حين يحصل سكان الصفيح على شقة.. ماذا يحدث لأرزاقهم؟ درس من الدار البيضاء
Listening requires a matching voice in your browser.

حين تنتقل أسرة من بيت هش في دوار صفيحي إلى شقة مبنية بالإسمنت، مزودة بالماء والكهرباء وشبكات الصرف، تبدو النتيجة للوهلة الأولى واضحة: لقد تحسنت ظروف السكن. غير أن المدينة لا تتكون من الجدران وحدها، والسكن ليس مجرد سقف ومساحة بالمتر المربع، لأن الحي الذي تغادره الأسرة قد يكون أيضاً المكان الذي تعمل فيه وتبيع وتشتري وتستدين وتتلقى المساعدة وتبني شبكة العلاقات التي تسمح لها بمواجهة الفقر.
هذه الزاوية التي لا تظهر عادة في صور هدم الصفيح وتسليم الشقق الجديدة توجد في قلب دراسة حديثة للباحث عمر بن حمان حول تجربة إعادة إسكان سكان لبراهمة في المروة بالدار البيضاء. وتعيد الدراسة فتح واحد من أكثر ملفات السياسة الحضرية المغربية حساسية، ليس من زاوية الدفاع عن السكن غير اللائق، وإنما من خلال البحث في الأشياء غير المرئية التي يمكن أن تضيع عندما تعالج المدينة مشكلة البيت ولا تنتبه بما يكفي إلى الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية التي نشأت حوله.
لبراهمة لم يكن مجرد تجمع من البيوت الهشة
نشأ دوار لبراهمة في الأطراف الجنوبية الغربية للدار البيضاء واستقبل، على امتداد سنوات، أسر مهاجرين قدم بعضهم من مناطق مغربية مختلفة بحثاً عن السكن والعمل. ومع توسع المدينة أصبح المجال الذي كان يقع في هامشها جزءاً من أطرافها الحضرية المتحركة، وتشكل داخله اقتصاد يومي اعتمد بدرجة كبيرة على العمل غير المهيكل والخدمات الصغيرة والتجارة المنزلية.
لا يعني ذلك أن ظروف السكن كانت جيدة أو أن نقص التجهيزات والخدمات ينبغي النظر إليه باعتباره نموذجاً حضرياً مرغوباً فيه. فالفرق ضروري بين الاعتراف بالمشكلات المادية للأحياء غير الرسمية وبين افتراض أن هدم الحي يمحو فقط مظاهر الهشاشة. ما توضحه دراسة بن حمان هو أن الحي كان يحتوي، إلى جانب هشاشته، على منظومة اقتصادية واجتماعية سمحت لأسر محدودة الدخل بتدبير حياتها بوسائل لم تكن متاحة لها دائماً في سوق العمل الرسمي.
داخل هذه المنظومة كان البيت يؤدي أكثر من وظيفة. يمكن أن يكون مكاناً للسكن ودكاناً صغيراً أو ورشة أو فضاء لإعداد الطعام والخبز وبيعه، بينما وفرت عمليات إصلاح البيوت والتجهيزات فرصاً للحرفيين والعمال. وكان القرب بين السكان يسمح كذلك بتبادل المعلومات عن فرص العمل والمساعدة اليومية، بحيث أصبحت العلاقات الاجتماعية نفسها جزءاً من اقتصاد الحي.
عندما ينتقل البيت ولا تنتقل المهنة
كان الانتقال إلى المروة يعني بالنسبة إلى الأسر الحصول على سكن أكثر انتظاماً من الناحية العمرانية، لكنه غيّر في الوقت نفسه علاقة بعض السكان بالمكان الذي كانوا يكسبون فيه رزقهم. وتظهر مقابلات الدراسة أن أنشطة منزلية صغيرة أصبحت أكثر صعوبة داخل العمارات، خصوصاً عندما كانت الشقة في طابق مرتفع ولم يعد ممكناً استعمال واجهة المنزل أو المساحة المحيطة به بالطريقة السابقة.
