سيدي بوسعيد بعد اليونسكو.. هل تحمي الشهرة القرية الزرقاء أم تهددها؟
Listening requires a matching voice in your browser.

من أعلى الهضبة المطلة على خليج تونس، تبدو سيدي بوسعيد كما لو أنها صُممت لكي تتحول إلى صورة. الأبيض يغطي الجدران، والأزرق يتكرر على الأبواب والنوافذ والمشربيات، بينما تنحدر الأزقة نحو البحر بين المقاهي والبيوت والحدائق. غير أن وراء هذه الصورة مدينة صغيرة لها سكان وذاكرة وحياة يومية، وهذا ما يجعل الاعتراف الدولي الجديد بها خبراً أكبر من مجرد إضافة موقع تونسي آخر إلى خريطة السياحة العالمية.
في يوليو 2026، أدرجت لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو قرية سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي، مستندة إلى المعيار الثالث المتعلق بالشهادة الاستثنائية على تقليد ثقافي أو حضارة. لكن القرار حمل في داخله مفارقة لافتة: المنظمة التي منحت القرية اعترافاً عالمياً حذرت في الوقت نفسه من المخاطر المرتبطة بالسياحة المفرطة، وطالبت بإعداد دراسة لقدرتها الاستيعابية واستراتيجية خاصة لإدارة النشاط السياحي.
وهكذا تبدأ مرحلة مختلفة في تاريخ القرية. فالسؤال لم يعد كيف نجعل العالم يكتشف سيدي بوسعيد، لأن العالم اكتشفها بالفعل، وإنما كيف نحافظ على المكان عندما يأتي مزيد من العالم لاكتشافه.
قرية صنعتها طبقات من التاريخ
اختزال سيدي بوسعيد في اللونين الأزرق والأبيض يظلم تاريخاً أطول بكثير من الصورة التي يعرفها السائح. فالقرية نشأت وتطورت حول ضريح المتصوف أبي سعيد خلف بن يحيى التميمي الباجي، الذي عاش بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر، ثم اكتسب المكان عبر القرون مكانة روحية واجتماعية خاصة. وتوضح اليونسكو أن الأسر الحسينية الحاكمة عززت هذه المكانة لاحقاً، خصوصاً بين القرنين الثامن عشر والعشرين، عندما أقامت فيها مساكن للاستجمام، فتحولت تدريجياً إلى فضاء يجمع البعد الروحي بالإقامة والنزهة والثقافة.
هذا التاريخ ما زال قابلاً للقراءة أثناء المشي. فالأزقة الضيقة ليست مجرد خلفية للصور، والبيوت ليست مجرد واجهات مطلية بعناية، بل هي أجزاء من نسيج عمراني تشكل على مراحل، مستفيداً من تضاريس الهضبة ومن علاقته المباشرة بالبحر.
وتلك العلاقة بين الطبيعة والعمران والروحانية كانت جزءاً أساسياً من القيمة التي اعترفت بها اليونسكو. فالقرية لا تتميز بمبنى واحد يمكن عزله عن محيطه، وإنما بتكامل المكان كله: الهضبة والبحر والعمارة والألوان والمسارات والتاريخ الروحي.
عندما أصبح الأزرق والأبيض علامة سياحية
مع مرور الزمن، تحولت الهوية المعمارية لسيدي بوسعيد إلى واحدة من أكثر الصور ارتباطاً بالسياحة التونسية. يكفي ظهور باب أزرق داخل جدار أبيض تحيط به الجهنمية حتى يتعرف كثيرون على المكان قبل قراءة اسمه.
هذه القوة البصرية خدمت القرية اقتصادياً وسياحياً، لكنها صنعت أيضاً نوعاً من الاختزال. فالزائر الذي يأتي بحثاً عن الصورة قد يمر سريعاً على التاريخ الذي أنتجها، بينما تتحول بعض الأزقة إلى مسارات بين متاجر الهدايا والمقاهي ونقاط التصوير.
ولا يعني ذلك أن التجارة والسياحة غريبتان عن المدينة أو أنه ينبغي إخراجهما منها. فالمقاهي والحرف والتجارة جزء من التجربة الحضرية، والسياحة توفر دخلاً وفرص عمل. المشكلة تبدأ عندما يصبح المكان مضطراً إلى تغيير نفسه باستمرار حتى يلائم الصورة التي ينتظرها الزائر.
عندها يمكن للنجاح السياحي أن يتحول تدريجياً إلى ضغط على الشيء الذي صنع ذلك النجاح.
اليونسكو لم تمنح شهادة فقط
لهذا تبدو قراءة قرار 2026 مهمة. فإدراج سيدي بوسعيد في قائمة التراث العالمي لم يكن شهادة جمال تُعلق على مدخل القرية، وإنما جاء مصحوباً بمجموعة واضحة من الالتزامات المتعلقة بالمستقبل.
طالبت لجنة التراث العالمي بتطوير خطة الإدارة وتنفيذها، ومواصلة العمل على خطة حماية الموقع وإبرازه، وإجراء دراسة للقدرة الاستيعابية. كما طلبت إعداد استراتيجية وخطة لإدارة السياحة تأخذان بعين الاعتبار ضرورة تغيير النموذج السياحي لمواجهة مخاطر السياحة المفرطة. وطلبت أيضاً إخضاع المشاريع التي يمكن أن تؤثر في القيمة التراثية للمكان لتقييمات خاصة بالأثر على التراث.
هذه التفاصيل تجعل الاعتراف الدولي بداية عمل وليس نهايته.
