مدينة بلا وظيفة.. لماذا تكبر المدن العربية أسرع من فرص العمل؟

Mis à jour :
Articles à écouterLecture automatique du texte

Un timbre vocal adapté doit être disponible dans votre navigateur.

تكبر المدينة العربية بسرعة يمكن رؤيتها بالعين. تمتد الأحياء نحو الأطراف، وتظهر عمارات جديدة ومراكز تجارية وطرق وجسور، وتزداد حركة السيارات والسكان، لكن هذا التوسع العمراني لا يخبرنا بالضرورة بما يحدث للاقتصاد داخل المدينة، لأن فرص العمل في المدن العربية لا تنمو دائماً بالسرعة نفسها التي ينمو بها السكان والعمران. وقد تكبر المساحة المبنية ويزداد عدد السكان من دون أن تصبح المدينة أكثر قدرة على توفير مصادر عيش مستقرة لسكانها.

هذه المفارقة توجد في قلب تقرير حديث للبنك الدولي بعنوان «مدن تعمل: تحقيق إمكانات الوظائف في مدن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، صدر في يونيو 2026. وينطلق التقرير من حقيقة ديمغرافية واقتصادية ثقيلة: أكثر من 60 في المائة من سكان المنطقة يعيشون في المدن، بينما سيصل نحو 300 مليون شاب بحلول 2050 إلى سن البحث عن العمل. لذلك لم يعد ممكناً التعامل مع البطالة باعتبارها قضية تخص وزارات التشغيل وحدها، لأن المكان الذي توجد فيه الوظيفة والسكن والنقل والشركة والأرض والخدمات يحدد بدوره من يستطيع العمل ومن يبقى خارج السوق.

فرص العمل في المدن العربية.. حين تكبر المدينة أسرع من اقتصادها

اعتمد تقرير البنك الدولي على تحليل 615 مدينة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومقارنتها بأكثر من ثمانية آلاف مدينة حول العالم. وتوصل إلى أن مدن المنطقة تتمتع بإمكانات اقتصادية مهمة، لكنها لا تستفيد بالكامل من الحجم والكثافة الحضرية لتحويلهما إلى إنتاجية وفرص عمل، إذ تعمل المدينة المتوسطة في المنطقة، وفق التحليل، عند مستوى إنتاجية يقل بنحو 17.6 في المائة عن أفضل المدن العالمية المماثلة لها في الحجم.

تكمن أهمية هذه النتيجة في أنها تغير الطريقة التي ننظر بها إلى التوسع الحضري. فوجود ملايين السكان في مساحة واحدة يمكن أن يكون ميزة اقتصادية هائلة عندما تقترب الشركات من العمال والأسواق والخدمات والموردين، لكن الكثافة نفسها قد تتحول إلى ازدحام وارتفاع في أسعار الأرض والسكن وطول في رحلات العمل إذا لم يواكبها نقل فعال وبنية تحتية وخدمات وسياسة اقتصادية قادرة على جذب المؤسسات المنتجة.

لهذا لا يكفي أن نسأل كم يبلغ عدد سكان المدينة أو كم كيلومتراً توسعت مساحتها، بل ينبغي أن نعرف مقدار النشاط الاقتصادي الذي ينتجه هذا التوسع، ونوعية الوظائف التي يخلقها، وقدرة سكان الأحياء الجديدة على الوصول إليها.

حين يسكن العامل بعيداً عن الوظيفة

تظهر العلاقة بين التخطيط والعمل بوضوح عند أطراف المدن العربية. فالسكن الأقل كلفة يوجد غالباً بعيداً عن المناطق التي تتركز فيها الوظائف، بينما قد يحتاج العامل إلى رحلة طويلة ومكلفة للوصول إلى مكان عمله. وعندما تكون شبكة النقل ضعيفة أو غير منتظمة، تصبح المسافة نفسها حاجزاً أمام التشغيل.

وهذه ليست مشكلة نقل منفصلة عن الاقتصاد. فتقرير البنك الدولي يشير إلى أن قيود السكن تؤثر في حركة العمال والوصول إلى الفرص، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب والعمال الأقل مهارة، كما أن صعوبات النقل ورعاية الأطفال والسلامة تؤثر في قدرة النساء على دخول سوق العمل.

