الإعلام العربي بين سلطة المعلومة وهيمنة “الترند”

بقلم: علاء الدين طاهر
شهد الإعلام العربي خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة فرضتها الثورة الرقمية والانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي. فقد تغيرت طرق إنتاج الأخبار واستهلاكها، وتبدلت أولويات المؤسسات الإعلامية، وأصبح السباق نحو التفاعل والمشاهدات عاملا مؤثرا في تحديد طبيعة المحتوى المنشور.
في الماضي، كانت الصحف والقنوات التلفزيونية تعتمد بشكل أساسي على التحقيقات الميدانية والتقارير المتخصصة والتحليلات المعمقة لبناء الثقة مع الجمهور. وكانت قيمة المؤسسة الإعلامية تقاس بقدرتها على إنتاج المعرفة وتفسير الأحداث ومراقبة أداء المؤسسات والسلطات.
أما اليوم، فقد أصبحت سرعة النشر عنصرا حاسما في المنافسة الإعلامية. وأضحى “الترند” أو الموضوع الأكثر تداولا على المنصات الرقمية قادرا على توجيه أجندة العديد من وسائل الإعلام، حتى عندما يتعلق الأمر بقضايا هامشية أو أحداث عابرة لا تحمل أهمية استراتيجية أو مجتمعية كبيرة.
أفرزت البيئة الرقمية نمطا جديدا من المنافسة يعتمد على عدد المشاهدات والإعجابات والمشاركات والتعليقات.
وفي ظل هذا الواقع، أصبحت بعض المؤسسات الإعلامية تمنح الأولوية للمواضيع القادرة على إثارة الجدل أو جذب الانتباه السريع. وأحيانا يتم ذلك على حساب المعالجة المهنية المتأنية أو التحقق الكامل من المعلومات.
وتدفع هذه المنافسة بعض المنصات إلى اعتماد عناوين مثيرة أو مضامين مبالغ فيها بهدف زيادة نسب القراءة والتفاعل. وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول مستقبل الممارسة الصحفية المهنية في العصر الرقمي.
لم تقتصر التحولات على المؤسسات الإعلامية فقط، بل امتدت إلى الصحفيين أنفسهم.
فالصحفي اليوم مطالب بالنشر المستمر والتفاعل السريع مع الأحداث ومواكبة تدفق الأخبار على مدار الساعة. كما أصبح مطالبا بإنتاج محتوى يصلح لمواقع الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي في الوقت نفسه.
ويؤدي هذا الضغط أحيانا إلى تقليص الوقت المخصص للتحقق من المعطيات أو تعميق البحث في القضايا المطروحة، ما قد يفتح المجال أمام انتشار معلومات غير دقيقة أو ناقصة.
غيرت وسائل التواصل الاجتماعي العلاقة التقليدية بين الإعلام والجمهور.
فالمتلقي لم يعد ينتظر نشرة الأخبار أو صدور الصحيفة لمعرفة ما يحدث. بل أصبح يحصل على المعلومات فور وقوعها عبر هاتفه الذكي.
كما تحول الجمهور من متلق سلبي إلى فاعل يشارك في إنتاج المحتوى ونشره والتعليق عليه. وأصبحت ردود الفعل الفورية عاملا مؤثرا في القرارات التحريرية للعديد من المؤسسات الإعلامية.
هذا التحول منح الجمهور قوة أكبر، لكنه جعل المؤسسات الإعلامية أكثر حساسية تجاه منطق التفاعل الرقمي.
تكمن المشكلة الأساسية عندما يتحول الإعلام من أداة للتوعية والتفسير والمساءلة إلى مجرد وسيلة لصناعة الإثارة.
فالقضايا المرتبطة بالتعليم والصحة والاقتصاد والبيئة والعدالة الاجتماعية تحتاج إلى وقت وإمكانات وتحقيقات معمقة. بينما يقوم منطق “الترند” على السرعة والانفعال والتركيز على ما يثير الجدل الآني.
ولهذا أصبحت بعض المواضيع المهمة تجد صعوبة في المنافسة أمام الأخبار الخفيفة أو الأحداث المثيرة التي تحصد نسب مشاهدة مرتفعة خلال فترة قصيرة.
ورغم الانتقادات الموجهة للإعلام الرقمي، فإن التحول الرقمي أتاح فرصا جديدة لم تكن متاحة في السابق.
فقد ساهم في توسيع هامش التعبير وإبراز أصوات جديدة وإتاحة الوصول إلى المعلومات بشكل أسرع.
كما مكن العديد من الصحفيين المستقلين والمنصات الرقمية من الوصول إلى جمهور واسع دون الحاجة إلى إمكانات مالية ضخمة.
وساعد أيضا على تقريب الإعلام من المواطنين وجعل قضاياهم اليومية أكثر حضورا في النقاش العمومي.
لا يبدو أن العودة إلى النموذج الإعلامي التقليدي أصبحت ممكنة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
لكن في المقابل، لا يمكن التضحية بالمهنية والمصداقية لصالح منطق المشاهدات فقط.
ولهذا يحتاج الإعلام العربي إلى بناء توازن جديد يجمع بين سرعة النشر وجودة المحتوى. كما يحتاج إلى تطوير نماذج اقتصادية تسمح بإنتاج صحافة معمقة دون الخضوع الكامل لضغط الأرقام والتفاعل اللحظي.
يبقى السؤال مطروحا حول قدرة الإعلام العربي على استعادة دوره التنويري في ظل التحولات الجارية.
فالمستقبل لن يكون بالضرورة للإعلام الأسرع، بل للإعلام الأكثر قدرة على الجمع بين المصداقية والتأثير والابتكار.
وفي عالم تتدفق فيه المعلومات بشكل غير مسبوق، تزداد الحاجة إلى صحافة تفسر الأحداث وتدقق المعطيات وتضع الوقائع في سياقها الصحيح، بدل الاكتفاء بملاحقة “الترند” وصناعة الإثارة المؤقتة.
فالإعلام الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المشاهدات، بل بقدرته على خدمة المجتمع وتعزيز الوعي والمساهمة في بناء رأي عام مستنير.

