حين تصبح الظلال بنية تحتية.. كيف تعيد الحرارة تصميم المدينة العربية؟
Listening requires a matching voice in your browser.

اعتادت المدينة العربية أن تتعامل مع الصيف باعتباره فصلاً مناخياً ينبغي احتماله، لكن ارتفاع الإجهاد الحراري واتساع الكتل المبنية يغيران تدريجياً معنى الحرارة داخل المدينة. فالمشكلة لم تعد محصورة في درجة الحرارة التي تعلنها نشرة الطقس، وإنما أصبحت مرتبطة بشكل الشارع ونوع الرصيف وكثافة الأشجار وارتفاع المباني والمسافة التي يقطعها المواطن تحت الشمس، وهو ما يجعل الحر قضية تخطيط حضري بقدر ما هو ظاهرة مناخية.
هذا التحول تؤكده دراسات حديثة نُشرت خلال 2026 حول المدن العربية، وتكشف أن تصميم المدينة يستطيع أن يزيد التعرض للحرارة أو يخففه. وفي سبتمبر من العام نفسه، انتقلت الفكرة من الدراسات إلى تجربة ملموسة في عمّان، حيث أعيد تصميم جزء من شارع التاج بهدف توفير بيئة أكثر راحة في مواجهة الحر، وهو مثال صغير لكنه يطرح سؤالاً كبيراً حول مستقبل الشارع العربي في مناخ أكثر سخونة.
ليست كل أجزاء المدينة ساخنة بالطريقة نفسها
تكشف دراسة حديثة قارنت الدار البيضاء وبرشلونة خلال فصل الصيف بين 2014 و2024 أن درجة حرارة سطح المدينة ترتبط بصورة وثيقة بطريقة استعمال الأرض وشكل المجال المبني. وفي حالة الدار البيضاء، برز تأثير كثافة البناء والأسطح العارية في الاختلافات الحرارية بين أجزاء المدينة، بما يعني أن الخريطة العمرانية نفسها تشارك في تشكيل خريطة الحرارة.
وهذا التفصيل مهم، لأن الحديث عن «حرارة الدار البيضاء» يخفي فروقاً داخل المدينة الواحدة. فقد يعيش شخصان في المدينة نفسها، لكن تجربة الحر تختلف تبعاً للحي الذي يسكنان فيه، ووجود الأشجار والظل، وطبيعة مواد البناء، وعرض الشوارع وقرب المساحات المفتوحة.
من هنا تصبح مواجهة الحر أكثر تعقيداً من زيادة أجهزة التكييف، لأن التكييف يعالج الحرارة داخل المبنى بينما تبقى المدرسة ومحطة الحافلة والسوق والرصيف والساحة العامة معرضة للمناخ الخارجي.
الشارع الذي لا يوفر الظل
يظهر أثر التصميم بوضوح عندما ننتقل من المبنى إلى الرصيف. فالمدينة التي تتسع فيها المسافات ويقل فيها الظل تجعل المشي أكثر صعوبة خلال الفترات الحارة، كما أن محطة النقل التي لا توفر حماية من الشمس قد تحول انتظار الحافلة إلى تجربة مرهقة حتى عندما تكون شبكة النقل نفسها جيدة.
وتشير مراجعة علمية منشورة في أبريل 2026، شملت 120 دراسة عن الراحة الحرارية الخارجية في مدن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى أن الإشعاع الشمسي وشكل النسيج العمراني وعناصر المناخ المحلي عوامل أساسية في تحديد الراحة الحرارية في الفضاء العام. كما وجدت المراجعة أن المعرفة العلمية في المنطقة لا تزال مجزأة، وأن الجوانب السلوكية والثقافية المرتبطة بطريقة تكيف السكان مع الحرارة لم تحصل على الاهتمام نفسه الذي حصلت عليه المؤشرات التقنية.
وهذا يعني أن الشجرة والمظلة واتجاه الشارع ومواد الأرضية لم تعد عناصر تجميلية منفصلة عن وظيفة المدينة، بل أصبحت جزءاً من قدرتها على إبقاء المجال العام قابلاً للاستخدام.
عمّان تجرب تبريد الشارع
في 10 سبتمبر 2026 افتتحت أمانة عمّان الكبرى، بالتعاون مع مختبرات جميل C40 للتخطيط الحضري والمناخ، تجربة حضرية في شارع التاج بمنطقة اليرموك. واختير الممر الذي يخدم طلاب عدة مدارس في منطقة كثيفة الحركة لتطبيق تدخلات حضرية سريعة ومنخفضة الكلفة تهدف إلى توفير فضاء أكثر أماناً وراحة للسكان والأطفال والطلاب.
أهمية التجربة ليست في حجم المشروع مقارنة بمشروعات البنية التحتية الكبرى، وإنما في الفلسفة التي تقف وراءه. فالمدينة لا تنتظر بالضرورة مشروعاً بمليارات الدراهم أو الدولارات حتى تبدأ التكيف مع الحرارة، إذ يمكن أن يبدأ التغيير من شارع ومدرسة ورصيف ومساحة ظل، ثم تقاس النتائج قبل توسيع التجربة.
وتنسجم هذه المقاربة مع توجه أوسع في عمّان، حيث أعلنت الأمانة في يوليو 2026 أن المساحات الخضراء في العاصمة تجاوزت 19 ألف دونم، وأن نصيب الفرد وصل إلى 4.25 أمتار مربعة، ضمن استراتيجية تشمل التشجير والحدائق والتكيف مع تغير المناخ.