وتوضح دراسات للبنك الدولي حجم هذه المشكلة في ثلاث عواصم عربية. فعند الجمع بين النقل العام والمشي، كان السكان يستطيعون الوصول خلال ستين دقيقة إلى نحو 18 في المائة فقط من الوظائف في عمّان، و30 في المائة في بيروت و13 في المائة في القاهرة، وفق دراسة بحثت العلاقة بين النقل والوصول إلى الفرص الاقتصادية.

هنا يصبح موقع البيت جزءاً من سياسة التشغيل، لأن وظيفة موجودة في المدينة لا تعني بالضرورة أنها متاحة لجميع سكانها إذا كان الوصول إليها يستهلك وقتاً أو مالاً لا تستطيع الأسرة تحمله.

المغرب.. أغلب قوة العمل أصبحت حضرية

تظهر أحدث بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن هذه العلاقة تكتسب أهمية متزايدة في المغرب. ففي الربع الثاني من 2026 بلغ حجم قوة العمل، وفق المنهجية الجديدة للمندوبية، نحو 11.76 مليون شخص، وكان 63.5 في المائة منهم يعيشون في الوسط الحضري. وفي الوقت نفسه بلغ معدل المشاركة في قوة العمل 41.2 في المائة في المدن، بينما لم تمثل النساء سوى 21.5 في المائة من إجمالي قوة العمل على المستوى الوطني.

وتكشف الأرقام أيضاً عن مشكلة شبابية واضحة، إذ سجلت الفئة بين 15 و24 سنة أدنى معدل للمشاركة في قوة العمل، عند 22.9 في المائة. وتحتاج هذه النسبة إلى قراءة حذرة لأنها تشمل فئة يوجد جزء منها في التعليم، لكنها تظل مؤشراً على صعوبة العلاقة بين الأجيال الجديدة وسوق العمل. كما تنبه المندوبية إلى أن مسح قوة العمل الجديد المعتمد في 2026 أدخل تغييرات منهجية ومفاهيمية، ولذلك لا يجوز مقارنة مؤشراته مباشرة بالسلاسل القديمة من دون استخدام البيانات المعاد احتسابها وفق المنهجية الجديدة.

ولا تعني هذه الأرقام أن المدينة المغربية لا تنتج وظائف. فقد أظهرت النتائج السنوية لعام 2025 أن الاقتصاد أحدث 193 ألف منصب شغل صافٍ مقارنة بعام 2024، منها 203 آلاف في الوسط الحضري مقابل فقدان عشرة آلاف في الوسط القروي. لكنها تكشف في الوقت نفسه أن المدن أصبحت المكان الرئيسي الذي يتجمع فيه الباحثون عن العمل، وبالتالي المكان الذي سيظهر فيه نجاح الاقتصاد أو عجزه عن استيعاب التحول الديمغرافي والمجالي.

عندما تصبح الوظيفة عربة أو محلاً صغيراً

لا يعني غياب الوظيفة النظامية أن المدينة تتوقف عن العمل. ففي كثير من المدن العربية يستجيب السكان لنقص الفرص من خلال خلق اقتصادهم اليومي بأنفسهم، فتظهر التجارة الصغيرة والخدمات والحرف والعمل المنزلي والنقل والبيع في الشارع ومجموعة واسعة من الأنشطة غير المهيكلة.

لهذا يؤدي الاقتصاد غير المهيكل وظيفة مزدوجة. فهو يوفر دخلاً لأشخاص قد لا يجدون مكاناً في الشركات والقطاع المنظم، لكنه قد يترك العامل أيضاً خارج الحماية الاجتماعية والاستقرار المهني والحقوق التقاعدية. وتشير المندوبية السامية للتخطيط في دراسة منشورة في مايو 2026 إلى أن مسارات العمل غير المهيكل يمكن أن تراكم تفاوتات طويلة الأجل بسبب ضعف أو غياب الحقوق القائمة على الاشتراكات الاجتماعية.

