الخرطوم بعد المعارك: مدينة تعود إليها الحياة قبل أن تعود إليها الخدمات

Updated:
Listen to articlesAutomated reading of the article

Listening requires a matching voice in your browser.

تقرير: المدينة العربية

فالمساكن والخدمات وشبكات الماء والكهرباء والمدارس والأسواق تحمل آثار سنوات من الصراع، بينما تستقبل العاصمة أعداداً متزايدة من العائدين قبل أن تستعيد قدرتها الكاملة على خدمتهم.

استعاد الجيش السوداني معظم وسط الخرطوم في مارس 2025، لكن ذلك لم يكن نهاية الحرب السودانية التي استمرت في مناطق أخرى من البلاد. وبحلول يوليو 2026، أفادت رويترز بأن أكثر من مليوني شخص عادوا إلى الخرطوم، في واحدة من أكبر حركات العودة منذ بدء النزاع. غير أن العودة السكانية سبقت في كثير من الأحيان عودة الخدمات الأساسية.

وهنا تتحول الخرطوم من مجرد مسرح سابق للمعارك إلى سؤال حضري بالغ التعقيد: هل يكفي أن يعود الناس لكي تعود المدينة؟

العودة إلى البيت لا تعني العودة إلى الحياة القديمة

بالنسبة إلى كثير من السودانيين، العودة ليست قراراً عمرانياً أو اقتصادياً فقط. إنها محاولة لاستعادة البيت والعمل والحي والروابط التي قطعتها سنوات النزوح. لكن المنزل الذي يعود إليه صاحبه قد يحتاج إلى إصلاح، والمدرسة القريبة ربما لم تستعد نشاطها، وشبكات الماء والكهرباء لا تعمل دائماً بالمستوى الذي كانت عليه قبل الحرب.

منظمة الهجرة الدولية سجلت حتى نهاية يوليو 2026 نحو 4.9 ملايين عائد إلى مناطقهم الأصلية في تسع ولايات سودانية، بينما ظل أكثر من 8.6 ملايين شخص نازحين داخل البلاد. كما أشارت بيانات سابقة للمنظمة إلى أن غالبية الأسر العائدة وجدت مساكن متضررة بدرجات مختلفة.

هذه الأرقام تكشف المفارقة الأساسية: انتهاء القتال في حي ما لا يعني أن شروط الحياة الطبيعية عادت إليه. فالمدينة ليست المباني وحدها، بل شبكة كاملة تجعل البقاء داخل هذه المباني ممكناً.

مدينة تعمل بثلث كهربائها

الكهرباء تقدم مثالاً واضحاً على حجم المشكلة. ففي يوليو الماضي كانت الخرطوم تعمل بنحو ثلث مستوى الكهرباء الذي كان متاحاً قبل الحرب، وفق تقرير لرويترز. واستمرت الانقطاعات في التأثير على المنازل والأعمال والخدمات، بينما تعرضت الشبكة السودانية الأوسع لأضرار إضافية خلال 2026.

وعندما تنقطع الكهرباء في مدينة تحاول استعادة حياتها، لا تتوقف الإضاءة فقط. تتأثر مضخات الماء والمستشفيات والورش والمتاجر وحفظ الأغذية ووسائل الاتصال. ويتحول إصلاح شبكة الكهرباء بذلك إلى شرط لإعادة الاقتصاد الحضري نفسه.

الأمر مشابه بالنسبة إلى الماء. ففي النصف الأول من 2026 دعمت اليونيسف إعادة تأهيل عشرات المنشآت المائية الحضرية في السودان، ومنها منشآت في الخرطوم، بعد أن أضرت الحرب بالشبكات والمضخات ومصادر الطاقة اللازمة لتشغيلها.

لهذا فإن إعادة إعمار العاصمة لا تبدأ بالواجهات ولا بالمباني الحكومية وحدها. تبدأ من الأشياء الأقل ظهوراً في الصور: أنابيب الماء، وكابلات الكهرباء، وشبكات الصرف، والمدارس والمراكز الصحية.

