لماذا تتشابه العمارات المغربية الجديدة؟ حين تفقد المدينة شخصيتها المعمارية

العمران والهندسة
Listen to articlesAutomated reading of the article

Listening requires a matching voice in your browser.

يكفي أن تنتقل بين عدد من الأحياء الجديدة في الدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش حتى ينتابك أحياناً شعور بأنك شاهدت المبنى نفسه أكثر من مرة. تتغير أسماء الإقامات والمنعشين العقاريين، وتختلف مساحة الشقق والأسعار، لكن المشهد يعيد إنتاج نفسه: كتل متقاربة، شرفات متشابهة، ألوان محايدة وواجهات يمكن، مع تعديلات محدودة، أن تنتقل من مدينة إلى أخرى من دون أن يبدو الأمر غريباً.

ليست المشكلة في أن العمارة الجديدة لا تشبه المدينة القديمة، ولا المطلوب أن نضيف الأقواس والزليج والنقوش إلى كل بناية حتى نمنحها هوية مغربية. فالمدينة ليست متحفاً، والعمارة لا يمكن أن تتوقف عند صورة الماضي. المشكلة تبدأ عندما يصبح التشابه نتيجة لطريقة في إنتاج السكن تفصل المبنى عن الحي، والحي عن المدينة، والعمارة عن المناخ وطريقة عيش السكان.

عندها لا يعود السؤال لماذا تتشابه العمارات فقط، بل يصبح أوسع: كيف نبني مساكن كثيرة من دون أن ننتج بالضرورة أحياء لها شخصية؟

العقار يسبق العمارة

لفهم هذا التحول، لا يكفي أن نبدأ من مكتب المعماري، لأن المشروع يبدأ قبل أن يرسم خطه الأول. هناك أرض لها ثمن، ووثائق تعمير تحدد ما يمكن بناؤه، وعدد من الطوابق، ومساحة قابلة للبيع، وكلفة للتمويل والبناء، ثم سعر ينبغي أن يقبله السوق.

داخل هذه المعادلة يصبح كل متر مربع مهماً. وحين ترتفع قيمة الأرض، يزداد الضغط للاستفادة القصوى من المساحة المتاحة. يبحث المنعش عن نموذج يعرف تكلفته ويستطيع تسويقه، بينما يتحرك المعماري داخل برنامج محدد وميزانية وشروط تقنية وعمرانية لا يستطيع تجاهلها.

لهذا يصبح النموذج الذي نجح في مشروع سابق أقل مخاطرة من تجربة جديدة. ليس لأن الجميع يرفض الابتكار، بل لأن الاستثمار العقاري يميل بطبيعته إلى تقليل المخاطر. فإذا وجد نموذج معين من الشقق والواجهات مشتريه، يصبح تكراره في المشروع التالي خياراً اقتصادياً مفهوماً.

وهكذا قد يبدأ تشابه العمارات قبل أن تظهر واجهاتها.

المعماري يرسم.. لكنه لا يقرر وحده

هذا لا يعفي المعماري من المسؤولية، لكنه يمنعنا من اختزال المشكلة فيه. فالمعماري يعمل داخل شبكة من القيود تشمل الارتفاع ونسبة البناء والارتدادات ومواقف السيارات والسلامة والميزانية والمواد المتاحة والبرنامج الذي يريده صاحب المشروع.

وجود هذه القواعد ضروري، لأن المدينة لا يمكن أن تُبنى بلا تنظيم. لكن احترام القانون لا ينتج تلقائياً عمارة جيدة.

يمكن لمبنيين أن يحترما الشروط نفسها، ثم ينتج أحدهما شارعاً مريحاً وحياً بينما يترك الآخر رصيفاً بلا ظل، ومدخلاً معزولاً، وطابقاً أرضياً لا يضيف شيئاً إلى الحياة المحيطة به.

وهنا يظهر الفرق بين تنظيم البناء وصناعة المدينة. الأول يحدد ما يجوز بناؤه، أما الثاني فيسأل عما سيحدث للناس عندما يصبح المشروع جزءاً من حياتهم اليومية.

ما لا تظهره صورة الإعلان العقاري

يُقدَّم المشروع الجديد عادة في صور جذابة: واجهة نظيفة، شرفات مرتبة، بعض الأشجار وسيارات قليلة. لكن الساكن لا يعيش داخل الصورة الإعلانية، وإنما يعيش العلاقة اليومية بين البيت والشارع.