المفارقة هنا أن النشاط الاقتصادي موجود بالفعل في الشارع، لكن جزءاً منه لا يتحول إلى وظيفة مستقرة ومنتجة بالمعنى الذي يسمح للعامل والأسرة بالتخطيط للمستقبل. ومن ثم لا ينبغي النظر إلى البائع الصغير أو الورشة المنزلية باعتبارهما مجرد مشكلة في النظام الحضري، ولا باعتبارهما حلاً مثالياً للبطالة، وإنما بوصفهما مؤشراً على الطريقة التي يتكيف بها السكان مع سوق عمل لا يستطيع استيعاب الجميع بالشروط نفسها.

لماذا لا تتحول الكثافة إلى وظائف؟

يحدد تقرير البنك الدولي مجموعة من العوائق التي تمنع المدن في المنطقة من استغلال إمكاناتها الاقتصادية بالكامل. فالشركات تواجه في بعض الحالات صعوبات مرتبطة بالحصول على الأرض والكهرباء والمياه والنقل، بينما تعاني المنطقة من ضعف نسبي في حضور الشركات الخاصة الكبيرة والشركات ذات الملكية الأجنبية التي يمكن أن تلعب دوراً في رفع الإنتاجية وخلق الوظائف.

وهذا يعيدنا إلى التخطيط الحضري نفسه. فالمنطقة الصناعية البعيدة عن شبكة نقل جيدة لا تعمل بكفاءتها الكاملة، والأرض التي يصعب توفيرها للمشروع المنتج ترفع كلفة الاستثمار، والموظف الذي لا يجد سكناً مناسباً قرب العمل يدفع جزءاً من دخله وزمنه في التنقل، بينما تستطيع شركة في مدينة مترابطة الوصول بسهولة أكبر إلى العمال والموردين والأسواق.

بهذا المعنى، لا توجد حدود واضحة بين سياسة المدينة والسياسة الاقتصادية. فالرصيف والحافلة والأرض الصناعية والسكن وشبكة الإنترنت والكهرباء تبدو قطاعات مختلفة في الميزانية، لكنها تجتمع كلها عندما تحاول شركة أن تنتج وعندما يحاول شخص أن يصل إلى وظيفة.

النساء يدفعن كلفة المدينة غير المترابطة

تظهر المشكلة بصورة أكثر حدة عندما يتعلق الأمر بعمل النساء. فتدني المشاركة الاقتصادية للنساء في المنطقة لا يمكن تفسيره بسبب واحد، لأن العوامل الاجتماعية والقانونية والأسرية وسوق العمل تتداخل، لكن تصميم المدينة والنقل ورعاية الأطفال والسلامة تدخل بدورها في تحديد إمكانية الوصول إلى الوظيفة.

ولهذا يشدد تقرير «مدن تعمل» على أن النقل والسكن والخدمات ليست عناصر هامشية في تشغيل النساء والشباب. فالفرصة الاقتصادية التي تقع في الطرف الآخر من المدينة قد تكون متاحة نظرياً، لكنها تصبح أقل قابلية للوصول عندما لا تتوفر وسيلة نقل آمنة وموثوقة أو خدمة لرعاية الأطفال أو عندما تستهلك الرحلة اليومية جزءاً كبيراً من الوقت والدخل.

من هنا يصبح تحسين مشاركة النساء في الاقتصاد مرتبطاً أيضاً بمدينة تجعل الانتقال بين البيت والعمل ممكناً، وليس فقط بسياسة توظيف داخل المؤسسة.

المدن الصغيرة ليست نسخاً مصغرة من العواصم

يطرح تقرير البنك الدولي نقطة مهمة بالنسبة إلى العالم العربي والمغرب تحديداً، وهي أن السياسة الحضرية لا ينبغي أن تعامل جميع المدن بالطريقة نفسها. فالمدن الكبرى تحتاج إلى إدارة الازدحام وتجديد الأراضي الحضرية غير المستغلة وتحسين جودة الحياة وجذب الاستثمارات المتنوعة والابتكار، بينما تحتاج المدن الصغيرة والمتوسطة إلى استراتيجيات أقرب إلى قدراتها ومواردها الاقتصادية المحلية.

