الباعة الجائلون في المغرب.. من يملك اقتصاد الرصيف؟
Un timbre vocal adapté doit être disponible dans votre navigateur.

في الصباح الباكر، قبل أن تمتلئ الشوارع بالسيارات والمارة، يبدأ اقتصاد آخر في الاستيقاظ. عربة خضر وفواكه تبحث عن مكان مناسب، بائع يرتب بضاعته عند مدخل سوق، وآخر يحمل ما يستطيع نقله عندما يضطر إلى تغيير موقعه. هذا المشهد مألوف في مدن مغربية كثيرة، حتى أصبح البائع الجائل جزءاً من الصورة اليومية للشارع، لكنه يظل في الوقت نفسه في قلب نزاع حضري لم تجد المدن له حلاً مستقراً.
عادة ما يُطرح الملف من زاويتين متعارضتين. الأولى ترى في احتلال الأرصفة والفوضى التي قد ترافق بعض أشكال التجارة الجائلة مشكلة تستدعي التنظيم، بينما تنظر الثانية إلى البائع باعتباره شخصاً يبحث عن دخل في سوق عمل لا يوفر للجميع فرصة مستقرة. غير أن اختزال القضية في الاختيار بين «تحرير الملك العمومي» وترك الشارع بلا قواعد يخفي سؤالاً أعمق: لماذا ينتج اقتصاد المدينة باستمرار هذا النوع من العمل؟
الرصيف ليس مجرد مساحة فارغة
حين يختار البائع مكاناً في شارع مزدحم، فهو لا يختار بضعة أمتار من الإسفلت فقط، وإنما يبحث عن تدفق بشري. قرب محطة الحافلات، أو السوق، أو المدرسة، أو الشارع التجاري، تتحول الحركة اليومية للسكان إلى قيمة اقتصادية.
لهذا يمكن النظر إلى الرصيف باعتباره جزءاً من اقتصاد المدينة. فالموقع الذي يمر منه آلاف الأشخاص ليس مساوياً لمكان بعيد عن الحركة، حتى إذا كانت مساحة الاثنين متطابقة. وهذه القيمة تفسر جانباً من الصراع المتكرر على الفضاء العام بين المشاة والتجار وأصحاب السيارات والمقاهي والباعة المتجولين.
المشكلة أن هذه القيمة الاقتصادية لا تظهر عادة في الخرائط الرسمية للمدينة. التخطيط يرسم الطريق والرصيف والساحة، لكن الاستخدام الفعلي للمكان قد ينتج وظائف أخرى لم تكن موجودة على الورق.
الاقتصاد غير المهيكل أكبر من صورة البائع الجائل
من الخطأ مساواة الاقتصاد غير المهيكل كله بالتجارة الجائلة. فالمندوبية السامية للتخطيط تعرف القطاع غير المهيكل بصورة أوسع، وتشمل دراستها وحدات إنتاج غير فلاحية لا تتوفر على محاسبة وفق التنظيم المعمول به، سواء كانت لها محلات أو تعمل من دون محل أو من المنزل. وقد شملت أحدث دراسة وطنية 12,391 وحدة إنتاج جرى تتبعها بين أبريل 2023 ومارس 2024.
لكن أهمية هذه الأرقام تكمن في أنها تضع البائع الجائل داخل سياق اقتصادي أكبر. فالأمر لا يتعلق بمجموعة هامشية منفصلة عن الاقتصاد، وإنما بجزء من منظومة واسعة تستوعب أشخاصاً لا يجدون دائماً طريقاً سهلاً إلى النشاط المنظم والحماية الاجتماعية والتمويل.
ويشير تقرير للبنك الدولي صدر في 2026، اعتماداً على بيانات سوق العمل المغربية، إلى أن العمل غير الرسمي ظل يمثل 69.4 في المئة من التشغيل سنة 2024 عند قياسه بعدم التغطية بالضمان الاجتماعي. لذلك يصبح التعامل مع التجارة الجائلة باعتبارها مشكلة أرصفة فقط معالجة للنتيجة أكثر مما هي معالجة للأسباب.
حين تتحول «الحملة» إلى سياسة حضرية
تواجه الجماعات معضلة حقيقية. فالشارع حق مشترك، ومن غير المقبول أن يصبح الرصيف غير قابل للاستعمال بالنسبة إلى المشاة، أو أن تضيق الممرات إلى درجة تدفع الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة إلى السير وسط السيارات.
لكن إزالة البائع من مكان ما لا تعني بالضرورة إزالة النشاط الاقتصادي الذي دفعه إليه. إذا بقيت الحاجة إلى الدخل وبقي الزبون موجوداً، فقد ينتقل النشاط إلى شارع آخر أو يعود إلى الموقع نفسه بعد انتهاء الحملة.
من هنا يظهر الفرق بين التدبير المؤقت والسياسة الحضرية. الأول يقيس نجاحه بعدد العربات التي اختفت من الشارع في يوم معين، بينما تسأل الثانية عما سيحدث للبائع والرصيف والسوق بعد ستة أشهر.
التنظيم لا يعني بالضرورة الإقصاء
يمكن للمدينة أن تدافع عن حق المشاة في الرصيف دون أن تتعامل مع كل نشاط غير رسمي باعتباره عدواً للفضاء العام. المسألة تتعلق بكيفية توزيع الاستخدامات ووضع قواعد قابلة للتطبيق.