هل يستطيع الخروج من العمارة والمشي بأمان؟ هل توجد شجرة تظلل الرصيف؟ هل المحلات والخدمات قريبة؟ أين يلعب الأطفال؟ وهل يستطيع المسن الوصول بسهولة إلى المدخل؟ وهل الشرفة مصممة لتُستعمل فعلاً، أم أنها مجرد عنصر في الواجهة؟

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع، حين تتكرر في مئات المباني، نوع المدينة التي نعيش فيها.

فالواجهة ليست شأناً خاصاً بصاحب العقار وحده. بمجرد اكتمال البناء تصبح جزءاً من الشارع، ويصبح المدخل جزءاً من حركة الناس، كما تؤثر كتلة العمارة وظلها ومواقف سياراتها وسكانها في الحي بأكمله.

الملكية خاصة، لكن الأثر الحضري عام.

الهوية ليست زليجاً فوق الخرسانة

عندما نطرح سؤال الهوية المعمارية المغربية، تظهر أحياناً إجابة سهلة: نضيف القوس والزليج والنقوش وبعض الألوان المرتبطة بالعمارة التقليدية.

لكن المدن المغربية التاريخية لم تكتسب شخصيتها من الزخرفة وحدها. تشكلت أيضاً من استجابة طويلة للمناخ والخصوصية والعلاقات الاجتماعية والمواد وطريقة استعمال الفضاء.

الفناء الداخلي لم يكن مجرد زينة، والأزقة الضيقة لم تكن اختياراً جمالياً فقط، كما أن الظل والفتحات وسماكة الجدران والعلاقة بين البيت والشارع كانت مرتبطة بطريقة العيش والبيئة.

لذلك لا تحتاج العمارة المغربية المعاصرة إلى ارتداء لباس قديم حتى تكون مغربية.

قد يكون مبنى حديث، خالٍ تماماً من الأقواس والزليج، أكثر ارتباطاً بالمكان إذا تعامل بذكاء مع الشمس والتهوية والخصوصية والشارع وحاجات السكان. وفي المقابل، يمكن لمبنى مليء بالزخارف التقليدية أن يظل مجرد صورة سطحية للعمارة المغربية إذا تجاهل كل هذه العناصر.

المطلوب ليس استنساخ الماضي، بل فهم منطقه وإنتاج إجابة معاصرة.

الدار البيضاء ليست مراكش

تظهر مشكلة التشابه بوضوح أكبر عندما يصبح النموذج السكني نفسه قابلاً للانتقال بين المدن.

فالمغرب ليس مجالاً عمرانياً متجانساً. طنجة مرتبطة بالبحر وبمناخ مختلف عن مراكش، والدار البيضاء لها كثافتها وإيقاعها الاقتصادي، والرباط لها مسار عمراني مختلف، بينما خرجت أكادير الحديثة من تاريخ معماري خاص بها.

إذا كانت المدن مختلفة، فمن الطبيعي أن تترك هذه الاختلافات أثراً في عمارتها.

ولا يتعلق الأمر بالجمال وحده. فالمبنى الذي يتعامل جيداً مع الظروف المناخية في مدينة ساحلية ليس بالضرورة الحل نفسه لمدينة داخلية أكثر حرارة. اتجاه الشمس والتهوية والرطوبة والظل عناصر ينبغي أن تؤثر في التصميم، لا أن تأتي بعده.

ومع ارتفاع درجات الحرارة، تصبح المسألة أكثر أهمية. فالمبنى الذي لا يساعد سكانه على التعامل مع المناخ سيجعلهم أكثر اعتماداً على أجهزة التكييف، أي أن قراراً اتخذ أثناء التصميم يمكن أن يتحول لاحقاً إلى فاتورة طاقة يدفعها السكان لسنوات.

هنا تصبح الهوية أيضاً علاقة بالبيئة، وليست مجرد شكل.

نبني الشقق ثم نبحث عن الحي

لكن تشابه العمارات ليس سوى الجزء الظاهر من مشكلة أعمق، لأننا نستطيع بناء آلاف الوحدات السكنية من دون أن نبني حياً بالمعنى الحقيقي للكلمة.

الحي ليس مجموعة عمارات متجاورة. يحتاج إلى مدرسة وحديقة ومخبزة ومحلات ومقهى وخدمات، وإلى أرصفة يمكن السير عليها، ونقل يربطه ببقية المدينة، وأماكن يستطيع الناس أن يلتقوا فيها من دون أن يكون عليهم شراء شيء.

عندما تأتي العمارات أولاً ثم نبحث بعد ذلك عن المدرسة والحديقة والحافلة، نكون قد أنتجنا وحدات سكنية قبل أن ننتج الحياة التي ستربط بينها.

وهذا فارق أساسي عند تقييم سياسة السكن. فعدد الوحدات المبنية مهم، لكنه لا يخبرنا وحده إن كنا قد نجحنا في بناء المدينة.

