تطوان التي لا تُكتشف من السيارة.. مدينة بيضاء تُقرأ بالمشي

السياحة واكتشاف المدن
Updated:
Listen to articlesAutomated reading of the article

Listening requires a matching voice in your browser.

تطوان ليست من المدن التي تسلم نفسها للزائر من النظرة الأولى. تستطيع أن تمر في شوارعها الحديثة، وأن ترى البياض الممتد على سفوح جبل درسة، ثم تغادر وأنت تعتقد أنك رأيت المدينة. لكن تطوان الحقيقية تبدأ عندما تتخلى عن السيارة وتدخل إلى الأزقة التي تضيق وتتسع بلا انتظام، حيث تتداخل أبواب البيوت مع الدكاكين والحرفيين ورائحة الخبز وحركة السكان.

لهذا تبدو زيارة تطوان أقرب إلى قراءة مدينة منها إلى المرور على مجموعة من المعالم. فالمسافة بين باب وآخر قد تنقل الزائر بين قرون مختلفة، بينما يكشف الانتقال من المدينة العتيقة إلى الحي الإسباني كيف استطاعت المدينة أن تجمع داخل مجال صغير طبقات أندلسية ومغربية ومتوسطية وأوروبية.

وفي صيف 2026 أصبحت تطوان أكثر حضوراً في النقاش السياحي الدولي. فقد وصفتها مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» في أغسطس بأنها وجهة مغربية مرشحة لصعود سياحي جديد، مستفيدة من مدينتها العتيقة وشواطئ المتوسط وتحسن الربط الجوي. ويأتي ذلك في سياق تجاوز فيه عدد الوافدين إلى المغرب 7.7 ملايين سائح حتى نهاية مايو 2026، بزيادة 7% عن الفترة نفسها من السنة السابقة وفق المكتب الوطني المغربي للسياحة.

مدينة جاءت من الضفة الأخرى

لفهم تطوان ينبغي العودة إلى علاقتها بالأندلس. فالمدينة كانت نقطة اتصال بين المغرب والأندلس منذ قرون، ثم أعيد بناؤها وتوسيعها على أيدي جماعات أندلسية وصلت إلى شمال المغرب بعد سقوط مدن الأندلس.

وهذه ليست مجرد حكاية تاريخية تروى للسائح. فالتراث الأندلسي لا يزال ظاهراً في هندسة المدينة وفي تنظيم بعض أحيائها وبيوتها وفنونها. وتصف اليونسكو المدينة العتيقة بأنها من أصغر المدن التاريخية المغربية، لكنها من أكثرها اكتمالاً، كما تشير إلى أنها حافظت بدرجة كبيرة على طابعها الأصلي. وقد أدرجتها المنظمة ضمن قائمة التراث العالمي سنة 1997.

ولهذا فإن المشي داخل المدينة القديمة ليس انتقالاً بين «مواقع سياحية» منفصلة، بل دخول إلى نسيج ما زال يؤدي وظائفه اليومية. الناس يسكنون ويتسوقون ويعملون داخل المكان نفسه الذي يأتي الزائر لاكتشافه.

الأسواق ليست ديكوراً سياحياً

في بعض المدن السياحية تتحول المدينة القديمة تدريجياً إلى واجهة موجهة للزائر. أما في تطوان، فما زال جانب مهم من الأسواق مرتبطاً بحاجات السكان اليومية.

يجد الزائر الحرف التقليدية والأقمشة والمنتجات المحلية، لكنه يجد أيضاً تجارة لا علاقة لها بالهدايا السياحية. وهذه التفاصيل هي التي تمنح المكان صدقيته، لأنها تذكر بأن المدينة العتيقة ليست متحفاً مفتوحاً، وإنما حي يعيش داخله الناس.

ويشير المكتب الوطني المغربي للسياحة إلى استمرار حضور الحرفيين في أزقة المدينة، ومنهم العاملون في الخشب والتطريز والمنسوجات التقليدية، خصوصاً في محيط «الغرسة الكبيرة».

من هنا تأتي أهمية اكتشاف تطوان ببطء. فحين يصبح الهدف الوصول سريعاً إلى المعلم التالي، تضيع الأشياء التي تجعل المدينة مختلفة أصلاً.

ثم تخرج من باب المدينة فتتغير العمارة

أحد أجمل التحولات في تطوان يحدث عندما يغادر الزائر النسيج القديم نحو المدينة الحديثة. لا يحتاج إلى السفر إلى مكان آخر، ومع ذلك تتغير اللغة المعمارية.

