التخطيط الحضري في المغرب.. لماذا لا تصنع العمارات وحدها مدينة؟

العمران والهندسة
Mis à jour :
Articles à écouterLecture automatique du texte

Un timbre vocal adapté doit être disponible dans votre navigateur.

في كثير من المدن المغربية، يمكن أن يتغير المشهد العمراني خلال سنوات قليلة. تظهر عمارات جديدة، تتوسع التجزئات السكنية، وتمتد الأحياء نحو أطراف المدينة. لكن بين واجهة عمارة وأخرى يبرز سؤال أكثر أهمية من عدد الشقق التي أضيفت إلى السوق: هل أنتج هذا البناء مدينة أفضل، أم أنه أضاف مساكن فقط؟

الفرق ليس لغوياً. فالمدينة لا تتكون من المباني وحدها، وإنما من العلاقات التي تنشأ بينها: الشارع والرصيف والساحة والنقل والمتجر والمدرسة والحديقة، ثم المسافة التي يقطعها الإنسان للوصول إلى كل ذلك. وعندما تنمو الكتلة المبنية أسرع من هذه العناصر، نحصل على عمران جديد، لكن الحياة الحضرية تظل ناقصة.

حين تصبح الشقة هي وحدة التخطيط

ركز جزء مهم من النقاش حول السكن في المغرب على عدد الوحدات السكنية والأسعار والتمويل ومحاربة السكن غير اللائق. وهي قضايا أساسية، لكن النظر إلى المدينة من باب السكن وحده يمكن أن يحجب سؤالاً آخر: ماذا يحدث للإنسان بعد أن يغلق باب شقته وينزل إلى الشارع؟

قد تكون الشقة جيدة، بينما يكون الرصيف ضيقاً أو منقطعاً. وقد يكون المبنى حديثاً، لكن أقرب محطة للنقل بعيدة، أو يكون الوصول إلى المدرسة والسوق والخدمات اليومية مرتبطاً بالسيارة. هنا تظهر حدود المقاربة التي تقيس نجاح العمران بما تم بناؤه، لا بما أصبح متاحاً للسكان.

وهذه المسألة تزداد أهمية في بلد وصلت فيه نسبة التحضر إلى نحو 65 في المئة بحسب أحدث معطيات البنك الدولي، ما يجعل جودة التوسع الحضري قضية تتجاوز الهندسة المعمارية إلى الاقتصاد والعدالة المجالية وجودة الحياة.

الشارع ليس الفراغ المتبقي بين العمارات

في التخطيط الجيد، لا يبدأ الشارع بعد انتهاء تصميم المباني. إنه جزء من التصميم منذ البداية، لأنه المكان الذي تلتقي فيه وظائف المدينة المختلفة.

الرصيف يسمح بالمشي، والشجرة تمنح الظل، والمقعد يمنح كبار السن فرصة للاستراحة، والإنارة تجعل الحركة أكثر أماناً، والنقل العمومي يربط الحي بالعمل والدراسة. أما المحلات الصغيرة والمقاهي والخدمات القريبة فتمنح الشارع حركة مستمرة وتقلل الحاجة إلى قطع مسافات طويلة من أجل الاحتياجات اليومية.

لذلك فإن شارعاً جيداً ليس مجرد طريق تمر منه السيارات. إنه بنية اجتماعية واقتصادية أيضاً.

والتجربة المغربية في النقل الحضري تكشف هذه العلاقة بوضوح. فبرامج النقل الحديثة لم تعد تتحدث عن الحافلة وحدها، بل عن سهولة المشي والوصول إلى المحطات والمنحدرات والتجهيزات وإمكانية استخدام الفضاء من فئات مختلفة. وفي الدار البيضاء، كان الخط الأول للحافلات عالية الجودة BRT يخدم نحو 100 ألف مستخدم يومياً بحلول مارس 2024، وكانت النساء يمثلن نحو 45 في المئة منهم.

المشكلة تبدأ عندما تنفصل العمارة عن الحي

يمكن إنشاء مئات الوحدات السكنية في موقع واحد، لكن ذلك لا يعني تلقائياً إنشاء حي.

الحي يحتاج إلى شبكة. يحتاج إلى مدرسة قريبة، ونقل، ومتاجر، ومساحات عامة، ومرافق اجتماعية، وطرق آمنة للمشي. وعندما تصل هذه الخدمات سنوات بعد وصول السكان، فإن المدينة تكون قد نقلت جزءاً من تكلفة التخطيط إلى الأسر نفسها: وقت أطول في التنقل، مصاريف نقل أكبر، واعتماد أكبر على السيارة.

وتشير معطيات البنك الدولي إلى أن تكاليف النقل يمكن أن تصل إلى 20 في المئة من دخل الأسر المغربية الأكثر فقراً. لذلك فإن المسافة بين السكن والعمل ليست مجرد مسألة راحة، بل يمكن أن تصبح مسألة اجتماعية واقتصادية مباشرة.

