون من مساكن منفصلة، ولا تستعيد حياتها بمجرد ارتفاع الجدران من جديد. فالبيت يحتاج إلى شارع يمكن الوصول منه وإليه، والشارع يحتاج إلى شبكة مياه وصرف وكهرباء، والأسرة تحتاج إلى مدرسة وسوق ومركز صحي وفرصة عمل، بينما يحتاج الحي كله إلى استعادة الروابط التي جعلته مكاناً للحياة لا مجرد تجمع من المباني.
لهذا تبدو قضية غزة اليوم أكبر من مشروع بناء واسع. إنها، من منظور حضري، مسألة إعادة تشغيل مدينة تعرضت منظوماتها المترابطة لأضرار واسعة. ويكشف التقييم النهائي السريع للأضرار والاحتياجات، الذي أصدرته الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي في أبريل 2026، عن حجم المهمة: احتياجات التعافي وإعادة الإعمار مقدرة بنحو 71.4 مليار دولار خلال العقد المقبل، منها 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى، فيما تضررت أو دمرت أكثر من 371 ألف وحدة سكنية.
البيت هو البداية وليس المدينة كلها
يحتل السكن بطبيعة الحال موقعاً مركزياً في أي عملية تعافٍ. ويقدر التقييم المشترك الأضرار المباشرة التي أصابت قطاع الإسكان بنحو 18 مليار دولار، أي أكثر من نصف إجمالي الأضرار المادية المقدرة. لكن التقرير نفسه يكشف لماذا لا يمكن اختزال إعادة الإعمار في بناء الشقق، فالأضرار طالت أيضاً النقل والمياه والصرف الصحي والصحة والتعليم والتجارة والصناعة والزراعة، بينما تحتاج هذه القطاعات إلى العمل معاً حتى يستطيع السكان استعادة حياتهم اليومية.
فالأسرة التي تحصل على مسكن لكنها لا تجد مدرسة قريبة لأطفالها أو مياهاً منتظمة أو طريقاً صالحاً أو سوقاً يعمل أو مركزاً صحياً يمكن الوصول إليه، تكون قد استعادت سقفاً دون أن تستعيد المدينة. ومن هنا يتحول السؤال من عدد الوحدات التي يمكن بناؤها إلى قدرة الحي نفسه على العمل.
هذا التحول في زاوية النظر أصبح واضحاً في «الملف الحضري لغزة 2026» الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية. فبدلاً من قياس الأضرار مبنى بعد آخر فقط، ينظر التقرير إلى العلاقة بين السكن والبنية الأساسية والخدمات والحركة والمرافق العامة، ويستخدم ما يسميه «مؤشر وظائف الأحياء». والنتيجة ثقيلة الدلالة: أكثر من 95 في المئة من أحياء غزة تقع، وفق المؤشر، ضمن مستويات منخفضة أو منخفضة جداً أو شديدة الانخفاض من حيث قدرتها على أداء وظائفها الحضرية.
عندما يصبح الحي وحدة إعادة الإعمار
هذه الصورة تغير طريقة التفكير في المستقبل. فإذا كانت الأزمة تطال منظومة الحي بكاملها، يصبح الحي نفسه وحدة مناسبة للتعافي، بدلاً من معالجة كل منزل أو مرفق بمعزل عن الآخر.
ولهذا تتجه بعض برامج التعافي الحالية إلى ما يسمى «المقاربة القائمة على الحي». ويشير تقرير UN-Habitat لعام 2026 إلى تطبيق هذه المقاربة في عدد من أحياء مدينة غزة ومناطق أخرى، بحيث تجمع التدخلات بين إصلاح المساكن المتضررة وإزالة الأنقاض والوصول إلى المياه وإنشاء فضاءات مؤقتة للتعليم وتوفير الخدمات الصحية والحلول السكنية الانتقالية.