فالقدرة الاستيعابية تعني، في جوهرها، معرفة مقدار الضغط الذي يستطيع المكان تحمله دون أن تبدأ نوعية الحياة والتراث والتجربة السياحية نفسها في التدهور. وهي مسألة شديدة الحساسية في سيدي بوسعيد، لأننا لا نتحدث عن مدينة واسعة يمكنها توزيع الزوار على عشرات الأحياء، بل عن نسيج تاريخي صغير وشوارع محدودة المساحة.
الشهرة التي تحمي يمكن أن تصبح الشهرة التي تضغط
الاعتراف العالمي يمنح التراث قوة إضافية في مواجهة بعض أشكال التغيير العمراني، ويجعل أي تدخل كبير في المكان أكثر خضوعاً للمراقبة والتقييم. كما يستطيع أن يجلب موارد جديدة للترميم والصيانة، وأن يدعم الحرف والثقافة المحلية إذا جرى توجيه النشاط السياحي بطريقة متوازنة.
لكن الاعتراف نفسه يرفع جاذبية المكان.
وهنا تكمن المفارقة. فكلما ارتفعت قيمة سيدي بوسعيد كوجهة عالمية، ازداد عدد الأشخاص الراغبين في رؤيتها، وقد يزداد الطلب على المطاعم والمقاهي والمتاجر والإقامة والخدمات. ومع الوقت يمكن أن ترتفع القيمة التجارية للعقار وأن تصبح الأنشطة الموجهة إلى الزائر أكثر ربحية من بعض الأنشطة التي يحتاج إليها السكان.
لا يحدث هذا التحول في يوم واحد. يبدأ بتغيرات صغيرة، ثم يجد السكان أنفسهم أمام مكان جميل ومحمي دولياً، لكنه يصبح أقل قدرة على استيعاب حياتهم اليومية.
ولهذا فإن حماية المباني وحدها لا تكفي. حماية التراث الحي تعني أيضاً الحفاظ على إمكانية استمرار الناس في العيش داخله.
أن تكتشف سيدي بوسعيد خارج الصورة
بالنسبة للزائر، يمكن لقرار اليونسكو أن يكون مناسبة لتغيير طريقة اكتشاف القرية نفسها. فبدلاً من البحث عن النقطة التي التُقطت منها الصورة الشهيرة، يمكن قراءة المكان أثناء السير فيه.
هناك العلاقة بين الأزقة والانحدار الطبيعي للهضبة، والبيوت التي تخفي وراء واجهاتها حياة لا يراها المار، والبحر الذي يظهر ثم يختفي بين المباني. وهناك أيضاً المقاهي والأسواق والفضاءات التي يلتقي فيها السكان بالزوار، وهي التي تمنح المكان إيقاعه الحقيقي.
السياحة التي تبقي الناس داخل الصورة
التحدي الحقيقي بعد اليونسكو ليس تقليل السياحة لمجرد تقليلها، ولا تحويل القرية إلى متحف صامت. المطلوب هو إدارة النجاح بحيث يبقى الزائر جزءاً من حياة المكان، لا قوة تدفع هذه الحياة إلى الخارج.
يمكن للسياحة الثقافية أن تجعل الزائر يقضي وقتاً أطول في فهم المكان بدلاً من المرور السريع لالتقاط الصور. ويمكن للحرف المحلية والمرشدين والأنشطة الثقافية أن تحصل على حصة أكبر من الاقتصاد السياحي. وفي المقابل، تستطيع إدارة حركة الزوار والنقل والفضاءات العامة أن تقلل الضغط في الفترات والمناطق الأكثر ازدحاماً.
وهذا بالضبط ما يجعل طلب اليونسكو إعداد استراتيجية للسياحة ودراسة للقدرة الاستيعابية مهماً. فالمنظمة لم تعتبر زيادة عدد الزوار معياراً وحيداً للنجاح، بل وضعت الحفاظ على القيمة التراثية للمكان في قلب إدارة السياحة المقبلة.
القرية بعد الاعتراف العالمي
أصبحت سيدي بوسعيد في 2026 جزءاً من قائمة عالمية تمنحها حماية رمزية كبيرة، لكنها تضع أمام تونس مسؤولية أكبر أيضاً. فالتراث العالمي لا يعني أن المكان أصبح ملكاً للسياح، كما لا يعني تجميده وإخراج الحياة منه. قيمته تأتي تحديداً من كونه نتاج علاقة طويلة بين الإنسان والعمارة والطبيعة والذاكرة.
وقد يكون النجاح الحقيقي بعد اليونسكو ألا نستطيع، بعد عشر سنوات أو عشرين، رؤية الأبواب الزرقاء والجدران البيضاء فقط، بل أن نجد خلفها قرية ما زالت قادرة على الحياة.
فالسائح يستطيع أن يمنح المدينة مورداً اقتصادياً واعترافاً دولياً، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلاً عن سكانها. وإذا أصبحت سيدي بوسعيد مجرد مكان جميل يأتي الجميع لرؤيته، بينما تضيق تدريجياً بمن يعيشون فيه، فسنكون قد حافظنا على الصورة وخسرنا جزءاً من المدينة.
أما إذا استطاعت تونس تحويل الاعتراف العالمي إلى حماية للعمران والذاكرة والحياة اليومية معاً، فقد تصبح سيدي بوسعيد نموذجاً آخر: مدينة لا تختار بين السياحة والتراث، وإنما تجعل السياحة وسيلة لحماية المكان الذي جاءت من أجله.