التوسع الحضري يعيد تعريف المسافة

تظهر المشكلة بصورة أوضح عندما تتوسع المدن الكبرى نحو الضواحي. فقد أصبح الوصول إلى فرص العمل والخدمات جزءاً مركزياً من مشاريع النقل في الدار البيضاء الكبرى، حيث يجري تطوير شبكة السكك الحديدية الحضرية لتحسين الربط بين مناطق السكن ومراكز النشاط الاقتصادي.

ويهدف البرنامج المدعوم من البنك الدولي إلى جعل مواقع رئيسية في المجال الحضري للدار البيضاء قابلة للوصول في حدود 45 دقيقة، في سياق تعاني فيه الضواحي من قيود التنقل والازدحام والتلوث المرتبط بالمركبات.

وهنا يصبح السؤال العمراني أكثر دقة: ليست المشكلة في أن يسكن الإنسان بعيداً عن المركز، بل في أن يتحول البعد الجغرافي إلى عزلة حضرية.

يمكن لحي في الأطراف أن يكون جزءاً كاملاً من المدينة إذا كان متصلاً بالنقل والخدمات وفرص العمل. وفي المقابل، يمكن أن تكون منطقة أقرب جغرافياً إلى المركز لكنها تعاني عزلة فعلية بسبب ضعف الاتصال به.

بين كثافة البناء وكثافة الحياة

الكثافة ليست مشكلة في حد ذاتها. بل يمكن أن تكون المدينة الكثيفة أكثر كفاءة في النقل والخدمات واستهلاك الأرض عندما يكون التخطيط متوازناً.

المشكلة تبدأ عندما نرفع كثافة المباني من دون رفع قدرة الشارع والنقل والمرافق على استيعاب السكان.

عندها تظهر مفارقة مألوفة: عمارات كثيرة، لكن الحياة اليومية تعتمد على السيارة؛ سكان كثيرون، لكن الفضاء العام محدود؛ مساكن حديثة، لكن المدرسة أو الحديقة أو الخدمات بعيدة.

وفي تقرير حديث صدر في يونيو 2026، درس البنك الدولي 615 مدينة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وخلص إلى أن تحسين أداء المدن يرتبط بما يسميه «الكثافة المنتجة»: أي جمع السكان والشركات مع البنية التحتية والخدمات والاتصال التي تسمح لهذه الكثافة بأن تعمل فعلياً.

من عدد الشقق إلى جودة الحي

لهذا يحتاج تقييم المشاريع العمرانية في المغرب إلى مؤشرات تتجاوز السؤال التقليدي: كم شقة بُنيت؟

يمكن أن نسأل أيضاً: كم دقيقة يحتاج الطفل للوصول إلى المدرسة؟ هل يستطيع الشخص المسن السير بأمان؟ ما المسافة إلى محطة النقل؟ هل توجد أشجار وظلال؟ هل يمكن شراء الاحتياجات اليومية مشياً؟ وهل يستطيع شخص لا يملك سيارة أن يعيش في الحي دون أن يشعر بأنه معزول؟

هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن مساحة الشقة أو عدد الغرف، لأنها تقيس ما إذا كان المشروع قد أنتج مجرد عقار أم أنتج جزءاً حقيقياً من المدينة.

وقد اتجهت استثمارات بلدية حديثة في المغرب بالفعل إلى الربط بين الطرق والإنارة والمساحات الخضراء والمرافق الاجتماعية والرياضية والمناطق الاقتصادية. وتشير معطيات نشرها البنك الدولي في 2026 إلى تحويل نحو 350 مليون دولار إلى قرابة مئة جماعة ضمن برنامج قائم على الأداء لتمويل تحسينات في البنية التحتية الحضرية.

العمارة تنتهي عند الباب.. والمدينة تبدأ بعده

لا يحتاج المغرب إلى الاختيار بين بناء السكن وتحسين الشارع. المطلوب هو التوقف عن التعامل معهما باعتبارهما مرحلتين منفصلتين.

فالنجاح الحقيقي لمشروع سكني لا يظهر فقط يوم تسليم المفاتيح، وإنما بعد سنوات، عندما نرى كيف يعيش السكان في المكان الذي أُنشئ لهم. إذا استطاع الطفل الوصول إلى مدرسته، والعامل إلى عمله، والمسن إلى متجر قريب، والأسرة إلى فضاء عام، وأصبح المشي خياراً طبيعياً لا مغامرة يومية، عندها يكون البناء قد تجاوز وظيفته العقارية وأصبح جزءاً من صناعة المدينة.

فالعمارة تستطيع أن تمنح الإنسان بيتاً. أما الشارع والنقل والخدمات والفضاء العام فهي التي تمنحه مدينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Poursuivez votre lecture

Une lettre de la ville

Des lectures qui méritent votre attention.

Inscrivez-vous à notre lettre. Les envois commenceront à son lancement.