هنا يظهر جانب لا تلتقطه المؤشرات التقليدية لبرامج إعادة الإسكان بسهولة. تستطيع الإدارة أن تحصي الأسر التي انتقلت، والشقق التي أنجزت، والمساكن الهشة التي أزيلت، لكن قياس ما حدث لدخل الأسرة بعد الانتقال أو لشبكة زبائن بائع صغير أو لقدرة امرأة على ممارسة نشاط منزلي يحتاج إلى نوع مختلف من التقييم.
فالمشكلة ليست أن السكن النظامي أقل قيمة من السكن الهش، وإنما أن تصميم السكن الجديد قد يفترض ضمناً فصلاً واضحاً بين مكان الإقامة ومكان العمل، بينما كانت حياة جزء من الأسر ذات الدخل المحدود قائمة أصلاً على الجمع بين الاثنين.
شقة أفضل ودخل أكثر هشاشة
تقدم الدراسة حالات توضح هذا التناقض. فقد كان بعض السكان يعتمدون في لبراهمة على متاجر منزلية أو ورش صغيرة أو بيع الخضر والمواد الغذائية وأعمال الصيانة والحرف، وعندما انتقلوا إلى المروة لم يكن من الممكن دائماً نقل النشاط الاقتصادي نفسه إلى المكان الجديد.
وبالنسبة إلى من اضطر إلى البحث عن العمل في مناطق أخرى من الدار البيضاء، دخل عنصر جديد إلى ميزانية الأسرة هو كلفة التنقل. وتشير إحدى الحالات التي وثقتها الدراسة إلى عامل أصبح يحتاج إلى نحو 500 درهم شهرياً للتنقل إلى عمل لا يتجاوز دخله ألفي درهم، أي إن ربع دخله تقريباً أصبح يذهب إلى الوصول إلى مكان العمل.
تكشف هذه الحالة أن المسافة ليست مجرد رقم جغرافي، بل يمكن أن تتحول إلى اقتطاع مباشر من دخل الأسرة. وكلما ابتعد السكن منخفض الكلفة عن مناطق التشغيل، قد تحقق المدينة تحسناً في جودة المبنى بينما تنتج في الوقت نفسه كلفة جديدة مرتبطة بالنقل والزمن والوصول إلى الفرص.
الاقتصاد غير المهيكل ليس تفصيلاً خارج المدينة
تدفع الدراسة أيضاً إلى مراجعة النظرة التقليدية إلى الاقتصاد غير المهيكل. فالأنشطة الصغيرة التي كانت قائمة في لبراهمة لم تكن مجرد تجاوزات ينبغي أن تختفي بمجرد انتقال السكان إلى حي منظم، بل كانت بالنسبة إلى عدد من الأسر وسيلة للتكيف مع سوق عمل لا يوفر للجميع وظيفة مستقرة.
ويشير بن حمان إلى أن التخطيط الذي يتجاهل هذه الحقيقة قد ينقل الأسرة من الهشاشة السكنية إلى شكل آخر من الهشاشة الاقتصادية. ولهذا تدعو الدراسة إلى نماذج أكثر مرونة تسمح بمساحات للأنشطة الصغيرة وتدمج الممارسات الاقتصادية للسكان في التخطيط بدلاً من محاولة محوها بالكامل.
ولا تعني هذه المقاربة تحويل العشوائية إلى نموذج ينبغي الحفاظ عليه، وإنما الاعتراف بأن تنظيم المدينة يصبح أكثر فعالية عندما يبدأ بفهم الطريقة التي يعيش بها السكان فعلاً، بدلاً من افتراض أنهم سيغيرون اقتصادهم وعلاقاتهم بمجرد انتقالهم إلى مبنى جديد.