ويطبق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الفكرة نفسها من خلال الجمع بين وحدات السكن الانتقالي وإزالة الأنقاض وإعادة الخدمات الأساسية وفرص العمل وإصلاح البنية التحتية، مع محاولة تمكين الأسر من العودة بالقرب من مناطقها الأصلية. والمغزى هنا أن السكن الانتقالي لا يعامل باعتباره نهاية عملية التعافي، بل نقطة داخل مسار أطول لاستعادة الحي.
الأنقاض ليست مجرد مسألة تنظيف
قبل أن يبدأ جزء كبير من إعادة البناء، توجد مشكلة حضرية أخرى هائلة هي الأنقاض. فإزالتها لا تتعلق بتحسين المشهد البصري فقط؛ إذ ترتبط بإعادة فتح الطرق والوصول إلى المساكن والمرافق وإتاحة المجال أمام أعمال البنية الأساسية.
وتوضح تجربة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي كيف يمكن ربط هذه المهمة بالتعافي المحلي. ففي مشروع امتد خلال 2025 و2026، جُمعت نحو 112 ألف طن من الأنقاض، واستخدمت مواد معاد تدويرها في أعمال مرتبطة بصيانة الطرق وتعزيز قواعد بعض المساكن، قبل إطلاق مشروع جديد للفترة 2026-2027 لتوسيع إدارة الأنقاض والنفايات.
وبذلك تصبح إزالة الأنقاض جزءاً من اقتصاد التعافي نفسه، وليس مرحلة تقنية تسبق الإعمار فحسب. فالمدينة تحتاج في الوقت نفسه إلى فتح طرقها، واستعادة خدماتها، وإيجاد فرص دخل لسكانها وإعادة تحريك نشاطها الاقتصادي.
المدينة تحتاج إلى العمل أيضاً
تظهر هنا إحدى القضايا التي يمكن أن تضيع خلف صور المباني: لا يستطيع السكان العودة إلى حياة مستقرة إذا لم يعد الاقتصاد المحلي معهم.
ويقدر التقييم المشترك لعام 2026 أن ما يقارب ثلاثة أرباع السكان الذين كانوا يعملون في غزة قبل الحرب فقدوا وظائفهم، فيما تعطلت قدرة نسبة كبيرة من العاملين على الوصول إلى أماكن عملهم أو مواصلة نشاطهم نتيجة الأضرار التي أصابت مواقع العمل والطرق والطاقة وسلاسل الإمداد.
لذلك لا تنفصل إعادة تشغيل السوق والورشة والمحل والمؤسسة الصغيرة عن إعادة بناء المنزل. وقد أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع وزارات فلسطينية في 2026 برنامجاً لتنشيط الدخل والأسواق، يستهدف، وفق أهدافه المعلنة، دعم تعافي ما يصل إلى 20 ألف مشروع متناهي الصغر وصغير ومتوسط والمساهمة في خلق ما يصل إلى 100 ألف فرصة عمل. وتظل هذه أرقاماً مستهدفة وليست نتائج تحققت بالفعل، لكنها تكشف اتجاهاً مهماً في فلسفة التعافي: البنية الاقتصادية ينبغي أن تعود بالتوازي مع البنية العمرانية.
من يملك البيت ومن يملك الأرض؟
توجد طبقة أخرى أقل ظهوراً من الإسمنت والطرق، لكنها قد تصبح من أعقد قضايا إعادة الإعمار: الملكية.
عندما تتضرر المساكن والوثائق والسجلات ويتكرر النزوح، تظهر أسئلة تتعلق بإثبات الحقوق في الأرض والسكن وحدود الملكيات وتسوية النزاعات المحتملة. ولهذا يضع التقييم المشترك حماية حقوق السكن والأرض والملكية ضمن الشروط الأساسية لعملية إعادة الإعمار، بينما يشير UN-Habitat إلى أهمية السجلات الفاعلة وضمان الحيازة وآليات فض النزاعات خلال التعافي.
وهذا الجانب بالغ الأهمية، لأن إعادة بناء المدينة ليست فرصة لإعادة رسمها فوق حقوق سكانها، وإنما ينبغي أن تتعامل مع السكان باعتبارهم أصحاب مكان وحقوق وعلاقات اجتماعية واقتصادية سابقة على الدمار.