خلال فترة الحماية الإسبانية أصبحت تطوان عاصمة المنطقة الخاضعة لإسبانيا، وترك ذلك أثراً عمرانياً واضحاً. تظهر المباني الأوروبية والشرفات والواجهات والساحات إلى جانب العمارة المغربية الأندلسية، وهو ما يمنح وسط المدينة شخصية مختلفة عن مدن مغربية أخرى.

ويذكر المكتب الوطني المغربي للسياحة ضمن هذا التراث مباني مثل الكنيسة والمكتبة العامة وبعض المنشآت التي تعود إلى المرحلة الإسبانية.

لكن القيمة الحقيقية ليست في المبنى المنفرد. الأهم هو الانتقال نفسه بين فضاءين تاريخيين متجاورين، لأن الزائر يستطيع أن يرى كيف تراكمت المدينة بدلاً من أن يقرأ تاريخها على لوحة.

البحر قريب لكنه ليس تطوان كلها

هناك إغراء مفهوم بربط تطوان مباشرة بشواطئ الساحل المتوسطي. فبالقرب منها تمتد منطقة تامودا باي على نحو 15 كيلومتراً من الساحل، وأصبحت تضم منتجعات ومؤسسات سياحية مهمة.

هذا القرب يمثل فرصة اقتصادية كبيرة للمدينة، خصوصاً مع توسع السياحة المغربية. لكنه يخلق أيضاً تحدياً: ألا تتحول تطوان إلى مجرد محطة خلفية لسياحة الشاطئ.

فالمدينة تمتلك منتجاً مختلفاً تماماً عن المنتجعات الساحلية. هناك تاريخ معماري، وحرف، وأسواق، ومتاحف، وذاكرة أندلسية، ونمط حياة حضري يمكن أن يجعل الإقامة داخل المدينة نفسها جزءاً من التجربة.

لهذا يمكن للساحل أن يخدم تطوان، شرط ألا يحجبها.

السياحة المغربية تكبر.. وتطوان أمام فرصة

تأتي هذه التحولات في سنة يواصل فيها المغرب تسجيل مستويات سياحية مرتفعة. وحتى نهاية مايو 2026، سجل المكتب الوطني المغربي للسياحة 7.7 ملايين وافد، بزيادة 7% مقارنة بالفترة نفسها من 2025.

بالنسبة إلى تطوان، يمثل هذا النمو فرصة، لكنه ليس نجاحاً تلقائياً. فالزيادة في عدد الزوار يمكن أن تنعش الفنادق والمطاعم والحرف والنقل والتجارة المحلية، لكنها قد تضع أيضاً ضغطاً على المدينة القديمة إذا لم تكن إدارة التدفقات السياحية متوازنة.

والتحدي هنا مألوف في المدن التاريخية: كيف تستفيد المدينة من السياحة دون أن تفقد الحياة التي جاء السائح أصلاً للبحث عنها؟

أفضل طريقة لاكتشاف تطوان هي ألا تستعجلها

يمكن زيارة تطوان في يوم واحد، لكن ذلك لا يعني اكتشافها. فهذه مدينة تحتاج إلى وقت يسمح للزائر بالابتعاد قليلاً عن المسار المرسوم.

المشي من المدينة العتيقة نحو الأحياء الحديثة، والجلوس في مقهى يستخدمه السكان، ومراقبة الحرفيين والأسواق، ثم الخروج إلى المدينة الإسبانية، يكشف تطوان بصورة أفضل من الانتقال السريع بين المعالم.

وإذا أضيف البحر إلى الرحلة، يصبح الفرق بين المدينة والساحل جزءاً من الاكتشاف نفسه. تطوان تمنح التاريخ والحياة اليومية، بينما يفتح المتوسط مجالاً آخر للاستراحة والسياحة الساحلية.

لهذا ربما يكون أجمل ما في «الحمامة البيضاء» أنها لم تتحول بعد بالكامل إلى صورة سياحية واحدة. ما زال الزائر يستطيع أن يجد خلف الواجهات مدينة يستخدمها سكانها كل يوم.

وتلك ربما أفضل طريقة لاكتشاف المدن: ألا نبحث فقط عما أعدته للسائح، بل عما بقي فيها لأهلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Continue reading

A letter from the city

Stories worth receiving.

Register your interest in our newsletter. Mailings will begin when it launches.