قد تنتقل أسرة إلى شقة أفضل، ثم تجد نفسها بعيدة عن العمل والمدرسة. وقد يكون ثمن المسكن مناسباً، لكن كلفته الحقيقية ترتفع بسبب التنقل والوقت الذي تقضيه الأسرة يومياً على الطريق.

فتكون المدينة قد حلت مشكلة السكن في مكان، وأعادت إنتاجها في صورة مشكلة نقل أو خدمات أو جودة حياة.

المسؤولية لا تقع على طرف واحد

لهذا سيكون من السهل تحميل المنعش العقاري المسؤولية كاملة، كما سيكون من غير الدقيق إلقاؤها على المعماري أو الجماعة وحدهما.

المدينة نتيجة سلسلة من القرارات. المنعش يحدد برنامجه الاقتصادي، والمعماري يحوله إلى مشروع، ووثائق التعمير تحدد جزءاً مما يمكن إنجازه، والمؤسسات تخطط للتجهيزات وتمنح التراخيص، بينما يؤثر المشتري نفسه في السوق من خلال ما يطلبه وما يستطيع شراءه.

لكن تعدد المسؤولين لا يعني غياب المسؤولية.

إذا كانت النتيجة أحياء تتكرر فيها النماذج نفسها وتضعف فيها العلاقة بالشارع والظل والخدمات، فإن المطلوب ليس البحث عن شخص واحد نلقي عليه اللوم، بل مراجعة المنظومة التي تجعل هذه النتيجة قابلة للتكرار.

وهنا ينبغي أن تصبح جودة العمران جزءاً من النقاش، لا مجرد احترام المشروع لعدد الطوابق والارتدادات ومواقف السيارات. ينبغي النظر أيضاً إلى علاقة الطابق الأرضي بالشارع، وحركة المشاة، والتشجير، والظل، والمواد، وطبيعة المكان الذي سيستقبل المشروع.

ولا يعني ذلك فرض شكل معماري واحد، لأننا سنعود بذلك إلى المشكلة نفسها. المطلوب وضع قواعد للجودة تترك داخلها مساحة للاختلاف والإبداع.

عندما تتذكر العمارة أين توجد

ليس على المغرب أن يختار بين الحداثة والهوية، فهما ليسا نقيضين.

يمكن للعمارة المعاصرة أن تكون بسيطة وحديثة، وفي الوقت نفسه مرتبطة بالمكان. والهوية الحقيقية لا تأتي من إجبار كل مبنى على إعلان مغربيته من واجهته، وإنما من قدرته على الاستجابة للمدينة التي يوجد فيها وللناس الذين سيعيشون داخله وحوله.

عندها يمكن أن تختلف عمارة مراكش عن عمارة طنجة من دون أن نضع فوق الأولى زخارف حمراء وفوق الثانية لوناً أبيض. الاختلاف الأعمق سيأتي من المناخ والكثافة وطبيعة الشارع والمواد وطريقة استعمال السكان للمسكن والفضاء العام.

وربما لهذا لا يكون تشابه العمارات الجديدة هو المشكلة الأساسية، بل العلامة الظاهرة على انفصال إنتاج السكن أحياناً عن إنتاج المدينة.

فبالنسبة إلى المشروع العقاري، قد تبدو المهمة مكتملة عندما تنتهي الأشغال وتُباع الشقق ويتسلم السكان المفاتيح. أما بالنسبة إلى المدينة، فالحكاية تبدأ في تلك اللحظة.

سيخرج السكان إلى الشوارع، وستتحرك سياراتهم نحو الطرق، وسيذهب أطفالهم إلى المدارس، وسيبحثون عن الحافلات والمتاجر والحدائق والمقاهي والظل. وعندها فقط سنعرف إن كنا قد بنينا حياً أم اكتفينا بوضع مجموعة من العمارات بجوار بعضها.

فالمدينة المغربية لا تحتاج إلى عمارة تصرخ بأنها «مغربية» من خلال زخارفها، ولا إلى نسخ الماضي فوق خرسانة الحاضر. تحتاج إلى عمارة تعرف أين توجد، وتفهم مناخها وشارعها وسكانها، وتدرك أن أثرها سيستمر طويلاً بعد مغادرة المعماري والمنعش للمشروع.

وعندما تستعيد العمارة هذه العلاقة بالمكان، لن نحتاج إلى سؤال المبنى عن هويته؛ سنعرف المدينة التي ينتمي إليها بمجرد أن نعيش حوله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Continue reading

A letter from the city

Stories worth receiving.

Register your interest in our newsletter. Mailings will begin when it launches.