يمكن مثلاً التفكير في أسواق قريبة من مناطق الحركة الفعلية، ومساحات محددة للتجارة في أوقات معينة، وممرات لا يجوز احتلالها، وشروط للنظافة والسلامة، وآليات تسجيل مبسطة تسمح بالتدرج نحو النشاط المنظم.
لكن نجاح هذه الحلول يرتبط بالتفاصيل. فإذا نُقل البائع إلى سوق بعيد لا يمر به الزبائن، فقد يكون المشروع منظماً عمرانياً لكنه فاشل اقتصادياً. فالمدينة لا تستطيع أن تحدد مكان التجارة الصغيرة اعتماداً على توفر الأرض وحده؛ عليها أن تفهم أين توجد حركة الناس ولماذا.
من يدفع ثمن التنظيم؟
هناك أيضاً جانب اجتماعي لا ينبغي تجاهله. الانتقال من النشاط غير الرسمي إلى نشاط منظم قد يعني رسوماً والتزامات إدارية وتكاليف إضافية. بالنسبة إلى مشروع صغير جداً وهامش ربح محدود، يمكن أن تكون هذه الكلفة حاسمة.
وفي المقابل، للبقاء خارج التنظيم كلفة أخرى: غياب الاستقرار، وضعف الحماية الاجتماعية، وصعوبة الحصول على التمويل، وإمكانية فقدان مكان العمل في أي وقت.
هذه المفارقة هي التي تجعل «الإدماج» أكثر تعقيداً من مجرد مطالبة البائع بالتسجيل. فإذا كانت تكلفة الدخول إلى الاقتصاد المنظم أعلى من قدرة النشاط على تحملها، سيظل جزء من العاملين خارجه مهما تعددت حملات المراقبة.
وتأتي هذه القضية في وقت يضع فيه المغرب خلق فرص العمل في قلب النقاش الاقتصادي. فقد أشار البنك الدولي في يوليو 2026 إلى أن الاقتصاد سجل نمواً يقدر بـ4.9 في المئة خلال 2025، لكنه لفت في الوقت نفسه إلى أن مؤشرات الاستخدام غير الكامل للعمل بلغت 22.5 في المئة، بما يعكس استمرار فجوة بين النمو وقدرة سوق العمل على استيعاب الطاقات المتاحة.
البائع الجائل جزء من اقتصاد الحي
هناك جانب آخر غالباً ما يضيع في النقاش. فالتجارة الصغيرة لا توفر دخلاً للبائع فقط، وإنما تقدم في أحياء كثيرة سلعاً قريبة وبأسعار تناسب جزءاً من السكان. كما ترتبط بسلاسل أخرى من الموردين والنقل والأسواق.
حتى الاقتصاد السياحي للمدن يكشف هذا الترابط. ففي مراكش مثلاً، يضع البنك الدولي الباعة في الشوارع ضمن مجموعة واسعة من الأنشطة التي تستفيد من حركة ملايين الزوار إلى المدينة، إلى جانب الفنادق والمرشدين والحرفيين.
وهذا لا يعني قبول كل استعمال للشارع، وإنما يعني أن القرار الحضري قد تكون له آثار اقتصادية تتجاوز الموقع الذي تجري إعادة تنظيمه.
مدينة للمشاة أم مدينة للباعة؟
السؤال بهذه الصيغة يقود إلى طريق مسدود، لأن المشاة والباعة ليسوا مجموعتين منفصلتين تماماً. البائع نفسه يمشي في المدينة، والمتسوق يحتاج إلى الرصيف، وسكان الحي يحتاجون في الوقت نفسه إلى الحركة الآمنة والخدمات القريبة.
لذلك لا ينبغي أن يكون الهدف انتصار طرف على آخر، وإنما بناء قاعدة واضحة: الرصيف يبقى قابلاً للمشي، والنشاط التجاري الصغير يجد مكاناً قانونياً وقابلاً للحياة الاقتصادية، والسلطة تنتقل من الحملات المتقطعة إلى تنظيم يمكن توقعه واحترامه.
هذا النوع من الحلول أصعب من الإزالة، لأنه يحتاج إلى معرفة دقيقة بالشارع وبحركة الناس وباقتصاد الأحياء. لكنه أكثر استدامة أيضاً.
من يملك الرصيف إذن؟
من الناحية القانونية، الجواب يتعلق بالملك العمومي والقواعد المنظمة لاستعماله. أما من الناحية الحضرية، فالقضية أكثر تركيباً، لأن الرصيف مساحة تتقاطع فيها حقوق متعددة: حق المرور، وحق الوصول إلى المحلات والمنازل، ومتطلبات السلامة، والحاجة إلى العمل، ووظيفة الشارع باعتباره فضاءً عاماً.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس من يستولي على الرصيف، بل كيف تدير المدينة مورداً نادراً تتنافس عليه وظائف مختلفة.
إذا تعاملنا مع البائع الجائل باعتباره مجرد عائق، سنفهم نصف المشكلة فقط. وإذا تجاهلنا حق الناس في شارع منظم وقابل للمشي، سنفهم النصف الآخر فقط. أما السياسة الحضرية الأكثر نضجاً فتبدأ عندما تعترف بالأمرين معاً: الرصيف فضاء عام يجب حمايته، لكنه أيضاً مكان يكشف كيف يعمل اقتصاد المدينة ومن يبقى خارجه.