هل تعود المدينة من المركز أم من الأحياء؟

بعد الحروب تميل الحكومات عادة إلى التركيز على المنشآت الرمزية الكبرى: المطار، المؤسسات الرسمية، الجسور، الطرق الرئيسية والمباني السيادية. وهي منشآت ضرورية لاستعادة عمل الدولة، لكن المدينة تُقاس أيضاً بما يحدث بعيداً عن مركزها السياسي.

فالأسرة التي تعود إلى أم درمان أو بحري أو أحد أحياء الخرطوم لا تقيس التعافي بفتح مبنى حكومي، بل بوجود الماء والكهرباء والمدرسة والمستشفى والمواصلات والسوق.

وتشير تقارير ميدانية إلى تفاوت في سرعة استعادة الخدمات داخل المجال الحضري للعاصمة، حيث حققت بعض مناطق أم درمان تقدماً أسرع من أجزاء أخرى من الخرطوم وبحري.

وهنا يظهر خطر إعادة إنتاج مدينة بسرعتين: مركز يستعيد المؤسسات والاستثمار بسرعة، وأحياء سكنية تنتظر سنوات حتى تصل إليها آثار الإعمار.

إعادة البناء ليست عادلة لمجرد أنها تحدث. العدالة تظهر في ترتيب الأولويات ومن يستفيد منها أولاً.

المدينة التي فقدت سكانها تحتاج إليهم في الإعمار

الحرب لا تدمر الحجر فقط، بل تفكك أيضاً الاقتصاد البشري للمدينة. فخلال سنوات النزوح غادر موظفون وأطباء ومدرسون وحرفيون وأصحاب متاجر وعمال ومهنيون، وتوقفت مؤسسات أو انتقلت إلى مناطق أخرى.

وعندما يعود السكان تبدأ معضلة دائرية: المدينة تحتاج إليهم لكي تستعيد نشاطها، وهم يحتاجون إلى مدينة تعمل حتى يستطيعوا البقاء فيها.

التاجر لا يستطيع إعادة فتح متجره إذا لم توجد الكهرباء أو الحركة التجارية الكافية. والموظف يحتاج إلى راتب منتظم ونقل ومدرسة لأطفاله، بينما تحتاج المستشفيات والجامعات إلى العاملين الذين غادروها.

لهذا لا ينبغي التعامل مع عودة السكان باعتبارها رقماً سياسياً يدل وحده على التعافي. السؤال الأكثر أهمية هو: كم من العائدين يستطيعون بناء حياة مستقرة بعد العودة؟

المدرسة جزء من إعادة بناء الخرطوم

من السهل أثناء الحديث عن الإعمار أن تهيمن الطرق والجسور والمساكن على النقاش، لكن المدرسة ربما تكون من أكثر المؤسسات أهمية في استعادة المدينة.

الأزمة التعليمية السودانية ما زالت واسعة؛ ففي مايو 2026 قدرت اليونيسف أن قرابة نصف المباني المدرسية في السودان لم تكن تؤدي وظيفتها، وأن ما لا يقل عن ثمانية ملايين طفل كانوا خارج المدرسة.

في الخرطوم، عادت أسر إلى مناطق تضم مدارس متضررة أو تعاني نقصاً في التجهيز والخدمات. وهذا يجعل إعادة فتح التعليم أكثر من مجرد سياسة قطاعية، لأنه يحدد قدرة الأسر نفسها على الاستقرار.

فالأب أو الأم اللذان لا يجدان مدرسة مناسبة لأطفالهما قد يقرران عدم العودة حتى لو كان المنزل قابلاً للسكن. المدينة لا تستعيد سكانها فقط بإصلاح البيوت، بل بإعادة بناء الأسباب التي تجعل الأسرة ترغب في البقاء فيها.