قد تكون قوة مدينة متوسطة في السياحة أو الصناعات الغذائية أو اللوجستيك أو الصناعة الخفيفة، ولذلك لا يفيدها بالضرورة تقليد الدار البيضاء أو القاهرة أو الرياض في مشروعاتها الكبرى. المطلوب هو ربط التخطيط بما تستطيع المدينة إنتاجه فعلاً، ثم توفير النقل والأرض والخدمات والتكوين والاتصال بالأسواق التي تسمح لذلك النشاط بالنمو.

وهنا تظهر مشكلة تتكرر في المنطقة العربية عندما يصبح طموح المدينة العمراني أكبر من مشروعها الاقتصادي، فتريد كل مدينة منطقة أعمال ضخمة ومركزاً تجارياً وأحياء جديدة، بينما لا يكون واضحاً ما الاقتصاد الذي سيشغل سكانها بعد اكتمال البناء.

المبنى يخلق عملاً.. لكن المدينة تحتاج إلى اقتصاد

تستطيع طفرة البناء أن توفر آلاف فرص العمل، كما يستطيع مشروع بنية تحتية كبير أن يحرك المقاولات والخدمات المحيطة به، لكن المدينة تحتاج بعد انتهاء الورش إلى اقتصاد قادر على الاستمرار. ولهذا لا يمكن قياس نجاح التنمية الحضرية بعدد العمارات والطرق التي أنجزت وحدها، لأن القيمة الأعمق تظهر عندما تساعد هذه الاستثمارات على ظهور شركات أكثر إنتاجية ووظائف أكثر استقراراً وربط أفضل بين العامل ومكان العمل.

وهو ما يفسر تركيز تقرير البنك الدولي على أربعة محاور مترابطة: كثافة حضرية منتجة تدعمها البنية والخدمات، وربط المدن بالأسواق الداخلية والخارجية، وتحسين قدرتها على جذب الاستثمار والكفاءات، ثم بناء تعاون عملي بين القطاعين العام والخاص.

ليست القضية إذن أن تتوقف المدينة العربية عن البناء، وإنما أن يصبح البناء جزءاً من استراتيجية اقتصادية أوسع، بحيث نعرف قبل توسيع حي جديد كيف سيصل سكانه إلى العمل، وقبل إنشاء منطقة اقتصادية كيف سيصل إليها العمال، وقبل جذب المستثمر كيف ستتوفر له الأرض والخدمات والمهارات التي يحتاجها.

المدينة التي تعمل

خلال العقود المقبلة سيستمر جزء كبير من النمو السكاني والاقتصادي العربي داخل المدن، ولذلك ستكون قضية العمل في جوهرها قضية حضرية أيضاً. ولن يكفي أن تستوعب المدينة السكان داخل مساكن جديدة إذا لم تستطع في الوقت نفسه ربطهم بالفرص الاقتصادية، كما لن يكفي إنشاء الوظائف في أطراف بعيدة إذا بقي الوصول إليها صعباً على جزء من السكان.

المدينة التي تعمل ليست بالضرورة المدينة التي تمتلك أكبر الأبراج أو أطول الطرق، وإنما المدينة التي يستطيع فيها السكن والنقل والأرض والخدمات والاقتصاد أن تعمل كمنظومة واحدة. ولهذا فإن تحسين فرص العمل في المدن العربية لن يعتمد على سياسات التشغيل وحدها، بل على قدرة التخطيط الحضري والاقتصاد والنقل والسكن على العمل معاً، بحيث يستطيع الشاب الوصول إلى فرصة عمل، وتستطيع المرأة الانتقال إلى وظيفتها بأمان وكلفة معقولة، وتجد المقاولة الصغيرة مكاناً للنمو بدلاً من البقاء محاصرة في الهشاشة.

وهنا تكمن المفارقة التي تواجه المدن العربية اليوم: المشكلة ليست أنها تكبر، بل أن عليها أن تتعلم كيف تجعل اقتصادها يكبر معها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Poursuivez votre lecture

Une lettre de la ville

Des lectures qui méritent votre attention.

Inscrivez-vous à notre lettre. Les envois commenceront à son lancement.