محمد عابد الجابري والعقل العمراني: هل يمكن قراءة أزمة المدينة العربية من خلال نقد العقل العربي؟

بقلم: إبراهيم الحشالي
عندما يُذكر اسم المفكر المغربي محمد عابد الجابري، يتبادر إلى الذهن مباشرة مشروعه الفكري الضخم «نقد العقل العربي»، الذي سعى من خلاله إلى تفكيك البنيات المعرفية والثقافية التي حكمت تطور المجتمعات العربية عبر قرون طويلة. غير أن قراءة مشروع الجابري غالباً ما ظلت حبيسة أسئلة الفكر والسياسة والدين، في حين أن أفكاره تسمح أيضاً بفتح نقاش عميق حول المدينة العربية، وطبيعة المجال الحضري، وأسباب التعثر الذي تعرفه العديد من المدن في العالم العربي.
صحيح أن الجابري لم يكتب كتاباً متخصصاً في العمران أو التخطيط الحضري كما فعل بعض علماء الاجتماع أو الجغرافيين، إلا أن مشروعه الفكري يقدم أدوات تحليلية تساعد على فهم جزء مهم من الاختلالات التي تعاني منها المدن العربية اليوم. فالمدينة ليست مجرد بنايات وطرقات وشبكات نقل، بل هي انعكاس لطريقة تفكير المجتمع وإدارته للمعرفة والسلطة والموارد.
ومن هنا يمكن طرح سؤال جوهري: هل تعكس أزمات المدينة العربية أزمة في التخطيط فقط، أم أنها تعكس أيضاً أزمة في العقل الذي ينتج هذا التخطيط؟
يرى الجابري أن العقل العربي تشكل تاريخياً من خلال ثلاثة أنظمة معرفية كبرى: البيان والعرفان والبرهان. وقد لعب كل نظام منها دوراً مختلفاً في إنتاج المعرفة وتوجيه السلوك الاجتماعي والسياسي.
في المجال الحضري، يمكن ملاحظة آثار هذه الأنظمة المعرفية في طريقة بناء المدن وإدارتها. فالكثير من القرارات المرتبطة بالمجال العمراني لا تُبنى دائماً على الدراسات العلمية والمعطيات الدقيقة، بل تخضع أحياناً لاعتبارات تقليدية أو سياسية أو ظرفية. وهنا يظهر غياب العقل البرهاني الذي دافع عنه الجابري باعتباره أساساً لأي مشروع حداثي.
فالمدينة الحديثة تحتاج إلى التخطيط القائم على المعرفة والإحصاء والتوقعات المستقبلية، لا إلى الحلول الترقيعية أو التدخلات الظرفية. وعندما يغيب هذا المنطق تتحول المدينة إلى فضاء للفوضى العمرانية والاكتظاظ والتفاوت الاجتماعي.
واحدة من أبرز القضايا التي يمكن قراءتها من خلال فكر الجابري هي العلاقة المعقدة بين التراث والحداثة داخل المدن العربية.
فالعديد من المدن العربية تجد نفسها أمام معادلة صعبة: كيف تحافظ على هويتها التاريخية وفي الوقت نفسه تواكب متطلبات التنمية الحديثة؟
في المغرب مثلاً، تشكل المدن العتيقة جزءاً أساسياً من الذاكرة الجماعية ومن الرأسمال الثقافي الوطني. غير أن المحافظة على هذا التراث لا ينبغي أن تتحول إلى عائق أمام التطوير العمراني أو تحسين جودة الحياة.
كان الجابري يرفض القطيعة مع التراث كما يرفض الخضوع له بشكل أعمى. وقد دعا إلى إعادة قراءته بعقل نقدي يسمح بالاستفادة من عناصره الإيجابية وتجاوز عناصره المعيقة. وينطبق هذا المبدأ بشكل واضح على السياسات الحضرية المعاصرة.
فالمدينة الناجحة ليست تلك التي تهدم ماضيها بالكامل، ولا تلك التي تتجمد داخله، بل المدينة القادرة على بناء توازن بين الأصالة والتجديد.
عندما نتأمل عدداً من المشكلات التي تواجه المدن العربية، مثل التوسع العمراني غير المنظم، وضعف النقل العمومي، واختلال توزيع الخدمات، وانتشار الأحياء الهامشية، يبدو للوهلة الأولى أن المشكلة تقنية أو مالية.
لكن قراءة أعمق تكشف أن جزءاً من الأزمة يرتبط بطريقة التفكير ذاتها.
فالتخطيط الحضري ليس مجرد خرائط ومشاريع هندسية، بل هو تصور شامل للمجتمع وللعلاقات بين المواطنين والفضاء العام. وعندما تغيب الرؤية الاستراتيجية، تصبح المشاريع العمرانية مجرد استجابات آنية لضغوط متزايدة.
من هذا المنظور، يمكن اعتبار أن كثيراً من المدن العربية تعاني مما يمكن تسميته «أزمة العقل التخطيطي»، أي ضعف القدرة على استشراف المستقبل وبناء سياسات حضرية طويلة المدى.
وهنا تكتسب دعوة الجابري إلى العقلانية والبرهان أهمية خاصة، لأنها تذكرنا بأن التنمية الحضرية تبدأ من إصلاح طرق التفكير قبل إصلاح البنية التحتية.
تعيش المدن المغربية منذ عقود تحولات عميقة بفعل النمو الديمغرافي والهجرة القروية والتوسع الاقتصادي. وقد نجحت المملكة في إطلاق مشاريع كبرى في مجالات النقل والتهيئة الحضرية والبنيات التحتية، إلا أن تحديات متعددة ما زالت قائمة.
وتتمثل أبرز هذه التحديات في تحقيق العدالة المجالية، وتقليص الفوارق بين الأحياء، وتعزيز المشاركة المواطنة في تدبير الشأن المحلي، والحفاظ على التوازن بين النمو العمراني والبيئي.
إن استحضار فكر الجابري في هذا السياق لا يعني البحث عن حلول تقنية جاهزة، بل الاستفادة من منهجه النقدي في تحليل المشكلات. فالرجل كان يؤمن بأن النهضة لا تتحقق بالشعارات، بل ببناء عقل قادر على فهم الواقع والتعامل معه بموضوعية.
قد لا يكون محمد عابد الجابري منظّراً للمدينة بالمعنى الأكاديمي المباشر، لكنه قدم مشروعاً فكرياً يسمح بإعادة التفكير في كثير من القضايا المرتبطة بالعمران والتنمية الحضرية. فكما أن إصلاح السياسة يمر عبر إصلاح العقل السياسي، فإن بناء مدينة عربية أكثر عدلاً واستدامة يمر أيضاً عبر بناء عقل تخطيطي نقدي، قادر على تجاوز الارتجال والاعتماد على المعرفة والعقلانية.
ومن هنا تظل أفكار الجابري ذات راهنية كبيرة، ليس فقط في النقاشات الفكرية، بل أيضاً في النقاشات المرتبطة بمستقبل المدن العربية وكيفية جعلها فضاءات للعيش الكريم والتنمية والابتكار.