خطر أن تصبح إعادة الإعمار فرصة للمضاربة

هناك سؤال آخر ينبغي طرحه مبكراً، قبل أن تبدأ إعادة الإعمار الكبرى: من سيملك الخرطوم التي ستخرج من الحرب؟

في المدن التي تعرضت لأضرار واسعة، ترتفع قيمة الأراضي القابلة لإعادة التطوير وتظهر فرص استثمار ضخمة. وإذا غابت قواعد واضحة تحمي السكان والملكية والسكن، يمكن أن تتحول إعادة الإعمار من مشروع لاستعادة المدينة إلى عملية تعيد توزيعها لمصلحة أصحاب رأس المال الأكبر.

هذا الخطر يصبح أكثر حساسية عندما يكون جزء من السكان ما يزال نازحاً أو خارج البلاد. فالغياب الطويل قد يجعل الدفاع عن الحقوق العقارية أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا كانت الوثائق مفقودة أو المؤسسات الإدارية نفسها ما تزال في طور استعادة عملها.

لذلك يجب ألا يُقاس نجاح إعادة الإعمار بحجم الأموال التي ستدخل الخرطوم وحده. الأهم هو معرفة ما إذا كان سكانها الأصليون سيتمكنون من العودة إلى أحيائهم، أم أن بعضهم سيكتشف أن المدينة أصبحت أغلى من قدرتهم على العودة إليها.

إعادة بناء المدينة أم إعادة بناء النموذج نفسه؟

كانت الخرطوم تعاني مشكلات حضرية قبل الحرب أصلاً: توسع سريع، تفاوتات بين الأحياء، ضغط على البنية التحتية، وأجزاء واسعة من العمران غير الرسمي. ومن ثم فإن إعادة كل شيء إلى ما كان عليه قبل أبريل 2023 لا يمكن أن تكون الهدف الوحيد.

الإعمار يفتح، رغم قسوته، فرصة لإعادة التفكير في علاقة العاصمة بالنقل والسكن والماء والفضاءات العامة وتوزيع الخدمات. فإذا أعيد بناء النظام الحضري نفسه بكل اختلالاته القديمة، فستكون المدينة قد رممت مبانيها ولم تعالج مشكلاتها.

التحدي أكبر من الخرطوم نفسها. تركيز الاقتصاد والإدارة والمؤسسات في العاصمة جعل أي اضطراب فيها أزمة وطنية. وقد أظهرت السنوات الماضية أهمية التفكير في توزيع أفضل للوظائف والخدمات بين المدن السودانية، بحيث لا يبقى البلد شديد الاعتماد على مركز حضري واحد.

الخرطوم تحتاج إلى سكانها قبل أبراجها

اليوم تتحرك الخرطوم في منطقة غريبة بين الحرب والتعافي. الناس يعودون، والأسواق تحاول استعادة نشاطها، وبعض الخدمات تبدأ في العمل، لكن البلد ما يزال يعيش صراعاً مستمراً في مناطق أخرى. حتى في 2026 ظلت الهجمات على البنية التحتية الكهربائية تؤثر في الحياة داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش.

لهذا سيكون من الخطأ إعلان «عودة الخرطوم» بمجرد عودة الحكومة أو فتح الطرق والمباني الرئيسية.

المدينة تعود عندما تستطيع الأسرة أن تفتح الصنبور فتجد الماء، وعندما يستطيع الطفل الوصول إلى المدرسة، ويستطيع صاحب المتجر تشغيل محله، ويجد المريض مؤسسة صحية تعمل، ويشعر النازح أن العودة ليست انتقالاً من أزمة إلى أزمة أخرى.

إعادة إعمار الخرطوم لن تكون اختباراً لقدرة السودان على ترميم الحجر فقط، بل لطريقة فهمه للمدينة بعد واحدة من أقسى الفترات في تاريخها الحديث.

فالخرطوم لا تحتاج أولاً إلى أن تستعيد صورتها القديمة.

تحتاج إلى أن تستعيد قدرتها على أن تكون مدينة يمكن للناس أن يعيشوا فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Continue reading

A letter from the city

Stories worth receiving.

Register your interest in our newsletter. Mailings will begin when it launches.