هل نعيد غزة كما كانت؟
لا يعني احترام المدينة القديمة أن يعاد إنتاج كل ما كان قائماً قبل الحرب حرفياً. فالتعافي يتيح أيضاً التفكير في بنية أكثر قدرة على الصمود، وشبكات خدمات أفضل، ومبانٍ أكثر أماناً، ومساحات عامة أكثر كفاءة. لكن هذا الطموح يحمل معه خطراً آخر إذا تحولت إعادة التخطيط إلى مشروع منفصل عن السكان أنفسهم.
المقاربة التي يقدمها UN-Habitat تحاول تجاوز هذا التعارض من خلال دراسة الأحياء كوحدات مكانية واجتماعية وخدمية مترابطة، مع الاستناد إلى أوضاعها السابقة والحالية لتحديد أولويات التعافي. والهدف ليس مجرد معرفة أين يوجد الضرر الأكبر، بل تحديد أين يمكن لإصلاح مجموعة مترابطة من الخدمات أن يعيد الحي إلى العمل تدريجياً.
هنا يصبح التخطيط الحضري أداة لترتيب الأولويات. فقد يكون إصلاح بئر مياه أو طريق أو مدرسة في منطقة معينة أكثر تأثيراً في عودة مئات الأسر من بناء منشأة منفردة مرتفعة الكلفة لا ترتبط بمنظومة خدمات قابلة للعمل.
الذاكرة جزء من المدينة
هناك أيضاً ما لا تقيسه خرائط الأضرار بسهولة. فالحي ليس شبكة طرق ومبانٍ فقط، وإنما تراكم لعلاقات الجيرة والأسواق الصغيرة ومسارات الذهاب إلى المدرسة والعمل والأماكن التي يعرفها السكان ويتعرفون من خلالها إلى مدينتهم.
ولهذا تكتسب العودة بالقرب من المناطق الأصلية أهمية تتجاوز المسافة الجغرافية. وتشير برامج التعافي القائمة على الأحياء إلى محاولة مساعدة الأسر على الاقتراب من مناطقها السابقة بالتوازي مع استعادة الخدمات الأساسية، وهي مقاربة تعترف ضمناً بأن إعادة المجتمع إلى المكان جزء من استعادة وظيفة المدينة.
ولا يعني ذلك أن كل أسرة تستطيع العودة سريعاً أو أن كل حي يمكن استعادته بالطريقة نفسها، فحجم الأضرار متفاوت والاحتياجات هائلة. لكنه يعني أن نجاح الإعمار لا ينبغي أن يقاس بعدد الأمتار المربعة التي بنيت وحدها.
من إعادة البناء إلى استعادة المدينة
قد تكون إعادة تشييد البيوت أكثر عناصر إعمار غزة وضوحاً، لكنها لن تكون وحدها المقياس الحقيقي للنجاح. فالمقياس الأصعب هو أن يتمكن الطفل من الوصول إلى المدرسة، وأن يجد المريض مركزاً صحياً يعمل، وأن تصل المياه إلى المنزل، وأن يفتح صاحب المتجر محله، وأن تصبح الطرق قابلة للحركة، وأن تستطيع الأسرة العودة إلى حي يمكن العيش فيه لا إلى وحدة سكنية معزولة.
وهنا تكمن المفارقة التي تكشفها غزة بوضوح: يمكن إعادة بناء آلاف المباني من دون أن تعود المدينة فعلاً، كما يمكن لتدخلات أصغر في المياه والطرق والمدارس والأسواق والسكن أن تعيد إلى حي كامل جزءاً من قدرته على الحياة.
لذلك فإن السؤال الذي سيواجه غزة خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط كم بيتاً أعيد بناؤه، بل كم حياً استعاد القدرة على العمل والحياة. وبين السؤالين تقع المسافة التي تفصل إعادة بناء العمران عن إعادة بناء المدينة.