ما لا يظهر في مخطط إعادة الإسكان
لا يقتصر أثر الانتقال على الاقتصاد. ففي الأحياء التي تتشكل عبر سنوات طويلة، تتكون شبكات من القرابة والجيرة والثقة وتبادل الخدمات، وقد تساعد هذه الشبكات الأسرة عندما تفقد دخلاً أو تحتاج إلى رعاية الأطفال أو تبحث عن فرصة عمل.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن الانتقال إلى المروة أضعف بعض هذه العلاقات، وهو ما يسميه الباحث ضمنياً خسائر لا تظهر بسهولة في الحساب العمراني التقليدي. فالأسرة قد تحصل على مساحة سكنية أكثر انتظاماً، لكنها قد تصبح أبعد عن الشخص الذي كان يوفر لها عملاً أو عن الجار الذي يساعدها أو عن السوق الذي تعرف زبائنه.
لهذا يصبح تقييم إعادة الإسكان أكثر تعقيداً من المقارنة بين البيت القديم والشقة الجديدة، لأن السؤال الحقيقي يتعلق بمجموع شروط الحياة قبل الانتقال وبعده، بما فيها الدخل والتنقل والعلاقات الاجتماعية والوصول إلى المدرسة والعمل والسوق والخدمات.
الدار البيضاء تكشف معضلة أوسع
حالة لبراهمة ليست دليلاً كافياً للحكم على جميع عمليات إعادة الإسكان في المغرب، والدراسة نفسها تشير إلى محدودية إمكانية تعميم نتائجها بسبب حجم العينة وتركيزها على مرحلة محددة من إعادة الإسكان.
لكن أهميتها تكمن في أنها تكشف زاوية غالباً ما تضيع عندما يقاس نجاح السياسة السكنية بعدد الوحدات المنجزة وحده. فالمشكلة الحضرية لا تنتهي عند توفير أربعة جدران، لأن موقع السكن وتصميمه وعلاقته بالعمل والنقل والسوق والخدمات تحدد ما إذا كان الانتقال سيحسن حياة الأسرة في مجموعها.
ومن هنا يمكن قراءة تجربة الدار البيضاء باعتبارها دعوة إلى توسيع مفهوم «السكن اللائق». فالبيت اللائق يحتاج إلى ماء وكهرباء وأمان وبنية جيدة، لكنه يحتاج أيضاً إلى مدينة تسمح لسكانه بالوصول إلى مصدر الرزق من دون أن تستهلك المسافة جزءاً كبيراً من دخلهم، وإلى تخطيط يعترف بأن بعض الأسر تحتاج إلى مساحة صغيرة للنشاط الاقتصادي بقدر حاجتها إلى غرفة إضافية.
من القضاء على الصفيح إلى بناء حياة قابلة للاستمرار
نجاح برامج إعادة الإسكان لا ينبغي أن يقاس فقط بما اختفى من المشهد الحضري، بل بما أصبح ممكناً في حياة السكان بعد الانتقال. وإذا كان التخلص من السكن غير اللائق هدفاً اجتماعياً مشروعاً، فإن التحدي الأكثر صعوبة يبدأ بعد تسليم المفاتيح، حين ينبغي معرفة ما إذا استطاعت الأسرة الحفاظ على دخلها والوصول إلى عملها وإعادة بناء علاقاتها الاجتماعية والتكيف مع النفقات الجديدة.
بهذا المعنى، تقدم تجربة لبراهمة والمروة درساً يتجاوز الدار البيضاء، لأن السياسة الحضرية تستطيع أن تنجح في بناء المسكن وأن تواجه في الوقت نفسه صعوبة في إعادة بناء الاقتصاد الصغير الذي كان يحيط به. وحين يوضع العمل والنقل والعلاقات الاجتماعية إلى جانب جودة البناء في تقييم المشروع، يصبح الانتقال من السكن الهش إلى السكن المنظم تحولاً في حياة الأسرة كلها، لا مجرد انتقال من عنوان إلى عنوان.