الخليج يكشف حجم التحدي
تبدو المشكلة أكثر حدة في المدن العربية ذات المناخ الصحراوي. فقد حللت دراسة منشورة في فبراير 2026 التغيرات الحرارية في 13 مدينة في شبه الجزيرة العربية بين 1990 و2024، ووجدت أن أكثر من 80 في المائة من المساحات الحضرية التي تناولها التحليل تقع ضمن مستويات مرتفعة أو شديدة من الإجهاد الحراري وفق المؤشر الذي استخدمه الباحثون. كما أظهرت الدراسة اختلافات كبيرة بين المدن، مع مؤشرات على استفادة بعض الحالات من التشجير والتخطيط الحضري.
وجاءت دراسة أخرى نُشرت في أغسطس 2026 لتضيف مفارقة مهمة. فالتوسع العمراني في المدن سريعة النمو بشبه الجزيرة العربية لم ينتج النمط الحراري نفسه المعروف في المدن المعتدلة، ومع ذلك أدى نمو المناطق الحضرية إلى زيادة عدد السكان الذين يعيشون في بيئات ذات درجات حرارة سطحية مرتفعة، وقدرت الدراسة أن نحو 13.1 مليون نسمة إضافيين أصبحوا يعيشون في المناطق الحضرية الجديدة التي تناولها التحليل.
وهذا يجعل نسخ حلول المدن الأوروبية أو الأميركية بصورة آلية غير كاف، لأن المدينة الصحراوية تحتاج إلى تخطيط يستجيب لمناخها وموادها وأنماط استخدامها للفضاء العام.
الحرارة قضية عدالة حضرية أيضاً
لا يتعرض جميع السكان للحرارة بالشروط نفسها. فمن ينتقل بسيارة مكيفة من مرآب منزله إلى مرآب مكان عمله يعيش المدينة بصورة مختلفة عن العامل الذي ينتظر الحافلة أو الطفل الذي يمشي إلى المدرسة أو البائع الذي يقضي ساعات في الشارع.
وعندما تقل الأشجار والمظلات والحدائق في حي محدود الدخل، بينما تتوفر في أحياء أخرى، تتحول الحرارة من مسألة مناخية عامة إلى مسألة عدالة مجالية. فالقدرة على الاحتماء من الحر تصبح مرتبطة بمكان السكن والدخل وطريقة التنقل وطبيعة العمل.
لهذا لا يكفي أن تمتلك المدينة خطة مناخية على المستوى العام، بل ينبغي أن تعرف أين توجد أكثر الشوارع والأحياء تعرضاً للحرارة، ومن يستخدمها، وأين ينبغي توجيه التشجير والظل ومياه الشرب ومواقف النقل والتدخلات العمرانية أولاً.
والدار البيضاء بدأت تضع المناخ داخل التخطيط
في يوليو 2026 أطلقت جماعة الدار البيضاء رسمياً إعداد «مخطط مناخ الدار البيضاء» بدعم من البنك الدولي، وربطت المبادرة بمخطط عمل الجماعة 2023-2028 وبقضايا المرونة المجالية والتنمية المستدامة. وتأتي الخطوة في مدينة يتجاوز عدد سكانها 3.2 ملايين نسمة وتواجه، بحسب الجماعة، تحديات مناخية متزايدة.
لكن الاختبار الحقيقي سيظهر في ترجمة التخطيط المناخي إلى تفاصيل الحياة اليومية، لأن المواطن لا يعيش «المخطط المناخي» بوصفه وثيقة إدارية، وإنما يعيشه عندما يجد شجرة في طريقه ومحطة حافلة مظللة ورصيفاً يستطيع السير عليه وساحة عامة يمكن استخدامها خلال الصيف.
وهنا تقدم المقارنة العلمية الأخيرة بين الدار البيضاء وبرشلونة فرصة مهمة للمدينة المغربية، لأنها تسمح بالانتقال من التعامل مع الحرارة كرقم مناخي عام إلى تحديد العوامل العمرانية التي تجعل بعض أجزاء المدينة أكثر سخونة من غيرها.
من الشجرة إلى سياسة المدينة
قد تبدو زراعة الأشجار أو إنشاء الظلال أقل إثارة من الجسور والأنفاق والأبراج، لكن المدينة التي تواجه ارتفاع الحرارة تحتاج إلى إعادة تعريف ما تعتبره بنية تحتية. فالشجرة التي تخفض التعرض للشمس، والمظلة التي تجعل محطة الحافلة قابلة للاستخدام، والرصيف الذي يسمح بالمشي، والحديقة القريبة من المنزل، والمواد التي تقلل اكتساب الأسطح للحرارة يمكن أن تصبح عناصر أساسية في أداء المدينة.
ولا توجد وصفة واحدة تصلح لكل المدن العربية، لأن الدار البيضاء الساحلية ليست الرياض الصحراوية، وعمّان الجبلية ليست دبي أو مسقط. وهذا بالضبط ما تؤكده الأبحاث الحديثة التي تدعو إلى حلول تستجيب للمناخ المحلي وشكل المدينة وسلوك السكان بدلاً من استيراد نموذج عمراني واحد.
لذلك قد يكون التحول الأهم في السنوات المقبلة هو الانتقال من مدينة تحاول حماية المباني من الحرارة إلى مدينة تحاول حماية الحياة الحضرية نفسها. وعندما يصبح من الممكن أن يمشي الطفل إلى المدرسة، وينتظر العامل الحافلة، ويجلس المسن في الساحة العامة خلال أشهر الحر من دون أن يتحول الفضاء الخارجي إلى منطقة يصعب استخدامها، عندها تصبح الظلال والأشجار وتصميم الشوارع جزءاً من البنية الأساسية للمدينة العربية، لا مجرد إضافات تجميلية على هامشها.