عندما تنتصر الإرادة قبل الكرة
قراءة سوسيولوجية في السياسات العمومية بالمغرب بين إنجازات كرة القدم وإمكانات المجتمع

بقلم: إبراهيم الحشالي
لم يعد ما يحققه المغرب في كرة القدم مجرد إنجاز رياضي عابر، ولا مجرد لحظة احتفال جماعي تنتهي بانتهاء المباراة. لقد تحول هذا النجاح إلى سؤال سوسيولوجي وسياسي عميق: لماذا يستطيع المغاربة تحقيق نتائج عالمية عندما تتوفر لهم منظومة واضحة، بينما تبقى قطاعات أخرى بعيدة عن المستوى نفسه من النجاح؟ وهل المشكلة في الإنسان المغربي أم في البيئة التي يعمل داخلها؟
هذا السؤال ليس جديداً في علم الاجتماع. فقد أثبتت عشرات الدراسات أن الفارق بين المجتمعات الناجحة وغيرها لا يكمن في اختلاف القدرات العقلية للأفراد، بل في اختلاف المؤسسات والسياسات العمومية التي تنظم تلك القدرات وتوجهها.
تؤكد أبحاث عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن النجاح الاجتماعي لا يولد من الموهبة وحدها، بل من توفر ما سماه “الرأسمال الاجتماعي والثقافي”، أي البيئة التي تمنح الفرد فرص التعلم والثقة والعلاقات والاعتراف.
ومن هذا المنطلق، فإن ما حققه المنتخب المغربي ليس معجزة وراثية. اللاعبون أنفسهم هم أبناء المجتمع المغربي، لكنهم اشتغلوا داخل منظومة احترافية وفرت لهم التدريب، والاستقرار، والتخطيط، والاستثمار طويل المدى.
بمعنى آخر، لم يتغير الإنسان، بل تغيرت شروط العمل.
عندما قرر المغرب الاستثمار في كرة القدم لم يكتف ببناء الملاعب، بل أنشأ منظومة متكاملة.
تم الاستثمار في التكوين، والبنية التحتية، والكفاءات، والحوكمة، والاستقرار الإداري، والتخطيط الممتد لسنوات.
وهذا ما تؤكده أدبيات التنمية الحديثة التي ترى أن المؤسسات القوية أهم من الموارد الطبيعية.
لقد بين الاقتصاديان دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون في كتابهما الشهير أن الدول تتقدم عندما تبني مؤسسات تفتح المجال أمام الكفاءات بدل احتكار الفرص.
وهذا بالضبط ما حدث داخل المنظومة الكروية المغربية.
لو توفرت للمدرسة المغربية نصف الحوكمة التي عرفها القطاع الرياضي، ربما كنا أمام ثورة معرفية.
ولو حصل الباحث العلمي على الدعم نفسه الذي يحظى به اللاعب المحترف، ربما أصبح المغرب منتجاً للمعرفة لا مستهلكاً لها.
ولو وُجدت بيئة تحفز المقاول الشاب وتحمي المبادرة، لتحولت آلاف الأفكار إلى شركات ومنتجات وفرص شغل.
إن المشكلة ليست في نقص الذكاء، بل في غياب البيئة المنتجة للإبداع.
تشير تقارير التنمية البشرية إلى أن المغرب يتوفر على كتلة شبابية واسعة، وجالية ناجحة في مختلف دول العالم، وكفاءات علمية وطبية وهندسية مرموقة.
لكن المفارقة أن كثيراً من هذه الكفاءات لا تبدع إلا بعد مغادرة البلاد.
وهنا يطرح علم الاجتماع سؤالاً بسيطاً:
إذا كان الشخص نفسه ينجح داخل جامعة أمريكية أو شركة أوروبية، فلماذا تعثر قبل ذلك داخل مؤسساته الوطنية؟
الإجابة ليست في الفرد، بل في النظام الذي يحتضنه.
يشير عالم الاجتماع الأمريكي فرانسيس فوكوياما إلى أن المجتمعات التي ترتفع فيها الثقة تحقق معدلات أعلى من التنمية والابتكار.
الثقة ليست شعاراً أخلاقياً، بل مورد اقتصادي.
عندما يثق المواطن في المدرسة، وفي الإدارة، وفي القضاء، وفي تكافؤ الفرص، يصبح أكثر استعداداً للاستثمار والعمل والإبداع.
أما حين تسود البيروقراطية والمحسوبية، فإن الطاقات تنكمش حتى لو كانت المواهب موجودة.
لقد أثبت المنتخب المغربي أن المواطن المغربي قادر على منافسة أكبر الدول عندما يعمل داخل مؤسسة تؤمن بالكفاءة والانضباط.
وهذا الدرس لا يخص الرياضة فقط.
إنه يصلح للصناعة، والبحث العلمي، والثقافة، والجامعة، والإدارة، والاقتصاد الرقمي.
فالمنطق واحد:
كلما تحسنت المؤسسة، تحسن أداء الإنسان.
التحدي الحقيقي أمام السياسات العمومية المغربية اليوم ليس تحقيق نجاحات معزولة، بل تحويل منطق النجاح إلى ثقافة عامة داخل مؤسسات الدولة.
فالنجاح الرياضي ينبغي أن يصبح نموذجاً للإدارة، وللجامعة، وللمستشفى، وللمقاولة، وللمدرسة.
عندما يشعر الطفل المغربي أن موهبته ستحظى بالرعاية سواء كان لاعباً، أو باحثاً، أو فناناً، أو مخترعاً، فإن المجتمع كله سيدخل دورة جديدة من الإنتاج.
إن الإنجاز الكروي المغربي لم يكن مجرد انتصار في المستطيل الأخضر، بل تجربة اجتماعية أثبتت أن الإنسان المغربي يزدهر كلما توفرت له الرؤية، والمؤسسات، والاستثمار، والعدالة في الفرص.
وتؤكد الأدبيات السوسيولوجية الحديثة أن التنمية لا تبدأ من تغيير الإنسان، بل من تغيير الشروط التي يعمل داخلها.
ولعل أكبر درس قدمته كرة القدم للمغرب هو أن الاستثمار الحقيقي ليس في الكرة نفسها، وإنما في الإنسان.
فإذا استطاعت سياسات عمومية ناجحة أن تصنع منتخباً ينافس عمالقة العالم، فإن السياسات نفسها، إذا امتدت إلى التعليم والبحث العلمي والثقافة والاقتصاد، قادرة على صناعة مجتمع كامل ينافس الأمم، لا في الرياضة فقط، بل في المعرفة والإبداع والإنتاج الحضاري.


